ولادة فلسطينية مبكرة احسان الجمل

من قوانين الطبيعة، ان فترة الحمل قبل الولادة هي تسعة شهور، ولكن هناك استثناء بالولادة بعد سبعة شهور. اذا الموضوع ليس ثابتا مطلقا، كل شي قابل للتغيير وغير مقدس باستثناء وحدانية الله المطلقة. واذا وحد الاطباء تشوه خلقي في الجنين، يلجؤون الى حلول سريعة كالاجهاض وغيرها.

شاءت الصدف، ان تحدد فترة المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية الزمنية بتسعة اشهر، غير قابلة للتجديد. مضى سبعة اشهر منهم، وتبين للقاصي والداني ان هناك تشوها خلقيا في مسار المفاوضات، من اضافات لم تكن في سياق هذا الحمل، وهي نتوءات في بطن المفاوضات، مثل الاعتراف بيهودية الدولة، والبقاء الامني للاحتلال في الاغوار، وتكثيف الاستيطان، وتغيير خارطة القدس الى ابو ديس بما يعني ان قدسنا المصطنعة غير قدسنا الشرعية والقانونية، وموضوع اللاجئين، لم يعترف به، بل يبحث عن حلول عادلة ومتفق عليها، انطلاقا من مصلحة الاحتلال، وليس من معاناة اللاجئين.

ورغم ذلك، نبقى نسمع من يتمسك في المفاوضات، رغم ان الخصم المفاوض بدء يسحب منه الاعتراف بشرعيته، ويتباهي بفقدان الشريك وعدم وجوده، وان اعترف به ليتهمه بالارهاب ومعاداة السامية، وليملي عليه مزيدا من الشروط، التي تجعله يدخل في تفاصيلها الشيطانية، متناسيا الخطوط الحمر الاساسية المتمثلة بالثوابت والحقوق التي فيها اعترافا دوليا بشرعيتها، وهي غير قبالة للتفاض بل للالتزام والتنفيذ.

وظهر ان الامريكي، ليس راعيا وشريكا نزيها بالمفاوضات كما يفترض، بل هو يقوم بالتفاوض، في وقت ما بين جولتي المفاوضات، ليسد فراغ الطرف الاسرائيلي، ومتبنيا لافكاره، وضاغطا على الفلسطينيين ومهددا لهم بالقبول بما هو مطروح من قبل الاحتلال. وإلا فإن سلسلة العقوبات جاهزة بدءا من سياسة التجويع ووقف المساعدات، الى التلميح بالتغيير في الهرم القيادي، وللاسف يتماهى ذلك مع قبول عربي يمارس الاسلوب نفسه.

هذا الوضع يقودنا الى عدة اسئلة مشروعة، اولها ما العمل؟؟؟ وكيف نتصدى؟؟؟؟ وما هي ادوات ذلك؟؟؟.

حول السؤال الاول، هو ان نوقف المفاوضات فورا، لاننا نرفض، ان يولد جنينها مشوها، يشكل عبئا على الشعب الفلسطيني، ولا يشكل حلا، وهو غير قابل للحياة، ولا يشكل مستقبلا سعيدا، لان الجنين المشوه او المشلول، سيعيش كل حياته اتكالا على الاخرين، وهكذا ستكون دولتنا مشوهة وناقصة، لن تقوى على الحياة، ولا تنعم باستقلالية حركتها وتحركها، وستبقى رهينة للغير.

من هنا توقف المفاوضات، اصبحت حاجة وضرورة، خاصة ان معظم الشعب الفلسطيني اصيب بالاحباط، وهو يرى مساراتها كيف تتجه، ويرى ان القيادة الفلسطينية في موقف العاجز، حتى عن التلويح بيدها لمن ينقذها من الغرق. وهذا ما يوسع الهوة بين القيادة وشعبها الذي هو معني بنهاية الحل المنشود.

وحول السؤال الثاني كيف نتصدى؟؟ هو ان نمتلك رؤية واستراتيجية واضحة، نحدد فيها اهدافنا وآليات تطبيقها، وان نجسر الهوة بين القيادة والشعب، وفي حده الادنى، ان طرح شعار المقاومة الشعبية والسلمية ليس ترفا فكريا، نغطي به عجزنا، بل هو النزول الى الشارع على رأس الجماهير وقيادتها عبر استنباط اساليب نضالية توصل للهدف دون ان تكون لها تداعيات سلبية لدى الرأي العام الدولي، ولنا في تجربة باب شمس وحجلة وبلعين المثال الساطع.

كما يجب ان نلغي تعهدنا بعدم الذهاب الى المنظمات الدولية، وان نتجه اليها فورا، لنؤكد قرار الاعتراف بنا كدولة غير عضو، وان نلاحق قادة الاحتلال في المحافل الدولية، وخاصة ان الرأي العام الدولي، وخاصة الشعبي، بات اكثر تفهما لعدالة قضيتنا ودعما لها، ولنا في قرار المقاطعة الاقتصادية للاستيطان عبرة في ذلك.

ان نقرأ المتغيرات، التي رافقت الاحداث في الشرق الاوسط وبروز قوى جديدة على المستوى الدولي والاقليمي، وان نعيد نسج علاقاتنا بناء على ذلك بما يخدم قضيتنا الفلسطينية، بعيدا عن سياسة التمحور هنا او هناك، بل جذب الاخرين الى ترجمة شعاراتهم بأن فلسطين قضية مركزية لهم. وخاصة في ظل ما تشهده قضية اللاجئين من اخطار سواء في الطرح السياسي في المفاوضات، او ما تشهده مخيمات الشتات  من عمليات توريط تمهيدا لتهجيرها، اسهاما ومقدمة لانهاء وشطب حق العودة.-وهذا يحتاج الى بحث اخر اكثر تفصيلا-.

حول السؤال الثالث ما هي ادوات ذلك؟؟ هي ترتيب البيت الفلسطيني، ليس على المستوى الوطني العام،من خلال انهاء الانقسام، بل ايضا على المستوى الفصائلي وتحديدا داخل حركة فتح، باعتبارها العمود الفقري الذي يراهن على طبيعة دوره وتاريخه النضالي في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، فلا يصح ان تبقى فتح في هذا الترهل والتشرذم، بل اعادة صياغة نفسها بما يعيدها كحركة رائدة وقائدة. وعلى قيادتها ان تعود بالارتقاء الى مستوى القيادة التاريخية التي قادتها في مرحلة الثورة. وعلى المستوى الوطني ان نتقدم خطوات واثقة نحو ما يطرح من اجواء ايجابية بين طرفي الانقسام، مستندين الى حسن النوايا التي ظهرت في الفترة الاخيرة، والبناء عليها لحل الخلافات القائمة، لا ان نقدم نقاط الخلاف على نقاط التوافق، لانه بذلك تفتقد الثقة، ونكون بمثابة من يضع العربة امام الحصان.

كما يفترض الصراع ان نزيل اي هوة بين القيادة والشعب، وان نفعل المقاومة بشكل المناسب مع ظروفنا، والشكل المطلوب وفق احتياجتنا حتى لو كان الكفاح المسلح في بعض الاماكن والاحتياج السياسي، لانه لا يمكن ان نرى ابناءنا يقتلون بدم بارد، ونحن نعجز عن حمايتهم، ورد الاعتبار لهم. ولنا في التجربة اللبنانية في وحدة الجيش والشعب والمقاومة، نموذجا نحتذي به.

ان نتوجه الى روسيا وايران ومحورهما، لضرب الانفراد الامريكي بالتحكم في مسار المفاوضات باعتبارها طرفا منحازا، والمطالبة بتفعيل دور اللجنة الرباعية ومجلس الامن والامم المتحدة.

اننا نريد ولادة فلسطينية مبكرة تستبق الاحداث، وتساهم في صنع معادلتها، لا ان ننتظر الحدث، ونقوم برد الفعل، ونعتمد على الشكوى الغير مجدية امام تعسف الاحتلال الاسرائيلي.

 نحن نريد لمولودنا ان يكون سبعا لا ضبعا، لان هناك فرق بين السبع والضبع، فالسبع هو من يصطاد فريسته بقوته، اما الضبع فيعيش على الفضلات ويبحث عن  الجيف، ونحن نريد ان نكون سباعا نفترس ولا نُفترس.

 

احسان الجمل

مدير المكتب الصحفي الفلسطيني – لبنان

ihsaneljamal@gmail.com

ihsaneljamal@hotmail.com

الجمل

tel:009613495989

Related Posts via Categories