الكاتبة انوار سرحان وتداخل الفنون في التعبير عن خلجاتها الانسانية  / وجدان عبدالعزيز مستشار صدانا في العراق
حينما تنهمر روحي ببوح حول نص ما ، ساسأل الساحرة شيئا من ماء تعويذتها ، وابعث الى ذلك النص او مبدعه بهدية ، هي عبارة عن منديلي المعطر المكنون ، قاسما بالحديقة الملائكية ان اكون باحثا عن الجمال بين ثناياه ومن هذه النصوص الرائعة ، ذلك هو (شذرات.. من رحم المرايا) ، للكاتبة الرسامة بالكلمات لالوان الحياة ومجالات الكون ومرايا خلجات الروح ، وهي تتشظى عبر تلك الاسطر ، لاقول كما يقول الشبلي : (المعرفة اولها الله “المطلق” واخرها ما لانهاية له) ، واردد مع الكاتبة انوار سرحان حيث تقول : (رأيتُهم جميعاً هناك، كان الألم يتقاطع بالأمل، وكانت الألوان تتداخل، والصرخات تختلط حدّ الفوضى، ولكني أصغيتُ السمعَ بكلّي.. فتبيّنتُ بعضاً ممّا قالوا:) وهنا وجدت الكاتبة غارقة في عملية تداخل الفنون التعبيرية (فالتداخل ـ اذن ـ كان على شاكلتين ، لسانية تخص فنون الادب المجاورة للشعر ، ولا لسانية ـ ان صح التعبير ـ تخص الفنون البصرية ، وكلاهما يظهر تداخله عبر مستويين من مستويات النص الشعري ، الاول : مستوى الافادة المباشرة ، كما في استثمار البنى السردية والحوار المسرحي في الحالة الاولى للتداخل ، واستثمار الصورة والهيئات البصرية في الثانية ، الثاني : مستوى الافادة غير المباشرة ، كما في توفر الحس الدرامي وبعض تقنيات السرد بصورة جزئية في الحالة الاولى . واستثمار تقنيات الرسم او السينما ضمن لغة النص بدون الحاجة للاتصال البصري ، في الحالة الثانية)5 ، (ولا ينبغي ان نعزل النص عن اسقاطات الخارج وملابساته المحيطة ، والتنقيب فيه وحده ، وتصيد الاثر في الكتابة “النص” ومن خلالها ومعها كما يرى جاك دريدا ، بل ان “كارل فوسلر سبيزر” قد بثها على ضرورة التعرف الى خصائص أي عنصر من خلال دراسة اللغة وتحليلها ، للوقوف بوساطة هذا التحليل على التيارات السياسية والاجتماعية والدينية التي ولد النص في كنفها وكل عاطفة او افراز يصدر حالتنا النفسية الطبيعية يناسب في المجال التعبيري افرازا للاستعمال اللغوي الطبيعي ، وبالتالي كل انحراف عند الشاعر يعد اختيارا لاساليب تعبيرية تكشف عن نضج داخلي في نفسيته ، وهو ما يعري الجذور النفسية للكلمات) راسمة بهذا التداخل كما قلت لوحة واقعية ممزوجة برؤى الجمال ورفض القبح ، تقول الكاتبة: (مجدّداً تناثر الجوريّ والفلّ والريحان فيّ؟!
مجدداً تعفّر عمقي بالتراب؟
حين أقتلك في المرة القادمة سأحرص إذن أن تموتَ جيداً،
فقد سئمتُ نبشَك كلّ مرةٍ للقبر!) ثم تقول في مقطع اخر :
(رجلاه تسبحان إلى أعلى رافستَين الهواء
رأسُه غارقةٌ في المستنقع
فمه إذا ما انفتح ليصرخ مستنجدًاً سدّه الوحل فعاد يزدرده بصمت
صرخاتُ المصعوقين لا تنفذ لأذنيه:
مَن الذي قلب العالَم رأساً على عقِب؟!)

فاختلطت لوحة الجمال برفض الكاتبة للقبح وسخريتها المنفعلة ، لهذا الواقع المر المقلوب رأسا على عقب ، فما أحوجنا لصياغة لغة شعرية عالمية تحمل هموم الإنسان في بحثه الأزلي عن حقيقة جمال الحياة وضجيجها والذي يقابل الصمت أي الموت لنعثر على بديهة يثبتها الشعر عبر مر العصور والأكوان ، وهي نزوع الإنسان نحو الخلود ونحو مثالية الحياة ويبقى هذا الإنسان يصارع وينتقل هذا الصراع من جيل لآخر ولا يختلف الشعراء بصدده سواء من كان عربيا أو أعجميا ، لهذا تقول الكاتبة انوار :

(لأنّ الطعنات لا تُمضَغ يا حبيبي
تتجمّع مرارتها عند باب اللسان
ولأن الضربات لا تذوب
تتكاثر على الجسد الندوب
فلا تسألني إذا ما التقينا
عن دكنة جسدي المخشوشن
وطعم الحنظل ينبعث من قُبلتي
سلني فقط عن عدد الضربات والطعنات)

وبمقابل هذا تقول :

(قبلة
قُبلتُكِ التي انتظرتُها أشواقاً
قُبلتُكِ التي التهَمَتني بلهفة
قبلتُكِ التي صبغتني بالحُمرة
كانت خاليةً من الماكياج
كانت مغرَقَةً بالدم!

دم.. دم
كفّي عن الصراخ قليلاً أيتها المرآة.. وافهمي:
لم أُقتَل بعد..
إنه العالَم المسكين الرابضُ فوق رأسي ..
تفيض دماؤه عليّ فتغرقني…)

هذا الصراع الذي تعانيه الكاتبة وتنقله صورا لغوية تحاول ان تنزل الى اعماقها لتظهر تلك الخلجات التي تتصارع … يقول الدكتور عناد غزوان : (فالقصيدة التي يكتب لها البقاء ” ليست سكب للعواطف الذاتية .. فالطريقة الوحيدة للتعبير عن العاطفة ، انما تكون بالعثور على معادل موضوعي ، وبعبارة اخرى ، العثور على مجموعة اشياء ، على موقف ، على سلسلة من الاحداث تكون هي الصيغة التي توضع فيها تلك العاطفة ، حتى اذا اعطيت الوقائع الخارجية التي لابد ان تنتهي خلال التجربة الحسية ، استثيرت العاطفة على التو) هكذا وجدتها تختصر حيز القصيدة وتكشف خبرتها باوجز شكل ممكن محاولا الحديث عنها ، لـ(ان الغاية الاساسية من الخلاصة النثرية ، هي ان يعرف القاريء على نحو تقريبي معنى القصيدة الحرفي ، او ما تدل عليه القصيدة في ادنى مستوى من مستويات التذوق الادبي ، لان تقديم خلاصة نثرية يعني تقديم شبح معنى القصيدة او ظل المعنى وليس المعنى بعينه ، فالمعنى يبقى مغلقا في تلك الشبكة المعقدة من الصور الفنية والمجازات والايحاءات والدلالات ، والخلاصة النثرية تهمل نواح جمالية متعددة في القصيدة ، كأهمال الايحاءات الصوتية او الصورية او الشمية ، وهنا يكمن الخطر في ان نعادل بين القصيدة وخلاصتها النثرية ، وينبغي ان ندرك دوما ان ليست هناك خلاصة نثرية يمكن ان تقترب من الاصل ، وكل مانروم من تقديم الخلاصة النثرية هو ان الا يشطح بنا الخيال في القصيدة ما ليس بها)1 وتبقى الكاتبة منفعلة بقولها : (- أن يسعى أناسٌ لإحياء حلمهم المغتال، ولو بأغلى الأثمان،
أن يموت أبرياء كثيرون دون أن يحزنوا، وتزغردَ أمهاتهم رغم الفجيعة،
أن تختلط صرخةُ المظلوم والظالم..وأن يجد حتى الأغبياءُ فرصةً لاستعراض “وعيٍ مزيَّف”..
أن ينقسم العالم فرَقاً فرَقاً، أن يبتلع الكثيرون غصّاتٍ باقية، وأن يسقط طاغية!
ثمّ أن تأتي جماعاتُ كلابٍ ضالةٍ مصعورة، ترقص فوق الجثث والدماء،
وتقطف الوردَ الذي حلمنا بتفتّحه، حتى تنسجه تاجاً تضعه على رأس طاغيةٍ جديد…
يغتال حلمَنا بطريقةٍ أخرى!)

هكذا اختطت لنفسها الكاتبة انوار سرحان طريقة خاصة للتعبير عن خلجاتها الانسانية ورفضها للقبح وانحيازها لجمال الكون والوجد

الكاتبة انوار سرحان<br /><br /><br />
      وتداخل الفنون في التعبير عن خلجاتها الانسانية</p><br /><br />
<p>                                         وجدان عبدالعزيز</p><br /><br />
<p>حينما تنهمر روحي ببوح حول نص ما ، ساسأل الساحرة شيئا من ماء تعويذتها ، وابعث الى ذلك النص او مبدعه بهدية ، هي عبارة عن منديلي المعطر المكنون ، قاسما بالحديقة الملائكية ان اكون باحثا عن الجمال بين ثناياه ومن هذه النصوص الرائعة ، ذلك هو (شذرات.. من رحم المرايا) ، للكاتبة الرسامة بالكلمات لالوان الحياة ومجالات الكون ومرايا خلجات الروح ، وهي تتشظى عبر تلك الاسطر ، لاقول كما يقول الشبلي : (المعرفة اولها الله "المطلق" واخرها ما لانهاية له) ، واردد مع الكاتبة انوار سرحان حيث تقول : (رأيتُهم جميعاً هناك، كان الألم يتقاطع بالأمل، وكانت الألوان تتداخل، والصرخات تختلط حدّ الفوضى، ولكني أصغيتُ السمعَ بكلّي.. فتبيّنتُ بعضاً ممّا قالوا:) وهنا وجدت الكاتبة غارقة في عملية تداخل الفنون التعبيرية (فالتداخل ـ اذن ـ كان على شاكلتين ، لسانية تخص فنون الادب المجاورة للشعر ، ولا لسانية ـ ان صح التعبير ـ تخص الفنون البصرية ، وكلاهما يظهر تداخله عبر مستويين من مستويات النص الشعري ، الاول : مستوى الافادة المباشرة ، كما في استثمار البنى السردية والحوار المسرحي في الحالة الاولى للتداخل ، واستثمار الصورة والهيئات البصرية في الثانية ، الثاني : مستوى الافادة غير المباشرة ، كما في توفر الحس الدرامي وبعض تقنيات السرد بصورة جزئية في الحالة الاولى . واستثمار تقنيات الرسم او السينما ضمن لغة النص بدون الحاجة للاتصال البصري ، في الحالة الثانية)5 ، (ولا ينبغي ان نعزل النص عن اسقاطات الخارج وملابساته المحيطة ، والتنقيب فيه وحده ، وتصيد الاثر في الكتابة "النص" ومن خلالها ومعها كما يرى جاك دريدا ، بل ان "كارل فوسلر سبيزر" قد بثها على ضرورة التعرف الى خصائص أي عنصر من خلال دراسة اللغة وتحليلها ، للوقوف بوساطة هذا التحليل على التيارات السياسية والاجتماعية والدينية التي ولد النص في كنفها وكل عاطفة او افراز يصدر حالتنا النفسية الطبيعية يناسب في المجال التعبيري افرازا للاستعمال اللغوي الطبيعي ، وبالتالي كل انحراف عند الشاعر يعد اختيارا لاساليب تعبيرية تكشف عن نضج داخلي في نفسيته ، وهو ما يعري الجذور النفسية للكلمات)  راسمة بهذا التداخل كما قلت لوحة واقعية ممزوجة برؤى الجمال ورفض القبح ، تقول الكاتبة:</p><br /><br />
<p>(مجدّداً تناثر الجوريّ والفلّ والريحان فيّ؟!<br /><br /><br />
مجدداً تعفّر عمقي بالتراب؟<br /><br /><br />
حين أقتلك في المرة القادمة سأحرص إذن أن تموتَ جيداً،<br /><br /><br />
فقد سئمتُ نبشَك كلّ مرةٍ للقبر!)</p><br /><br />
<p>ثم تقول في مقطع اخر :<br /><br /><br />
(رجلاه تسبحان إلى أعلى رافستَين الهواء<br /><br /><br />
رأسُه غارقةٌ في المستنقع<br /><br /><br />
فمه إذا ما انفتح ليصرخ مستنجدًاً سدّه الوحل فعاد يزدرده بصمت<br /><br /><br />
صرخاتُ المصعوقين لا تنفذ لأذنيه:<br /><br /><br />
مَن الذي قلب العالَم رأساً على عقِب؟!)</p><br /><br />
<p>فاختلطت لوحة الجمال برفض الكاتبة للقبح وسخريتها المنفعلة ، لهذا الواقع المر المقلوب رأسا على عقب ، فما أحوجنا لصياغة لغة شعرية عالمية تحمل هموم الإنسان في بحثه الأزلي عن حقيقة جمال الحياة وضجيجها والذي يقابل الصمت أي الموت لنعثر على بديهة يثبتها الشعر عبر مر العصور والأكوان ، وهي نزوع الإنسان نحو الخلود ونحو مثالية الحياة ويبقى هذا الإنسان يصارع وينتقل هذا الصراع من جيل لآخر ولا يختلف الشعراء بصدده سواء من كان عربيا أو أعجميا ، لهذا تقول الكاتبة انوار :</p><br /><br />
<p>(لأنّ الطعنات لا تُمضَغ يا حبيبي<br /><br /><br />
تتجمّع مرارتها عند باب اللسان<br /><br /><br />
ولأن الضربات لا تذوب<br /><br /><br />
تتكاثر على الجسد الندوب<br /><br /><br />
فلا تسألني إذا ما التقينا<br /><br /><br />
عن دكنة جسدي المخشوشن<br /><br /><br />
وطعم الحنظل ينبعث من قُبلتي<br /><br /><br />
سلني فقط عن عدد الضربات والطعنات)</p><br /><br />
<p>وبمقابل هذا تقول :</p><br /><br />
<p>(قبلة<br /><br /><br />
قُبلتُكِ التي انتظرتُها أشواقاً<br /><br /><br />
قُبلتُكِ التي التهَمَتني بلهفة<br /><br /><br />
قبلتُكِ التي صبغتني بالحُمرة<br /><br /><br />
كانت خاليةً من الماكياج<br /><br /><br />
كانت مغرَقَةً بالدم!</p><br /><br />
<p>دم.. دم<br /><br /><br />
كفّي عن الصراخ قليلاً أيتها المرآة.. وافهمي:<br /><br /><br />
لم أُقتَل بعد..<br /><br /><br />
إنه العالَم المسكين الرابضُ فوق رأسي ..<br /><br /><br />
تفيض دماؤه عليّ فتغرقني…)</p><br /><br />
<p>هذا الصراع الذي تعانيه الكاتبة وتنقله صورا لغوية تحاول ان تنزل الى اعماقها لتظهر تلك الخلجات التي تتصارع ... يقول الدكتور عناد غزوان : (فالقصيدة التي يكتب لها البقاء " ليست سكب للعواطف الذاتية .. فالطريقة الوحيدة للتعبير عن العاطفة ، انما تكون بالعثور على معادل موضوعي ، وبعبارة اخرى ، العثور على مجموعة اشياء ، على موقف ، على سلسلة من الاحداث تكون هي الصيغة التي توضع فيها تلك العاطفة ، حتى اذا اعطيت الوقائع الخارجية التي لابد ان تنتهي خلال التجربة الحسية ، استثيرت العاطفة على التو) هكذا وجدتها تختصر حيز القصيدة وتكشف خبرتها باوجز شكل ممكن محاولا الحديث عنها  ، لـ(ان الغاية الاساسية من الخلاصة النثرية ، هي ان يعرف القاريء على نحو تقريبي معنى القصيدة الحرفي ، او ما تدل عليه القصيدة في ادنى مستوى من مستويات التذوق الادبي ، لان تقديم خلاصة نثرية يعني تقديم شبح معنى القصيدة او ظل المعنى وليس المعنى بعينه ، فالمعنى يبقى مغلقا في تلك الشبكة المعقدة من الصور الفنية والمجازات والايحاءات والدلالات ، والخلاصة النثرية تهمل نواح جمالية متعددة في القصيدة ، كأهمال الايحاءات الصوتية او الصورية او الشمية ، وهنا يكمن الخطر في ان نعادل بين القصيدة وخلاصتها النثرية ، وينبغي ان ندرك دوما ان ليست هناك خلاصة نثرية يمكن ان تقترب من الاصل ، وكل مانروم من تقديم الخلاصة النثرية هو ان الا يشطح بنا الخيال في القصيدة ما ليس بها)1 وتبقى الكاتبة منفعلة بقولها : (- أن يسعى أناسٌ لإحياء حلمهم المغتال، ولو بأغلى الأثمان،<br /><br /><br />
أن يموت أبرياء كثيرون دون أن يحزنوا، وتزغردَ أمهاتهم رغم الفجيعة،<br /><br /><br />
أن تختلط صرخةُ المظلوم والظالم..وأن يجد حتى الأغبياءُ فرصةً لاستعراض “وعيٍ مزيَّف”..<br /><br /><br />
أن ينقسم العالم فرَقاً فرَقاً، أن يبتلع الكثيرون غصّاتٍ باقية، وأن يسقط طاغية!<br /><br /><br />
ثمّ أن تأتي جماعاتُ كلابٍ ضالةٍ مصعورة، ترقص فوق الجثث والدماء،<br /><br /><br />
وتقطف الوردَ الذي حلمنا بتفتّحه، حتى تنسجه تاجاً تضعه على رأس طاغيةٍ جديد…<br /><br /><br />
يغتال حلمَنا بطريقةٍ أخرى!)</p><br /><br />
<p>هكذا اختطت لنفسها الكاتبة انوار سرحان طريقة خاصة للتعبير عن خلجاتها الانسانية ورفضها للقبح وانحيازها لجمال الكون والوجد

 

 

 

Related Posts via Categories