يعتبر “الاختفاء القسري” جريمة “مركبة” لأنها تعصف بمجموعة متكاملة من الحقوق .. وقد التصقت هذه الجريمة بالأنظمة الديكتاتورية، وخصوصا العسكرية منها.. حيث تتسم هذه الأنظمة بسمات مشتركة منها :

·        الاستفراد بالسلطة؛
·        قوانين استثنائية وقوانين طوارئ
·        تجاهل القوانين الوطنية وعدم الأخذ بالمواثيق الدولية،
·        حلول الأجهزة الأمنية محل الأجهزة القضائية في المحاسبة
·        ممارسات طائفية/ إثنية / مناطقية تمييزية
·        قمع منظم يشتمل على الاختطاف والاعتقال والاختفاء و التعذيب والموت تحت التعذيب.

ويبدو أن النظامين السوري والليبي قد سجلا أعلى المعدلات في العالم العربي في ممارسة هذه الجريمة.. ففي الحالة السورية بات يشكل “الاختفاء والإخفاء القسري” كارثة وطنية مزمنة ومستمرة؛ ضحاياها بالآلاف، وآثارها المباشرة تمتد لتشمل ما يتجاوز مليون مواطن سوري ممن جردوا من حقوقهم السياسية، وأكثر حقوقهم المدنية، فضلاً عن التدمير النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وما تعرض له ذوو المفقودين من ابتزاز المخبرين والمرتزقة..على مدى أكثر من أربعين عاماً.. مما جعلها حالة مأساوية وطنية يتداخل فيها الجانب الإنساني مع الحقوقي والسياسي..!!

فإنه استناداً إلى المرسوم التشريعي ( رقم 51/ تاريخ 22/11/1962 ) المسمى بقانون حالة الطوارئ.. اعتقلت أجهزة الأمن – خلال ما تعارف عليها بـ”سنوات الخوف” – ما يزيد عن مائة ألف سجين، (منهم المئات من اللبناينين والأردنيين والفلسطينيين) .. وقد صدرت “مراسيم اشتراعية رئاسية” بإنشاء المحاكم العسكرية الشكلية ..  وتمت إحالة جميع المعتقلين السياسيين عليها، حيث جرى تصفيتهم بشكل إعدامات جماعية منظمة خلال سنوات طويلة روى فظائعها الناجون منها والذين قضوا في الغالب أكثر من عشر سنوات.. [ علماً بأن وزير الدفاع- رئيس المحاكم العسكرية “مصطفى طلاس” قد وقع على كل الإعدامات التي كانت تتم بموجب محاكمات صورية بين الأعوام 1980-1989.. وقد اعترف بذلك في مقابلة  مع مجلة دير شبيغل الألمانية عام 2005]!

لقد وثقت عشرات “التقارير والدراسات ” ( التي أعدتها منظمات حقوقية وطنية ودولية) تعرض ذوي المختفين لصنوف قاسية من المعاناة .. كما وثقت لكثير من حالات التفكك الأسري، وحرمان الأطفال من التعليم وانخراطهم في “عمالة الأطفال” .. بكل ما يستجره هذا النوع من العمل من ويلات انسانية واجتماعية على الطفل والأسرة والمجتمع!!

وفي الاونة الأخيرة – ورغم الإعلان عن وقف العمل بقانون الطوارئ – إلا أن الآلاف من المواطنين السوريين – بما فيهم المئات من الأطفال – تعرضوا وما زالوا يتعرضون – على يد الأجهزة الأمنية و” الشبيحة”-  للخطف والاعتقال وللضغوط النفسية والجسدية مع عدة أساليب من التعذيب الوحشي الحاطة بالكرامة الإنسانية، و “الاخفاء القسري”.. وقد وثقت “المنظمات السورية لحقوق الإنسان”، بأن عدد الاعتقالات التعسفية التي يتم تنفيذها يومياً، منذ انتشار القوات المسلحة والأمن في عدد من المدن، يصل إلى 500 عملية .. مما يجعل الحصيلة عدة آلاف من الأشخاص المعتقلين… الأمر الذي تسبب في شيوع حالة من الذعر دفعت بالآلاف من السوريين إلى الهرب من جحيم انتقام خبروه طويلاً طيلة “سنوات الخوف”!! مما يؤكد ما قاله رئيس وزراء تركيا “رجب أردوغان” بأن من يقوم بأعمال العنف في سوريا هم “قوات خاصة” تعودوا خلال السنوات الماضية على نمط معين بالتعامل مع السوريين ” !!

ومن اللافت أن “الدستور السوري الدائم لعام “1973 ” ينص في المادة 25 على أن: ” الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم.. وأن سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة ” … أما المادة (28 ) فنصت على أنه ” لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا وفقا للقانون… ولا يجوز تعذيب أحد جسديا أو معنويا أو معاملته معاملة مهينة ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك… كما أن ” حق التقاضي وسلوك سبيل الطعن والدفاع أمام القضاء مصون بالقانون ” ..!!

كما تجدر الإشارة إلى أن “الحكومة السورية” صادقت على منظومة المواثيق والإعلانات الدولية بخصوص حماية الأشخاص من “الاختفاء القسري”.. وكلها تجمع على تعريف هذه الجريمة بأنها “اعتداء على الكرامة الانسانية.. وانتهاك جسيم لحقوق الانسان وحرياته الاساسية المعلنة في الاعلان العالمي للحقوق الانسان… كما تؤكد  عدم جواز “التذرع بأي ظرف استثنائيأو خاص” لممارسة هذه الجريمة  ، فضلاً عن شمولية المسئولية الجنائية لكل من له علاقة آمرا أو مأمورا، مشاركا أو عالما بالأمر.. فهي جريمة مستمرة باستمرار الاختفاء القسري؛ ومستثناة من مبدأ سقوط التهمة بالتقادم القانوني عليها.. وبذلك فإن “الجناة” لا يستفيدون من أي قانون عفو عام أو خاص. !!

إلا أنه واقع الحال السوري يتناقض تماماً مع هذه النصوص والإلتزامات .. فما يشهده العالم  – بالصوت والصورة – من “ممارسات  منهجية ” للاختفاء القسري والسحق والتخويف وإرهاب المواطنين، وقتل الأطفال والناشطين السياسيين ومحركي الشارع والتمثيل البشع في جثثهم بطريقة همجية مرعبة..  يشير إلى  فظائع غريبة وغير معتادة في أي نظام حكم.. كما  يفتح وبقوة ملف [الإبادات الجماعية ومجازر السجون والمدن في “سنوات الخوف”حين قررت “السلطة السورية” ممارسة الحكم خارج دولة القانون و الديمقراطية و احترام حقوق الإنسان].. بل يكفي لإدانة النظام السوري بارتكاب “جرائم ضد الإنسانية”.. كما يؤكد بأن هذا النظام غير قابل للإصلاح ، بل يصر – وشقيقه الليبي – على أن يظلا ” الأكثر شمولية وطغيانا في هذا العصر !!..

Related Posts via Categories