الشعر الصوفي: من المعنى إلى بناء الرؤيا محمد موزون: باحث في سلك الدكتوراه ـ الرباط / المغرب

مقاربة تحليلية لقصيدة محي الدين بن عربي الحاتمي

        يعد الشعر الصوفي جنسا إبداعيا، يراهن على بناء الدلالة انطلاقا من المكابدة والحيرة  وأحيانا أخرى من القلق الوجداني، إذ يصور تفاصيل التجربة الروحية ومستلزماتها المقامية،  في اتجاه منطلقات التماس بين أقطاب “الله” و”الكون” و”الإنسان”، لذا تعددت قراءات النص الإبداعي الصوفي من منظور خطاب مشحون بمقولات عقدية، وأحيانا أخرى انفتاحه على المطلق اللانهائي، مما يجعل مقاربته تتطلب قراءة واعية، فاللفظ يخرج من طور سذاجته إلى طور فلسفي صوفي، بقدرته على السفر نحو المطلق، وهذه التجربة المتفجرة ذوقيا وإبداعيا، سنقف عند أنموذج لها مع محي الدين بن عربي عبر ثلاث مراحل قرائية، وعبر مقومات إجرائية، لاكتشاف المدهش في النص، مستأنسين بما سماه الباحث أحمد الطريسي أعراب بالرؤية في أعماله،( اُنظر:الرؤية والفن في الشعر العربي الحديث بالمغرب المنشور سنة 1987 و التصور المنهجي ومستويات الإدراك في العمل الأدبي والشعري المنشور سنة 1989)،  ويستلزم ذلك الارتكاز على منهج يطمح إلى أن يرى الشعر من حيث هو نائب عن غائب يصر على عدم الغياب، و المتصفح لأعمال ابن عربي مثل  الفتوحات المكية  عن دار صادر وفصوص الحكم  عن دار الكتاب العربي، بيروت لبنان 1980، و ديوانه الشعري “ترجمان الأشواق” عن دار بيروت للطباعة والنشر 1981، نجدها أعمالا تحتاج إلى دراسات وبحوث، للكشف عن شخصية ابن عربي العارف والشاعر والمتصوف، وقد اخترنا  من قصائده ، القصيدة التالية:
   يقول ابن عربي:
   1ـ  مذ حل كاتب حب الله في خـللـــي                  وخط سطرا من الأشواق في كبـــــدي
   2ـ ذبت اشتياقا ووجدا في محــبتـه            فاه من طول شوقي واه من كمــــدي                                                                    3ـ يا غابة السؤل والمأمول ياسنـــدي                  شوقي إليك شديد لا إلـــى احــــــــــــد
   4ـ يدي وضعت على قلبي مخافـة أن                  يشق صدري لما خانني جــــــلـــــــدي
   5ـ مازال يرفعها طورا ويخفضـــهـا                  حتى جعلت اليد الأخرى تشد يــــــــدي
   6ـ مر الفؤاد على التركيب مرتحــلا                  إلى الحبيب الذي لا يفنى وليـــــس يدي
   7ـ مازالت اطلبه وجدا وانـــــــدبـــه                  بحيرة حيرتها زفرة الخفـــــــــــــــــــذ
   8ـ حتى سمعت نداء الحق من قبــــل                  من كان عنديّ لن ينظر إلى أحــــــــــد
   9ـ فمت بوجدك أومت إن شئت طربا                 فان قلبك لا يلوى على الجــــــــــــسـد
   10ـلما شهدتك يا من لا شبيـــــه له                   لا فرق عندي بين الغــــيّ والرشــــــــد
   11ـ فالنفس تعرفهُ علما وتبصره عينا                فتشهده في الوقـــــت والأبـــــــــــــــــد
   12ـ من عاين الذات لم ينظر إلى صفة               فــــإن فيها حجـــــــاب الصّف بالصّفد

         ولاكتشاف المدهش في هذا  النص الشعري نستعين بالقراءة الاستكشافية والاعتباطية، إذ لاشك أن القراءة عبارة عن عملية إبداعية جديدة، وتعني إقامة علاقة بين القارئ والمقروء عبر حوار تفاعلي، ولا يتم ذلك إلا إذا كان النص ثريا، وكان الطرف الثاني (بمعنى القارئ) متفاعلا ومؤولا ومفسرا وواصفا، ولا يحصل ذلك إلا إذا تخطى المتلقي المعرفة العامة إلى المعرفة الدقيقة، توصل إلى وضع يده على الخصائص والسمات التي يكون بها الشيء مؤثرا ومدهشا، كما يقول رولان بارت ” للقراءة وظيفتان الأولى تكمن في البحث عن معاني النص، والثانية إعادة تسميتها وتشكلها” ( لذة النص)، والملاحظ لقصيدة محي الدين بن عربي للوهلة الأولى، يظهر له أنه أمام شاعر وقصيدة غزلبة حسب التراث والتراكم المعرفي، وهو حكم لا يتماشى مع هذه القصيدة، إذ لابد من الالتحام بالنص ومحاولة تمثله، ومحاولة كشف ما لم يصرح به في عملية الحفر القرائي.
        يظهر في البيت الأول سببن للدهشة، انطلقا من مفردة “مذ”  التي تحمل زمن الماض كقولنا “ما رأيتك مذ يوم الأحد”، والزمن الحاضر كقولنا “رأيته مذ شهرنا” أي هذا الشهر الحاضر وقد تجمع بين الزمنيين معا، ولفظ “حلّ” بمعنى نزل بالمكان، كما ورد في القرآن الكريم ” وأنت حل بهذا البلاد” أي نازل به وهذا النزول هو من طرف “كاتب” وهو ليس ككل كاتب، بل عيّن بكونه “كاتب حب الله” ولم يخطط سطورا، بل سطرا واحدا وهو سطر الشوق وحب الله، وهذا “الكاتب” حل في الشاعر في خلله، أي مبلغ الخلة والصداقة والايخاء والمودة، بينما الشوق يسيطر على كبده وجوفه بكامله، وكبد الشيء بمعنى وسطه، ونقول “كبدت الشمس السماء”، بمعنى صارت وسطها، وفي الطب جهاز جوار الجانب الأيمن للصفراء،  وبعد ذكره للحب غادرها إلى كلمة أكبر من الحب، وهي الشوق وأراد بذلك إبراز أن هذا الشوق بلغ في ذاته بعدا جوانيا وصل خلله وكبده، وهذا البيت يجعلنا نطرح سؤالا جوهريا، الذي لم يصرح به الشاعر في البيت، وهو ما قبل “مذ حلّ”، إذ نقلنا مباشرة إلى الحالة الثانية، باعثا صور الحب والشوق، وفي البيت الثاني يصدمنا الشاعر بكونه ذاب من شوقه وجدا في محبة الذات المحبوب، بفعل الوجد ( مصطلح صوفي أي حل في القلب من غير تعمد) وفعل الذوبان يؤكده الآه المتكرر في البيت من طول الشوق، وتغير لونه وذهاب صفائه، المستفاد من “كمدي” وفي البيت الثالث يتأكد ذلك الشوق والحب بكونه عند الشاعر غاية السؤال المأمول في الوجد، ويا النداء المتكررة تأكد رغبة ذات الشاعر في سنده ومسنده، وهذا الشوق يضيف إليه صفة أخرى وهي “الشدة” لا إلى أحد، ولكنه إلى واحد أوحد، وفي البيت الرابع تدهشنا مسألتان الأولى: أن ذات الشاعر بلغ بها الحب الخوف من خروجه من قلبه بوضع  يده على قلبه، مما يعني حرص الشاعر على هذا الحب، وخوفه كذلك أن يخونه جلده المحيط بقلبه بشق صدره، وفي البيت الخامس ما يزال الحب ناميا ويلح على الشاعر بناء صور أخرى تتوالى من الرائع إلى الأروع في الحب والشوق، الشيء الذي يدفع برفع هذه الذات وخفضها طورا آخر، ويستمر ذلك عبر مؤشر زمني ” مازال” الدال على الاستمرارية، ولم يكتف في خوفه على يد واحدة بل أضاف يده الأخرى لتشدّ على الأولى، ويدفع بذلك الحب والشوق إلى دواخله ولا يغادره، وفي البيت السادس كلما تتبعنا مسار هذا الحب والشوق في القصيدة، إلا ونكتشف جوانب الدهشة في ذلك الحب، وفي هذه المرحلة ارتحل فؤاد الشاعر إلى هذا الحبيب الذي لا يفنى وترك يده، وهذا الشوق انتقل بنا من صورة محسوسة في العالم الدنيوي إلى العالم العلوي و الملكوت، وفي البيت السابع مازال الشاعر يطلب ذلك الحب وجدا ويندبه ارتقاء من العالم السفلي إلى العالم العلوي، بل بلغ به الأمر الحيرة التي ولدت حيرة أخرى، إثر ذلك الحمل الذي حمله “بزفرة الخفذ” الشديد السرعة والتعذر، ومعنى ذلك إسراعه إلى ذلك الشوق، لينقل لنا خواطر قلبه الموجود بين “الحيرة ” و”الوجد” و”الندب” للحت على الإجابة والسرعة إلى الدخول في الفضائل، ليعدد محاسن نضاله من أجل المحبوب، وفي البيت الثامن، يصل فيه الشاعر إلى بغيته، بسمعه نداء الحق (المحبوب) ووصف ذلك المشهد الذي لا ينظر فيه أحد من الجالسين معه سوى إلى المحبوب ” من كان عندي لن ينظر إلى أحد” دلالة على الأهمية والاهتمام، وفي البيت التاسع ينقلنا الشاعر من خطاب “الأنا”  وضمير المتكلم إلى “الأنت”  وضمير المخاطب ” فمت بوجدك أو مت إن شئت طربا، فإن قلبك لا يلوي على الجسد” إذ تخلص من جسده وقفصه  لصالح روحه بعدما تم له الشوق، ونكون أمام حب آخر مخالف للأول، مما يدل أننا أمام مقامات في الحب والشوق، فالموت هنا حياة أخرى بإضافة الوجد والطرب، هكذا يقول غالي شكري في دراسته عن ” أبعاد البطولية في شعر المقاومة العربية ” في  مجلة الآداب يوليوز 1969 ص59″ الموت في حياتنا معبر نمر عليه إلى الحياة، لأنه لو كان الموت موتا فحسب، لكان السكون الأبدي هو منطلق الحياة، والاستسلام لأمر الواقع هو النتيجة الحتمية لهذا المنطلق”.  إذ القلب لم يعد يحيطه الحسد ولا يستطيع أن يلوى عليه، والموت هنا يحمل معاني التجدد وفي البيت العاشر، يفاجئنا الشاعر بفعل القيام المتبوع بالشوق الذي يطويه وينشره، وفعل الصياح من شدة الفرح ويرجعنا من جديد إلى “الآهات” بمعنى بلوغه الأوج في المطلوب، بينما سكتت القصيدة من جديد عن ما قبل قمت، وفي البيت الحادي عشر وجه الشاعر الخطاب إلى الذات المحبوب بفعل المشاهدة الموصوفة “بالاّ شبيه” مما جعل الشاعر لا فرق عنده بين الغي والرشد، ولا الفرح والحزن، وهو قمة الشوق، وفي البيت الثاني عشر، أدهشتنا نفس الشاعر التي وجدها تعرف علما وتبصرا المحبوب وتشهده في كل لحظة. وفي البيت الثالث عشر، يلخص لنا هذا البيت كون الذات إذا عاينت الذات المحبوبة، لم ينظر إلى صفة أخرى غيرها، وما يمنع من ذلك هو الحجاب والصفد حسب الشاعر.
        أما بخصوص القراءة الثانية  فيمكن تسميتها القراءة الاستيعادية، و هذه الأخيرة مبنية على سابقتها، إذ بناء المعنى لا يتم إلا عبر الانخراط في أجواء التجربة الشعرية، وعند حد التمثل تأتي بناء الرؤيا، أي أن النص لا يكون نصا بالنسبة للقارئ إلا عبر الالتحام به، حيث لا تكون الذات القارئة شارحة وواصفة فقط، بل ذاتا متفاعلة ومبدعة ومؤولة، وبذلك يكون الأنا الأول القارئ في الثانية “الشاعر”، ويحصل التوحد بين القارئ والنص، وبين الذات الواقعية والذات المتخيلة، للوصول إلى قدر معقول من التأويل،  من هنا نتساءل هل الشاعر يصف أو يبدع في علاقته بموضوعه، أم أننا أمام  عمل إبداعي متفرد وتجربة خلاقة، إن في قراءة القصيدة إحساسا بجغرافية جوانية، تحتاج إلى البحث عن أسباب الاندهاش في الإشارات والرموز، وسننطلق من فرضية تقول ” إن قراءة نص ما بلذة فائقة يعني أن النص كذلك كتب بلذة فائقة”، وحده مفهوم ” الاستغراق الذاتي” هو القادر على الإجابة بتعين القيمة الإبداعية والجمالية وتفسيرالاستجابة لها، إذ يشعرنا النص أنه ثمة تجربة ما نابعة من جوانية الذات عبر مؤشرات: حل، كبدي، ذبت شوقا، قلبي، صدري جلدي، أطلبه، انذبه، سمعت، قمت الشوق يطويني، صحت، شهدت، تم مجموعة من الآهات…”  وهذه المؤشرات تدل على أن التجربة الشعرية عند الشاعر عميقة نابعة من المعاناة، وتتخذ منحا تصاعديا للوصول إلى المحبوب الله عزّ وجلّ”. وكلما اتجهنا إلى استعادة القصيدة، نجدها ترمي بنا في المقامات الصوفية، إذ لا نشك في كون هذه التجربة وصلت الحد الأقصى في الشوق والحب عند الشاعر، والاستغراق الذي أشرنا إليه أعلاه يغطي أغلب أبياتها، والانبهار والدهشة الملاحظين مبنيان على مقولة تقول: لا وجود لمعرفة شعرية بدون إنفعال، فالقصيدة تبدأ بالبحث عن موضوعها بالحب والشوق لتصل إليه في نهاية القصيدة، ليستوي الألم والفرح عند الشاعر، وجمعت القصيدة بين الإبداع الفني والتصوف الطرقي، ولامسنا في القصيدة اضطرابا شعوريا لم يستو إلا عندما تحقيق الموضوع بمشاهدة الذات الإلهية، ومن هنا  تتحقق رؤية الشاعر في المكابدة لتحقق الموضوع والوصل إلى  المشاهدة الإلهية، وأصبحت القصيدة بذلك تجربة عاشها الشاعر وليست وصفا وتجربة ثقافية خارجة عن الذات، تجمع بين الخيال الإبداعي والتحقق الروحي.
         أما القراءة الثانية فيمكن تسميتها بمرحلة النقد إذ التجربة الإبداعية لها وظيفة مشروطة بأداء رسالة معينة وصنعة لتفسير واقع ومشاهد الجمال، وهي هدم مستمر للأشكال وحركة دائمة في المعنى، وجاءت لغة هذه القصيدة ترجمانا لأشواق الشاعر في أحاسيسه وثقافته، نقلها من اللغة المعجمية العادية إلى  لغة رمزية وظفها ابن عربي توظيفا اشاريا، فالحب هنا ممارسة للفضائل الأخلاقية وغاية المقامات العالية على مستوى المعرفي لدى الصوفي،  وقد عبر هنا سلطان العارفين عن  حال نفسه وطريقته في حبه الإلهي،  والحال هنا معان ترد على القلب من غير تعمد،  وهي شعلة لبناء النص بكامله وفتح الممارسة النصية لكشف الخطاب الصامت من خلال ارتعاشات الذات واحتراقها، وذلك بوجود قاموس صوفي  ينتشر في صفحات الكتابة إلى صفحات الروح، يرتقي فيه الشاعر في أسلوب خبري مرتبط بالإخبار بما حال به في عالم الدنيوي، حيث ما زال الجسد والشهوات يطوق الروح والرغبة إلى المحبوب في إدراك المطلوب،  والأسلوب الإنشائي هنا وظفه للوصول إلى بيان انفعاله بالموضوع، بالانقطاع عن الدنيا في عالم الروح العلوي، حيث حضور البعد الرمزي.  
    أما في الجانب البلاغي، فيطغى على القصيدة صور، يعكس جانبها التفاعلي تصوير العلاقة بين ومجوداته ” ذبت اشتياقا ووجدا في محبته”، فقمت والشوق يطويني”، وهي صور تعكس عواطف الشاعر و تحدث تأثيرا روحيا تتناغم مع ما في دواخل الشاعر العاشق والولهان في انتظار المحبوب، وجاء الجانب الإيقاعي ليغني التجربة الصوفية إذ أنها في أساسها تجربة إيقاعية تقوم على تحريك  أوتار القلب وتلطيف إيقاع النفس،  حيث روح ابن عربي الغنائية ودرجات الحس بالموسيقى الجياشة بانتمائها إلى ديوان ترجمان الأشواق باعتباره ملحمة شعرية في الحب الإلهي، بإيقاع عذب، وكل ذلك لاغناء الجانب الدلالي، إذ القصيدة هي دعوة إلى المجاهدة بالتعبير عن الحال والاحتراق والتعذيب من الهوى، ووحدة موضوعها الحب الإلهي،  وهي سفر روحي بالذهاب من الظاهر إلى الباطن، ومن المألوف إلى الماورائيات عبر اختبارات روحية عميقة، ولم تتحقق لدى الشاعر الطمأنينة إلا عند المشاهدة والمكاشفة في حضرة الحظوة الإلهية.

  الباحث محمد موزون  ـ الرباط / المغرب            

image001

Related Posts via Categories