اغرسوا على قَبرهِ رَياحينَ الوُرُودِ د. فايز أبو شمالة

هل كان الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رقماً في قائمة الشهداء؟ هل كان الرجل لحماً مزقته الطائرات الإسرائيلية، ودماً سال على الطرقات؟ وهل غرسناه في القبر وردة؟

قد يجودُ الرحم الفلسطيني برجال أشداء، وقد يُرضعُ الثدي العربي قادة متبصرين، وقد تطول قائمة الشهداء الأوفياء، ولكن الدكتور عبد العزيز الرنتيسي لم يكن قائداً مقاوماً، ولم يكن بطلاً عزيز النفس، كان الرجل فكرة لما تزل تتدحرج على سلم المجد، وتكبر في مواقع المقاومة.

كان الرجلُ ثقةً بالغدِ، فلم يجلْ في خاطره أن يهادنَ، وكان الرجلُ قدرةً تأثيريةً فلم ينزوِ، وكان الرجل طاقةً إبداعيةً، فلم ينكفئْ، وكان الرجلُ قناعةً راسخةً بأن دولة الصهاينةِ إلى زوالْ، فاستحضرَ عزيمةَ الرجالْ، واستحثهم لصنع المُحَالْ.

ولما كان لكلِّ إنسانٍ اسمٌ، ولكلِّ إنسانٍ من اسمه نصيبٌ، فكان نصيب عبد العزيز ألا يصيرَ ذليلاً لليهود طالما ارتضى أن يصيرَ عبداً للعزيز، بل أضحى سيدَ الموقفِ حين حققَّ أبناؤه المقاومون النصرَ بعد سنين، وقد أدركوا  دلالة كلماته التي لما تزل ترددها إذاعة صوت الأقصى حتى يومنا هذا، وهو يقول: “سننتصر يا بوش، سننتصر يا شارون”

فمن كان يصدق قبل عشر سنوات أننا سننتصر على شارون، وسينهزم بوش؟ من كان يصدق أن أمريكا القوية ستندحر أمام المقاومين العرب، وأن أسطورة اليهود وقائدهم شارون الجبار، زعيم التطرف القومي والديني، وصاحب مقولة أرض إسرائيل التاريخية خالصة لليهود، من كان يصدق أن سيد العقيدة اليهودية سينهزم على أبواب غزة، ويخرج منها مدحوراً؟ من كان يصدق أن الذي قال: إن مستوطنة “نتساريم” في قطاع غزة أغلى وأعز على قلب اليهود من مدينة تل أبيب، هو نفسه الذي يأمر جنوده بهدم المستوطنات، ليفلَّ منها هارباً؟

استمعت إلى لقاء للدكتور عبد العزيز الرنتيسي مع إذاعة لندن سنة 2001، في تلك الحقبة التي كان فيها مطلوباً للأجهزة الأمنية الفلسطينية، قال الرجل برجاء الواثق: كفّوا عن ملاحقة المقاومة، وأعطوني خمس سنوات فقط، خمس سنوات لنحرر غزة من الاحتلال.

نحن الفلسطينيين لن نكتفي بتحرير أرض غزة سنة 2005، ولن نقبل من أبناء عبد العزيز في المعركة القادمة الصمود في وجه العدوان، بل ننتظر من المقاومة الفلسطينية أن تتقدم إلى الأمام خطوة، وأن تسترد بعض الأرض الفلسطينية المغتصبة منذ سنة 1948، ولاسيما أن قطاع غزة قد ضاق بسكانه، وقلت موارده، واحتبس هواءه، واختنق الناس من الحصار.

نحن العرب المسلمين لن نتخلى عن ذرة تراب من فلسطين، ونحب أن نرى سماءنا زرقاء بلا شوائب أو ضجيج، ونشد على يد الفلسطينيين حين يعلنوا عن أحلامهم وأمنياتهم وتطلعاتهم بجلاء وسطوع، فيكفي تذلل للعدو، يكفي خنوع، وقوموا لنردد جميعنا قصيدة السجين الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، القصيدة التي يقدم فيها نفسه راضية مرضية للشهادة، ويوصي شباب فلسطين والمسلمين بمواصلة مشواره من خلال وصيته لابنه محمد، فيقول:

      هذي وصيةُ والدٍ خلفَ الســـدود            لم تثنه الآلامُ عن كسرِ القيــــــــود

     أنا يا محمدُ، يا بُنيَّ، مجـــــــــــاهدٌ            أرجو الشهادةَ، أو إلى “يبنا” أعود

     فهناك بيتي، حيثُ مسقطُ هامتي           وهناك آثاري، ومقبرةُ الجـــــــــــدود

  وهناك مدرستي، ومسجدُ بلدتي             فاعبرْ إليها، واقتحمْ تلك الحـدود

واعلمْ بأنَّ بــلادنا وقفٌ، فـــــــلا              تخدعكَ أحلامُ السلامِ مع اليهود

ويختم الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي رسالته لكل شباب فلسطين قائلاً:

      بطلاً أريدك يا محمدُ، فلتكنْ         أســــــــــــداً قوياً، بل وتخشاكَ الأسود

لتُقِرَّ عيني في الترابِ، وعندها         فاغرسْ على قبري رياحينَ الورود.

Related Posts via Categories