العودة.. إلى الكتاب د. لطفي زغلول
 
 بداية هناك أزمة قراءة في أقطار العالم العربي ومنها فلسطين. المقصود هنا القراءة اللامنهجية. وتقف عوامل كثيرة وراء تراجع فعالية هذه القراءة والتخلي التدريجي عن مصاحبة الكتاب ومصادقته سواء لدى الأطفال أو الناشئة أو حتى الفئات العمرية الأكبر سنا، في عصر يفترض أن من أهم ملامحه وسماته تطور تقنيات الطباعة وتحديث أساليب إخراج الكتب وسهولة انتقالها من مكان إلى آخر. وحينما نشير إلى التطور التقني – باعتباره أحد هذه العوامل- بالإتهام، فإننا قد لا نكون مبالغين بذلك.

 
 
إلا أننا نستدرك ونقر احتراما وتقديرا للعلم والتقنية أنهما ليسا مسؤولين مباشرين، وإنما جراء الفهم الخاطىء لرسالتهما والنظرة إليهما على أن من أهدافهما تحرير الإنسان من مسؤولياته تجاه التفكير ومشقة البحث عن وسائل لحل مشكلاته، وأنهما أيضا جاءا ليطرحا بين أيديه آليات عديدة غير الكتاب تمده بالمعلومة التي يسعى إليها، وبأسرع مما يتصور وأسهل وأدق وأكثر تشويقا.
 
 
 
حقيقة الامر لقد استولت التقنيات العلمية المتطورة ” التلفاز عبر فضائياته  والكمبيوتر بكل برامجه، والشبكة العنكبوتية “الانترنت”، والفيس بوك، والتويتر، وأجهزة الإتصال الخلوية ” وما زالت على مساحة كبيرة من اهتمامات المتعلمين وأوقاتهم، وبخاصة الفئات العمرية الفتية والشابة في كل المراحل التعليمية. إضافة إلى هذه، هناك الرسوم المتحركة ومسلسلات العنف والخيال العلمي، والبرامج الترفيهية، وبرامج تلفزيون الواقع، تلقى رواجا لدى شرائح واسعة منهم.
 
 
 
ثمة الذين هم من فئات عمرية اعلى يشغلون جل اوقات فراغهم في الجلوس الى الكمبيوتر الذي يعتبرونه الوسيلة الأكثر رقيا والأكثر ملاءمة لروح العصر والأقدر على التزويد بكل الرغبات والمطالب المعرفية. قد تكون شبكة المعلومات الدولية الانترنت في هذا الصدد اكبر منافس للقراءة والكتاب كونها تشكل محيطا هائلا لا ينضب من العلم والمعرفة في عصر المعلوماتية الذي فرض ثقافة التلقي والتلقين في اجواء من الانبهار والاندهاش جعلت المتعاملين مع هذه الشبكة ينظرون الى الكتاب نظرة صغار ودونية  وعدم اكتراث واحترام او حتى التفات اليه.
 
 
 
 باختصار فان الداخلين في عبودية هذه المنظومة التقنية ايا كانوا وبخاصة من هم من المتعلمين تزداد اعدادهم يوما بعد يوم. واذا ما اضفنا الى كل ذلك غياب استراتيجية تربوية تأخذ على عاتقها فاعلية ترشيد استخدام هذه التقنيات والموازنة ما بينها من جهة وما بين القراءة والكتاب من جهة اخرى، تتضح لنا معالم “المشهد القرائي” الذي تخيم عليه اجواء قاتمة.
 
 
 
هنا فإننا لا نتجاهل عوامل سالبة أخرى لعبت على الدوام في تخفيض نسبة القراء، أولاها انتشار نسبة لا بأس بها من الأمية بين الذكور والإناث في العالم العربي، وهذه النسبة تتفاوت بين مرتفعة وأخرى منخفضة. إن الأقطار العربية ليست على ذات القدر من الأمية، وذلك تبعا لظروفها الإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
 
 
 
ثمة عوامل أخرى غير ما ذكرناه نخص ارتفاع أثمان الكتب، الأمر الذي يحرم شريحة كبيرة من المتعلمين من شراء هذه الكتب واقتنائها. وقد يقول قائل إن المكتبات العامة تغني عن شراء الكتب، إلا أن هذه المكتبات ليست متواجدة إلا في المدن الكبيرة من العالم العربية، وإن كثيرا من البلدات والقرى تفتقر إليها.
 
 
 
واذا كنا لم نتطرق الى العوامل التقليدية الاخرى في هذا السياق، واستهللنا حديثنا بعامل التطور التقني، فلا يعني اننا نقلل من دور المؤسسة التربوية المتمثلة بالمدرسة بكل مراحلها والمنهاج واساليب تطبيقه، كونها هي المسؤولة المباشرة عن المحصلة النهائية للأهداف التربوية المطروحة بغية تحقيقها.
 
 
 
 حتى الآن لم تتمكن المناهج التربوية العربية ومنها المناهج المطبقة في فلسطين من احداث نقلة نوعية في بنية التعليم التحتية او هيكليته او مدخلاته. وظلت الصورة التقليدية المتمثلة في نقل المعلومة من الكتاب المقرر تلقينا الى ذهن المتعلم، واعتماد الحفظ وحشو المعلومات هي الوسائل السائدة.
 
 
 
هذا بطبيعة الحال دفع المتعلمين الى التركيز بشكل محلوظ على المادة المقررة دون سواها، كون اية معلومة خارج نطاق المقرر – حتى ولو كانت صحيحة – لا ينظر اليها بجدية وفي الغالب لا تحسب عند الفحوص والاختبارات، ذلك ان الاجابات قد حددت سلفا. ومن ناحية اخرى فقد افتقرت البرامج التعليمية الى حصص مكرسة للقراءة الخارجية ، أو ما كان يسمى القراءة الصامتة. واذا ما صدف وكانت هناك حصة او اكثر فانها غالبا ما تحول الى حصص تقوية في موضوعات مقررة اخرى اسوة بباقي حصص الأنشطة الاخرى.
 
 
 
مع ذلك ففي اعتقادنا ان الصورة ليست قاتمة الى الحد الذي يحملنا الى الاحباط واليأس. ان القراءة عادة. وكما تعلمها السابقون واحبوها وصادقوا الكتاب باخلاص ووفاء، يمكن لابناء هذا الجيل ان يسيروا على نفس الخطى، ولكن ضمن خطة مدروسة كي ما تصبح القراءة ثقافة وطريقة حياة، ولكن في ظل اجواء نقية مهيأة لتفعيل هذه العادة، وهي تبدأ بالمدرسة والمنهاج الملقى على عاتقهما توليد اتجاهات ايجابية وتعزيزها.
 
 
 
هذا لا يعني اننا نعود الى الماضي لننهل من اساليبه فحسب. وفي هذا السياق نود ان نشير الى انه في البلدان الصانعة لأرقى الوسائل التقنية الحديثة، ما زال سوق الكتاب رائجا، وما زالت القراءة احدى اهم الفعاليات والهوايات لدى شرائح عمرية وثقافية واجتماعية مختلفة.
 
 
 
 وتظل حقيقة الحقائق ان القراءة عادة، وكونها كذلك يصبح من السهل التحكم باتجاهاتها، ويتمثل ذلك في جعلها جزءا من المنهاج التربوي والبرنامج الاسبوعي والنشاط المدرسي. وان اساليب كتابة التقارير والاوراق العلمية والبحوث ومراجعة الكتاب وتلخيصه يمكن ان تسهم في تطوير العملية التربوية وفي مقدمتها ازدهار فعالية القراءة.
 
 
 
 في ذات السياق فإن الإعتقاد السائد أن الحوافز بكل اشكالها تلعب دورا رئيسا في تطويرها وبلوغ اهدافها. وهذا يفرض على المنهاج والقائمين عليه ان لا يعولوا اعتمادهم المطلق على الكتاب المقرر.  إن هذا التوجه على الارجح  يلعب دورا سالبا في ترك عادة القراءة الخارجية والنظر اليها على انها غير مجدية كون كل معطياتها ومخرجاتها خارج اطار المنهاج المقرر. إن القراءة فعالية مستمرة، ولا ينبغي أن يحتفل بها في اسبوع واحد من السنة وانما يفترض أن تحتل فعالياتها  مساحة شاسعة من العام الدراسي وحتى العطلة السنوية.
 
 
 
 كما يفترض أن تساهم في احياء هذه الفعاليات مؤسسات رسمية وشعبية لا ان تلقى اعباؤها على طرف دون آخر يتذكرها دون سواه ويذكر بها. وعلينا ان نتذكر ان الذي صنع كبار الفلاسفة والمفكرين والأدباء والمبدعين الانسانيين الآخرين هو الكتاب. فهو المعلم الأول الذي علمهم المثابرة على طلب العلم وتحصيله. وهو الذي علمهم كيف يفكرون ويحلون المشكلات.

 
 
كلمة قد لا تكون الأخيرة في هذا السياق. إننا اذا ما اردنا لأطفالنا ان ينشأوا فاعلين قادرين على التفكير والابداع والتقويم والتعليل والتحليل والتفكير الناقد والاستحواذ على كنز من الذخيرة اللغوية، فلنجعل الكتاب كالخبز والماء والهواء بين ايديهم، ولتكن القراءة جزءا لا يتجزأ من حياتهم. ومهما تعددت التقنيات فلن تلغي دور الكتاب الذي هو الاساس. فما احرى العودة إليه.  

 www.lutfi-zaghlul.com

Related Posts via Categories