اللوحة الشئ و الشيء الخصوصي في تجربة فرانك ستيلا و كارل أندري بقلم الأستاذة و الباحثة الجامعية  ألفة خليفي

    إذا ما استعرضنا صفحات التاريخ الحضاري لوجدنا أن الفنّ ما فتئ يعيد النظر في ذاته ويتمرد على عاداته عن طريق حركات فنية متعددة الأشكال و الصيغ خاصة منها الفنّ الإختصاري الذي ظهر في إنتاجات هذا العصر بطريقة خارجة عن نطاق المجتمع و عن التقديرات الرسمية للذوق العام ، مما ساهم في كسر القواعد الكلاسيكية فتعدت بذلك المادة حدودها لتصبح سفيرة للعملية الإبداعية الجمالية التي ستساهم في ظهور كتابة مخصوصة في تشكيل العمل الفني ولعلّ هذا ما تأكد في اللوحات السوداء التي أنجزها الفنان الأمريكي “فرانك ستيلا” و ما تحويه من تأثيرات تشكيلية  أسهمت في إنتاج هذه الإبداعات و استنطاق هذه الأعمال ضمن مبحث تحليلي يكشف مدى علاقتها بالجسد المنتج لها و الإنسان القارئ و المتقبل لهذه الإنتاجات التي تعتبر ذات منحى جديد يخالف تلك الرؤى التأويلية التي اعتادها القارئ عادة.
و مسائلة هذه اللوحات  السوداء جماليا و فلسفيا داخل  مبحث تشكيلي تكشف عن  تساؤلات رأيتها تثقل كاهل الباحث و التي تتمحور في التساؤلات التالية و كذلك بالغوص في البحث عن مدى قدرة المادة التي يستعملها الفنان في أن تكون سفيرة للعملية الإبداعية خصوصا و أنه يعتبر أن كلّ ما نراه هو شيء ثابت لا يتغير أي أنه لا يحتمل التأويل  .                                                                                 
فهذا البحث سينطلق من الغوص في إشكالية حيادية الجسد التي شغلت فرانك ستيلا وذلك بالبحث في موقفه من جاكسون بولوك و مارسال ديشون ، كذلك سأبحث في مجموع التقنيات التي توظف في نتاج اللوحة الشيء أما في الجزء الثاني من هذا البحث فإنني تناولت الشيء بماهو مبحث خصوصي عند كارل أندري و التدرج في رؤية تجربته الفنية كموضوع ثابت لا يحتمل التأويل.
ضمن  مجموعة من المفاهيم التي تمثل أساس هذا المبحث خاصة منها الشئ و الموضوع و الجسد  و التي سيتم التدقيق فيها في مراحل لاحقة من هذا المقال .
فكيف يمكن للمادة أن تتخطى الحدود أثناء العمل التشكيلي خصوصا و أن الحداثة ساهمت في ظهور تطورات فنية و فكرية تخبطت مع أفكار الفنان لترتئي نحو الإبداع و التشكيل و تتجاوز التقليد و الإتباع. ؟
و كيف تخلى العمل الفنّي عن البعد الذاتي و الشعوري ليصبح موضوعا لا يكتسي تأويلا أو ردة فعل ؟
و كيف  يمكن أن يكون الشيء اللوحة وسيلة لتأسيس عمل فني؟ و ماهي أبعاد  و مواصفات اللوحة  الشيء؟
و كيف للشيء أن يكتسي طابعا خصوصيا ؟

 
مثل ظهور الفن المعاصر حدثا قادحا في تاريخ الفن حيث تمرد الفنانون على كل المفاهيم التقليدية و أسسوا لرؤية حداثية تستنبط رؤى  و مفاهيم تشكيلية  إنطلقت مع مارسال ديشون و تواصلت مع فرانك ستيلا الذي أسس إلى التيار المينيمالي لذلك بغاية التعرف على تجربته التي تأسست على الانفصال بين الجسد و اللوحة الشئ عند فرانك ستيلا  و علاقته بإنتاجاته الفنية خاصة منها التي تتعلق باللوحات السوداء، و التي تعتبر أساس إنتاجاته التشكيلية ، و لتحليل ما جادت به هذه التجربة على الساحة التشكيلية من أساليب و مضامين فنية جديدة، تجسدت في رؤية إختصارية باعتبارها الرحم الأوّل الذي نشأت فيه و تجسمت مع رؤية حداثية على نحو متميز في تشكيل الخطاب الفني و الارتقاء بمزاياه واعتماد أساليب تتماشى مع هذا الأسلوب خاصة تلك الأشكال الهندسية التي تميزت بها لوحاته ، ولعلّ هذا ما يؤكد على أهمية  هذا التيار الفنيّ أيّ أنّ الأهمية تكمن في  تلك الرؤية الحداثية التي تتجاوز بها كل ما هو مستهلك ولعل هذا ما أكد عليه خاصة “هيقل ” في قوله  التالي ” أهمية الفنّ الأساسية في أنّ ما ينتجه الفكر البشري من تصورات موضوعية و أصلية و من أفكار كونية إنما تعرض أمام أنظارنا”    ولعل هذا ما نستشفه من خلال  تلك العلاقات التفاعلية التي ينتجها تفاعل الموضوع مع المواد و مدى علاقتها بإنتاج جمالي فني يكون في استقلالية على ما سبقه من أسباب ومواضيع من شأنها أن تمنحه صيرورة تظهر خاصة عبر لقاء المتقبل مع اللوحة بما هي شيء واحد ثابت لا يحتمل التأويل. و بالتالي يعتبر الشئ أساس بناء هذا البحث  التشكيلي فبالغوص  في مفهوم الشيء وجدته ” يعني مجموعة من الألفاظ الأكثر عموما ، و هو يشير إلى كلّ ما يمكن إثباته أو نفيه)…( ويشير هذا اللفظ في الحقل المعرفي و بالمعنى التجريبي إلى واقع ثابت يتألف من مجموعة من الصفات و الكيفيات الثابتة ،  و الشيء بهذا المعنى هو مرادف للموضوع (Objet) والشيء في ذاته هو الشيء القائم لذاته ولا يفترض وجود شيء آخر غيره”   و كتعريف أخر ” يعنى الشيء في معناه الفلسفي هو ما يتكون في مقابل الشئ الذي يظم الشئ في معناه العلمي و كذلك في معناه الإستيطيقي  وهو مساو للشئ الخاص  في الموضوع”
حيث  نتعرف عن المعنى الذي يحمله الشيء فهو يعتبر معنى واحد و مفرد لا يحتمل قراءة أخرى،  بل إنه يكشف عن معنى واحد يكون ملازم لكلّ وضع يوجد فيه. ولعل هذا ما يشترك فيه مع لوحات “فرانك ستيلا ” فهي تحمل معنى واحد لا يمكن أن يؤول أو أن يقرأ بقراءات متعددة بل هي أعمال ذات معنى واحد  ، فالشئ يعتبر  بمثابة مبحث فينمولوجي الذي شغل العديد من المفكرين و الفلاسفة الأمر الذي جعل منه يأخذ مفاهيم متنوعة و متعددة المسار لكنه تدعم و تأكد مع التيار الإختصاري المينيمالي  لتظهر  الروح الإبداعية التي اعتمدها الفنان و التي انطلقت في تجربته  الذاتية من جذور تقطع مع الماضي و تأسس لحاضر ذو قراءة مفرده ولعله قد خطّ  بذلك منهجا متميزا لنفسه يجعلها تتناسب مع رؤيته وقدراته الإبداعية فقد اتسمت لوحاته بصيغ جديدة تلتقي فيها مع خصائص الفن الحديث وذلك ليتمكن من حذق الإبداع بفضل فكره و تقنيته التي تميزه عن غيره من الفنانين فهو يتميز بخصوصية فنية و جوهرية لها إمكانياتها تجعل ما ينتجه هذا الفنان كانت بمثابة الهزة الشبيهة بالقطيعة التي أسسها “مار سال دي شون ” Marcel Duchamp “في أوّل مراحلها و تدعّمت وتواصلت مع “فرانك ستيلا.
تتميز أعمال الفنانين الاختصار يين بفعل مدروس وواضح على خلاف غيرهم من الفنانين خاصة من ذلك فنانو l’action painting الذين يعبرون عن طريق التأثير الجسدي والتفاعل النفسي في لوحاتهم ومجمل أعمالهم ولعل خير دليل على ذلك نجد Jackson Pollock الذي تميزت جل أعماله بحضور الفعل التلقائي في اللوحة التي يقوم إنتاجها فهو يقوم بحركات انفعالية تراوح ما بين الخطوط اللينة والخطوط الخفيفة ولعل هذا ما يتأكد خاصة في لوحة  “le bleu pole 1953” .

 

 

 

 

Jackson Pollock, surnommé Jack the Dripper(”Jack L’égoutture”, …

coulure.free.fr

455 × 594 (Même taille), 245KB

 

فهذه اللوحات تكشف عن  حضور المادة التي تحمل ثراء تعبيريا تجسد من خلال حرية الحركة والتحرر في الأرض. حيث تشد الناظر إليها فتعرقل بذلك حركاته وتجعله يدخل في دوامة من التأويل على خلاف ما عرف على أعمال فنانو الفن الاختصاري. ولعل هذا ما يتأكد في القول الثاني لهنري فسويون “المادة تفرض شكلها “[1].

فهنا تتشكل المادة عن طريق الفعل التلقائي الذي ينبع عن طريق الصدفة وذلك لما لها من دور هام في تكوين خطوط منحنية كما نشاهدها في هذا العمل والتي تعبر عن الطواعية في التشكيل والليونة في حركة المادة. فهذه الحركة نابعة من تلك الحركة التلقائية للفنان  فهو ينجز فعلا مدروسا يترك بذلك الحرية للمادة لتنساب على المحمل وكأني بالجسد هو الذي يكون هذه الخطوط من خلال تعبيرات تلقائية وإرادية تجعل القراءة تأول وفق المسار الذي يرتئيه الفنان ،  عن طريق مجموعة من الوسائل والتقنيات التي تجسد هذا الفعل التشكيلي ضمن رؤية فكرية جديدة تأسست مع الفن الاختصاري فأصبح الشيء هو نوعا في حد ذاته وذلك لما يحمله من عناصر تساهم في التعامل مع المحتوى الذي يتم التطرق إليه فهو يخوض التجربة بحواسه وعقله وكذلك خياله لبلوغ الخلق والإبداع ، ولعل هذا ما يتأكد في تجربة جاكسون بولوك الذي يعتمد على التفاعل الجسدي مع الخامة أو كما يعبر عنها المادة. فتعتبر أعماله بمثابة الهزة انفعالية داخلية لذات الفنان فهي تحمل معاني وانفعالات من شأنها أن تأثر على العمل التشكيلي شأنها في ذلك شأن الألوان التي يعرف بها اللون ولعل هذا ما يتأكد في القول التالي “فبالإضافة إلى أن للون خاصية أساسية من خصائص الأشياء فإنه يمثل أيضا جانبا رمزيا شديد الأهمية في الثقافات “[2].

و هكذا تبدو أعمال جاكسون بولوك بمثابة النص المرئي الذي يدعوك لاستنطاق دلالات ومعاني خطوطه المتموجة كما تحملك لأن تعتقد أنها لوحة زيتية ظاهرة تدعوك إلى عوالمها المفهومية ودلالاتها الفنية العميقة وألوانها لتأخذك إلى فضاءات الملء والفراغ والنتوءات النابعة عن تفاعل المادة مع المحمل. بالتالي تصبح تجربة جاكسون بولوك خاصة وأن تجربة بولوك تجعل المشاهد يندمج في النظر في مكوناتها و مشاهدة انفعالاته و كوامنه الداخلية و لعل هذا ما يؤكد على التعبيرات الجسدية والتأثيرية للفنان و الذي يتأكد خاصة في القول المصاحب الذي “يعبر أن التأثير الداخلي للفنان ينعكس على المشاهد و المتلقي للعمل التشكيلي الذي يحمل تعبيرات مختلفة  داخل اللوحة “[3].

 

 image001

350-× 300 – Jackson Pollock Blue Poles: Number II, detail

 image002

 

أ

 

Jackson Pollock, surnommé Jac

the Dripper(”Jack L’égoutture”, …

coulure.free.fr

455 × 594 (Même taille), 245KB

ما فيما يتعلق بالتقنية والأسلوب كأداة لبناء اللوحة الشيء فقد مثلت اللوحات السوداء  الأساس في أعمال فرانك ستيلا ، لذلك تطرقت إليها حتى أتمكن من الكشف عن خفاياها و التأكد من القول الذي يقر بأنها ذات قراءة واحدة لا تحتمل تأويلا آخر فهي تعتبر الأساس الذي عبر به الفنان عن أعماله وهذا ما يؤكد على اللحظة الحميمة التي يعيشها الفنان مع لوحاته بما هي شيء و فضاء لتجربة خاصة كما يسميها “بول فالري” بالحالة الشعرية و التي نراها تتجسد في الخطوط المستقيمة و المنظمة و التي اعتمد من خلالها الفنان  الأدوات الهندسية ليشكل فضاء مهندسا و منظما ، لا تتداخل فيه الخطوط بل إن كل واحد منها له مساره واتجاهه وله بداية و نهاية ، بالتالي تعتبر هذه الأعمال مراوحة بين ما هو معرفي و ما هو تطبيقي و نظري يتجسد في المحمل فكلاهما يعتبر أساس غير منفصل في عملية الإبداع. ولعل هذا ما نلاحظه في هذه المجموعة المصاحبة من لوحات “فرانك ستيلا “.


 image004

 Frank Stella: Black Paintings. “The systematic quality of Stella’s Black 650 × 459 …
image003

650 × 547 – Frank Stella: Black Paintings. “Frank Stella, born in 1936 in Malden, …

هنا في هذه المجموعة من اللوحات نتبين الحضور الهندسي المنظم الذي اعتمده الفنان وقام من خلاله بصياغة لوحاته، حيث اعتمد على الطلاء الأسود ورسم عليه خطوطا رقيقة تخرجنا من ذلك الشكل التقليدي الذي اعتدنا رؤيته في أغلب لوحات الفنانين. فهذه الأعمال تعبّر عن تدرجات ضوئية تجمع بين اللون الأسود و الأبيض وهو ما يدل على أهمية هذه القيمة الضوئية التي تتمازج مع المحمل، ولعل ما يتماشى مع هذا القول :”الأبيض بصفته لونا لمادة هو أفتح من ألوان المادة جميعا و الأسود أدكنها، في هذه الحالة يعدّ اللون تعتيما فإن حذفنا من المادة ألوانها جميعا وفق هذا الفهم يبقى الأبيض ، ولذلك يجوز أن نسميه عديم اللون”[1].

فكلّ من الأبيض و الأسود يعتبران الأساس الذي به تقام هذه الأعمال ولعل هذا ما جعل لوحاته تسمى باللوحات السوداء. فالفنان يكتشف محمله عبر رؤية جديدة تمنح المواد المستعملة جمالية تبتعد بها عن تلك القراءة التأويلية التي تخفي أسرارها، فهنا يتكشف لنا كل شيء عبر الممارسة و الفعل الذي ينجزه الفنان على المحمل. فهذا الصراع الخطي الذي نستجليه واضحا و جليا على اللوحة إنما هو يدلّ على النظام و الدقة فهي خطوط تراوح بين ما هو أفقي و ما هو عمودي أي بين ما هو علوي و ما هو سفلي  لتجعل من العلاقة متكاملة بينهما حيث  تعدّ هذه اللوحات الجزء المهمّ في عمل هذا الفنان فهو أنزاح بذلك عن كلّ ما هو تقليدي و أسّس لفضاء تشكيلي جديد جعل من هذه الحركة الإختصارية تعرف نهضة تشكيلية و إبداعية ضمن رؤية وصيغة جمالية و فلسفية، ساهمت في التأكيد على فردا نية  القراءة و حرّرتها من ذلك التأويل الذي من شأنه أن يساهم في تغييب القراءة الحقيقيّة للعمل خاصة مع تلك الأذواق الكلاسيكية التي تجعل من العمل رهين التأويل و بالتالي رهين المعاني المتعددة.

فالفنان يعتمد نفس التمشي اللوني الذي يزاوج بين الأسود و الأبيض ليخلق بذلك توازنا تشكيليا و لعل هذا ما يؤكد “رفض التيار المينميالي لكل ماهو كلاسيكي و ميتافيزيقي الفني [2]” و الذي يساهم في تحويل دور المشاهد  نحو قراءة مفردة.

حيث تتأكد من هنا الرؤية المغايرة للفضاء التشكيلي  المينيمالي الذي يتأسس على فضاء هندسي مخالف بذلك ما تعود عليه المتقبل منذ العصور الكلاسيكية  وفق مسار فني متفرد ينحو  إلى الإنفتاح على معالم الفن التشكيلي الحديث عبر التيار المينيمالي.

 

  و بفضل العلاقة المنهجية التي أوجدها الفنان بين الاختصاصات الفنية التي ساهمت في إقصاء كل الحدود بين الفكر و المادة و التقنية  فهو مجال تواصل و تفاعل يظهر في  تجربة كارل أندري التي تتأكد عبر خصوصية الشيء حيث تتميز أعمال الفنان النحات الأمريكي كارل أندريه باعتماد مفهوم الشيء الذي عرفت به أعمال “فرانك ستيلا ” حيث تتميز بنيته المنهجية بإتباع “فرانك ستيلا ” من حيث المبدأ الأول في مجموعة من الأعمال السوداء التي ظهرت منذ الستينات. فهذا النحات تتميز أعماله بالنظام حيث أنه لم يتعامل مع الشيء كموضوع تعامل عرضي أو اختيار عادي بل كان فعلا مدروسا وممنهجا يكسبها ويعطيها قيمة تعبيرية وتشكيلية لجل أعماله. ولعل من أهم ما قام بإنجازه نجد لوحة تحمل عنوان “un carré de magnésium” التي أنجزها سنة 1969

 image005

image006

[1]  الدكتور شاكر عبد الحميد التفضيل الجمالي ، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني ، عالم المعرفة يناير 1978 سلسلة كتب فنية مارس 2001 صفحة 276

[2]. «   l’art  minimal se refusait à toute métaphasique artistique et transformait aussi le rôle du spectateur. » l’art minimal. Daniel marzona, taschent. Uta .groseinich p 10

 

 

Related Posts via Categories