بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم‏

الأبعاد النفسیة في شعر جمال عبدالزهراء النصاري(1) بقلم صادق حسن إحمود البوغبیش

أنموذجاً الجریمة

الملخص لازالت مسألة السایکولوجیة في النصِ الأدبي تثیرُ قدراً کبیراً من الانتباه والتحدي لدی عددٌ من المُهتَمین بالشأنِ الأدبي والعاملین علیهِ شعراء، وادباء، ونقاداً، ولعلّ هذه الموضوعة تحدیداً ماکانت لتصلَ إلی هذا المستوی من الاستغراقِ فیها لولا أنّها کانت ولازالت من أهَم رکائزالسجال المفتوح حول إیضاح النص الأدبي الحدیث في شکل النثر وافداً جدیداً إلی الشعر العربي. وقصیدة النثر من أرقی الفنون الأدبیة في مجتمعنا هذا من حیث النشر، والدراسة، والنقد، والندوات، وغیرها ورکّزنا علی رائد هذه الحرکة في الأهواز وهو الدکتورجمال عبدالزهراء النصاري الذي کتب الشعر بنمطه الخاص ومن أهم منظري هذا اللون الولید رغم مرور نصف قرن علی ظهوره تقریبا اختار حتی یبرز عواطفه المُتخاصمة ذاتاً واعترافا. وشرحنا قصیدتي من دیوانه المعروف بالــ«جریمة» ولتکن أوّل دراسة من سلسلة مقالات ستنشر کل شهر للتعرف علی أهم عمود القصیدة النثریة في الأهواز.

المقدمة

اعتقد أن شرعیة قصیدة النثر الآن أو واقعیة سیادتها لایؤکدها بالضرورة وحده وهذا التراکم الکمي الحاصل في النشر وحجم المساحات التي أصبحت تحتلها هذه القصیدة في المنابر والمهرجانات الشعریة بل تکمن أو بالأحری. تأتي أیضاً من هذا الکم من الاختلاف الذي تم إنجازه کذلک في قلب القصیدة. المشهد الرئیسي في القصیدة النثریة الأهوازیة یتکوّن علی مشاهد عدّة ومنها المشهد النفسي والإسطوري بلونِ الجسارة، والمشهد الاجتماعي والقومي بلون الإعتراض و المُخاصمة، والمشهدالمهم هومشهدتحریر المرأة بلون الهم الهائل في نبض هذه القصیدة وتأمل بإنجاز ذلک الفعل الخارق الذي یتطلب إنجازه امتلاک شواهد نفسیة ورؤیة مغایرة وشخصیة بارزة تأتي بها للعالم وثقافة عالیة للحواس. في هذا المقال نبحثُ عن رموز القصیدة النثریة في شعرجمال عبدالزهراء والسؤال الرئیسي في هذا المقال هو:

ماهو الدافع النفسي الأساسي الذي یکوّن قصائد جمال عبدالزهراء و في أي مفرداتٍ یرمز له الشاعر؟

المفردات المفتاحیة: قصیدة النثر، النقد النسي، جمال عبدالزهراء النصاري

تمهید

المنهج النفسي هو المنهج الذي یعتمد علی معطیات علم النفس الحدیث في معالجته للنص الأدبي. وهذه المعطیات تقوم علی نتائج الدراسات التي نهض بها علماء النفس(جزایري،1383: 4). یری التحلیل النفسي أن الإبداع لیس الإجابة خاصة قابلیة للتحلیل(رفیعي،1393: 6)؛ لأن کل عمل فني ینتج عن سبب نفسي وبعد هو المنهج الذي یربط بین العمل الأدبي ونفسیة صاحبه ودلالة هذا العمل علی شخصیة صاحبه(ادیب راد،1386: 17).

شغل شعر جمال عبدالزهراء حیزاً من النُقّاد الذین حرصت علی تأویل شعره ورموز التي تجسّدت في قصائده النثریة، سلک جمال عبدالزهراء مسلک الرمز والإسطوره في شعره وحاول الربط بین الواقع والخیال و یبرز للقاریء المکبوتات في شعره، مما جعل من النقد الحدیث هذا الشاعر البارع میداناً بارزاً من النقد وفسّر الشعر الحدیث من ناحیة علم النفس بإسلوبه الراقي.

تتناول هذه الدراسة تحلیل دیوان الجریمة وفق المنهج النفسي الفرویدي، وسنوضح الصورة الفنّیة التي لجأ الیها جمال عبدالزهراء للفرار من إحراجات فکریة وواقعیة، ترتبط بالمرأة، والحیاة، والفن، والتعارض بین کلّ منهما.

«مشی الدهر علی جسدي»

مشی الدهر علی جسدي

و صاح

صحراءٌ لاینبت فیها زرع و لانساء

رمالٌ تهب من الماضي

ورجل ینعی تاریخه بقلمه

لغته تسجن

شعبه یسجن

وعیونه تسجن

ومدینةٌ تبکي علیه

حتی الصباح (نصاري،1392: 5)

 

لکي نصل إلی فهم بسیط إلی هذه القصیدة نُعالج هذه القصیدة حسب الرؤیة الفرویدیة:

1) العلاقة بین الوعي و اللاوعي

2) محاولة لکشف دافع اللاوعي في شعر جمال عبدالزهراء النصاري

جمال عبدالزهراء النصاري استطاع بخرق المعنی یأتي بطابع ٍ نفسي لقصیدته، فعندما جاء بکلمة جسدي، دخل مباشرةً لکیان البشر حتی یبرز صورة القصیدة، وصیاح الدهر بقوله:«صاح الدهر» یُذکّر القاریء بآیات القران ومنها: «وأخذت الذین ظلموا الصیحة فاصبحوا في دیارهم جاثمین»(هود:11)، و«اِن کانت إلّا صیحة واحدة فإذا هُم خامدون»(یس:36)، و«اِن کانت الا صیحة واحدة فإذا هُم جمیعاٌ لدینا مُحضرون»(یس:36) وهذا الصیاح هو الذي سبّب صورة عفویة ملزومة بقانونٍ غیر قانونٍ بشري. المرأة تلعبُ دوراً مهماً في کتابات جمال عبدالزهراء النصاري ونستطیعُ أن نقول جمال عبدالزهراء شکّل نوافذ کثیرة لتهرّب المرأة من الجسد ویهدي لها سُبُلا بالمرآة. ففي شعر جمال عبدالزهراء، الجسد، والنساء، والمرآة، یلعبن هذه المفردات دوراً مهماً في کتابات جمال عبدالزهراء ونستطیع أن نقول بأنّ جمال عبدالزهراء النصاري هو « شاعر المرآة» ولم نر سابقاً أحد تحدّث بهذا الموضوع في شعر جمال النصاري.

«الدهر یمشي ویصیح لازرع، ولانساء»؛ فالقاریء بعد أن یسمعُ لفظة الزرع ینتظرُ الماء ولکن فجأة یسمعُ النساء علی وزن الماء؛ فهذه المفردة سبّبت ایقاع هذه القصیدة، حتی القاریء یذهبُ یُراجع المخیلة ماعلاقة الزرع بالنساء، فأراد جمال نصاري یُعبّر برؤاه الخاصة بأن الدور النسوي هو الدور المهم في المجتمع ولانستطیعُ التخلي عنه. إنّ جمال منذ الطفولة عاش حياة مضطربة في جو عائلي فاقد الأب. الوالد استشهد، وترک العائلة وشاعرنا لم یتجاوز عمرهُ إلا عامین أعوام، بينما الأم تتعطف علی الولد.

وبهذا نكشف عقدة أوديب التي تصل إلی ذروتها بين الثانیة والخامسة من العمر. هذه العقدة مجموعة مشاعر من الحب والحقد يشعر بها الطفل تجاه أهله. فيفقد أباه ويتعلق بأمّه التي تبادله الحنان.

ومن علائم عقدة أوديب لدی جمال وميوله إلی الأنثی أنه كان يری الأنوثة والأمومة في ‌الحياة ومظاهرها. كما يثبت.

نستنتج أنّ تعلق جمال بالمرأة وحبه لها لا يدلّ علی رغبته في الزواج، بل يبحث في هذا الحب عن المرأة الحامية، المرأة الأم، فلهذا كان يخاطب المرأة: «مفاتیح جسدي بید امرأة لم تولد بعد»(نصاري،1392: 27). وخاصة أن مریم فرهاني لعبت دور الأم بعد أن حصل علیها. كان يعبر عن شعوره بالأمومة تجاه‌ مریم بقوله: «ایها الأطباء عندما تفتحون جسدها لاتجرحوا القلب إني أسکن هناک و هو العاشق الکادح الجریح…»(نصاري،1392: 24). إذن مریم رمز الحب الأموميّ.

هذا الحّب الأمومي لدی جمال نصاري كذلك يظهر في مظاهر الطبيعة. يقول: «أخرجي من جسدي فکل البحارِ فيّ تنتهي الی العدم…».

صورة الأمومة محورية في عالم جمال الخيالي. تعود جذورها في لا وعيه الطفولي ولا شعوره الدفين.

الليبيدو وطلب الشهرة لدی جمال

الليبيدو هي الطاقة النفسية والجنسية التي تخلق الحرکة والنشاط في الإنسان. علماء النفس الأوائل کانوا يرکّزون علي الجانب الجنسي من الليبيدو ولکن فيما بعد اعتقد العلماء أنّ هذه الطاقة هي طاقة نفسية وجنسية تدعو الإنسان إلی الحرکة.(طاهري، 1384: 239). فاللیبیدو هو عالمٌ یتصلُ«بالواقع لتحقیق النزعات الغریزیة بالصورة التي تراها خُلقیة معقولة، وهي تغفل في أثناء النوم(قصّاب،2007:55).

أما علاقتها بالفن والأدب فيعتقد العلماء أن الليبيدو لا تفكّر إلّا بإرضاء رغباتها ولكن المجتمع يمنع ظهور هذه العقدة الجنسية ويخالفها. في هذه الحالة يقوم الشخص بتصعيدها وإخراجها بشكل الفن والإبداع، وفي الحقيقة الإبداع هو نوع من آليات الدفاع التي يقوم بها الشخص لحفظ مشاعره.(شمیسا، 1379: 255).

إنّ الفن كان سبيلاً إلی التفريج (الترويح) عن ميول جمال الجنسية وذلك عبر التسامي (طلب العلو) وحب الشهرة بين الناس بشكل واع ـ لا واع. الرغبة بالتفوق والعظمة أقوی العمليات الدفاعية ضد النزوات المكبوتة. مثلاً في قصیدة «أنا الأرض بشهواتها» نقراء: « هناک أمام المقصلة یعطي المسیحُ خبزه إلی الشعراء، فیولدُ الماء من الصلیب، و أولدُ أنا من الشهوة والماء»(نصاري،1392: 42)؛ یُعني الشاعر بولادة الماء من الصلیب هو جسد السید المسیح، و الشهوة تلعبُ دور الإلتزام و تُسمّی« الشهوة المُلتزمة» وترمز إلی المحبة الإنسانیة؛ و في قصیدة «المعصیة» یقول الشاعر: «خذ من شهوتي ماء»؛ هذه الشهوة کما عبّرنا علیها سابقاً «الشهوة الملتزمة» و الشطر القبلي یُذکر الشاعر قصیدة معروفة لــتي إس إلیوت و هي «الأرض الخراب» بقوله« فالأرض الخراب صورة من قصیدتي هل سیدرک الفقید الجسد یوماً»؛ فهذه أمثلة عابرة لهذا البحث وسنأتي أکثر فأکثر في الدراسات الآتیة.

 

3ـ التماهي [IDENTIFICATION]

عاش جمال حياة فقر وكآبة أذاقته مرارة العيش والشعور بالنقص، ولعل هذا غرس في باطنه حب العظمة والتسامي والتماهي بالعظماء. كتب جمال كتابه «أنا وذاتي»، وأشاد كثيراً في أعماله بالسیاسة مثلاً یقول:«أنا رمح قاتل، في الأدب المقاتل»(نصاري،1387: 33) فجمال عبدالزهراء شاعرٌ یحبُّ المرأة لا لأجل الجنس بل یحبُّها لأجل الحریة قائلاً:« عیناي الخبیثتان تسلبان حریة المرأة» (نصاري،1387: 196) وکما یُعبّر للمرأة بالعنقاء:«بین الرغیف والرؤی، عنقاء نهدیک ترضعني الأمل»(نصاري،1387: 37)، والعنقاء هذا الطیرُ الاسطوري الذي یحرق نفسه حتی یُولد من جدید فینتظر الشاعر الولادة من جسد الحبیبة. فجمال عبدالزهراء بعد لفظة النساء فجأةً یُغیّرُ الزمان، والمکان، وخطاب القصیدة، سابقاً رأینا أفعال مشی، وصاح، ولاینبت، ولکن فجأة یأتي بفعل تهب،«الرمال تهبُ من الماضي» (نصاري،1392: 8). مفردة الماضي لها طابعٌ اجتماعي ونفسي ولکن نسلط الضوء علی النفسي، فأراد جمال عبدالزهراء یُذکّر المرأة بماضيٍ ضئیل، ومؤلم الذي أسس بکیانهم آلام ولعل هذه المرأة هي أمّه وأحداثهابعد شهادة زوجها عبدالزهراء. لغته تسجن، و شعبه یسجن، وعیونه تسجن، جاءت لفظة السین في هذه القصیدة خمسة مرّات ؛السين فيه صوت الصفير وهذا الصوت يخلق الحركة والسرور والانشراح، فظاهراً لایُناسب مضمون القصیدة، فالقصیدة تراجیدیة الظاهر والباطن وتخلطُ مزیجاً من قریحةٍ باردةٍ، وساخنة معاً. عندما یقریء القاریء هذه القصیدة قبل الشطر الأخیر یُعبّر عن الشاعر بأنّهُ متشائم بحدٍّ کثیر؛ ولکن مفردة الصباح تغلب القصیدة رأساً علی عقب، لأن الصباح مظهر الحداثة والتغییر، والتبدیل، وتسوحُ هذه المفردة الخیال إلی سورة الصافات حین الله سبحانهُ و تعالی یقول:« فإذا نَزَلَ بساحتهم فساءَ صباحُ المُنذرین»( الصافات:37). جمال عبدالزهراء أعطاء طابعاً مُزیّن لنهایة التراجیدیة ببطولة الصباح.

في قصیدة «الجریمة» المعروفة لجمال عبدالزهراء یرفعُ عصا الماضي ویضربهُ علی ظهر الحاضر؛ وتأتي مفرداته الشهیرة لتنقذ الشاعر من التورط بدخول کهوف القصیدة دون نبراس.

«الجریمة»

ثقافةٌ تحیا بماضیها

وأنا لاأمتلک المرآة

لأری حاضري (نصاري،1392: 16)

المثاقفة بین الأمم، ضرورة تفرضها الرغبة في التأثیر والتأثر بحثاً عن الحکمة، واسترشاداً بالرؤی النیرة، والأفکار الخلّاقة من أجل تشیید بُنیة ثقافیةمتماسکة وواعیة بذاتها وعارفه مالدی الآخرین من منجزات وأفکار یمکن توظیفها، أو رفع المناعة ضدها، لمالها من أثر في سلب الهویة وطمس معالم الخصوصیة. وبمقتضی الطبیعة البشریة المبنیة علی النقص و علی حبّ البحث عن جدید ومعرفة الآخر قامت الثقافات البشریة علی «المثاقفة» فأثرت وتأثرت. و اختلفت درجات ذلک التأثیر و التأثر باختلاف الرصید الحضاري(تبریزي،1389: 44)، والشعور بقیمة الذات والحفاظ علیها، فذابت ثقافات في نسیج ثقافات غالبة، وفقدت هویتها، کما حدث مع غالب ثقافات العالم الثالث، ونجحت ثقافات اخری مع المثاقفة عندما قامت علی أُسس محکمة، کما تحقق للثقافة الیابانیة و الثقافة الکونفوشوسیة في الصین عندما تثاقفت مع ثقافة الغرب. وهذا الشطر « تحیا ثقافة بماضیها» وکان فعل «تحیا» المفاجأة الذي استوقف عجلات القراءة ومن الواجب للقاریء أن یتأمّل هذا الفعل و یُراجع التأریخ و التاریخ، والجغرافیا، والأدب، ویستهلک وقتاً کثیراً ویتأمّل دقیقاً حتی یأتي لقراءة هذه القصیدة. فإذا قلنا هذا الشطرُ یُشکّل قصیدة بشکلها الکامل لم نکن من المُغرَقین، فهذه القصیدة بشکلها العام وهذا الشطر بشکله الخاص مهم في النقد الشکلاني والنقدالإجتماعي وکان «المنهج النفسي» هوالمنهج الذي استوقفني حتی تکون الرؤیة اکثر علمیة، وإنصافاً. الثقافة في الفکر العربي تعني التقویم و التهذیب من ثقفت الرمح إذا هذبته و قوّمته و یراد بها الحذق و الفطنة و ترد بمعنی التمکن و الغلبة(قیّم،1383: تحت کلمة الثقافة) کما في قوله تعالی:« إن یثقفوکم یکونوا لکم أعداء»(المُمتحنة:60). أما في الفکر الغربي فدلالتها مرتبطة بزراعة الأرض(هوسمي نژاد،1389:285) ثم استخدمت مجازاً في تعریف الفلسفة حیث عرفها شیشرون بأنها زراعة العقل(المصدر نفسه) وفي عصر النهضة أصبحت الکلمة تطلق علی الدراسات المتعلقة بالتربیة و الإبداع (الزهراني،2012: 5).فالبناء في هذه القصیدة مُمتد في أعماق الزمان واللامکان. «المرآة» الحافز الأساسي لهذه القصیدة المُتکوّنة من تشویشات فکریة مُتلاحقة. المرآة هذه المفردة المسحورة بید جمال عبدالزهراء شاعر المرآة کعجوزةٍ شریرةٍ تفتحُ لُغزً مجهول.

جمال عبدالزهراء بهذه المفردة أراد یخاطب القاریء بأنّ مابین الماضي والحاضر فکرٌ وهذا الفکر هو السبب الرئیسي للإشراف علی القضایا القومیة والدینیة، والثقافیة؛ فالمرآة تلعب دوراً هامّاً في صورة الذات الفردیة والجمعیة.

فکسرت مواعیدي بین ماءٍ و تراب

ونمت زهرة النرجس علی جسدي(نصاري،1392: 16)

الماء والتراب، لفظتین متتالیتین اعتمد علیهما الطوخي الرمال الشهیر حتی یوضح لنا أهمیة هذین المفردتین. وأساس هذا العلم هي النقطة وسرها الفرد. ولما کانت العناصر أربعة والأساس لها النقطة الفردیة، جعلوا لکل عنصر نقطة، ولما علموا أن عنصر النار أخف من عنصر الهواء، والهواء أخف من عنصر الماء، والماء أخف من عنصر التراب، ومن المعلوم أن الثقیل یحمل الخفیف، والخفیف لایحمل الثقیل. جعلوا ترتیب العناصر هکذا؛ نار ثم هواء ثم ماء ثم تراب وضابطهم هذه الأربعة أحرف لکل عنصر حرف وهو حرف من اسمه هکذا:(نهمت). (الطوخي،د.ت:4)

من خلال هذه الفکرة دخلنا إلی عوالم جمال النصاري الشعریة. فهو في قصیدة «الجریمة» یعتمدُ علی اللاوعي ویُرتّب ثقل روحهِ الضئیلة علی الجسد کما نعرفُ أنّ جمال نصاري من أکثر الشعراء استفادةً لمفردة الجسد. فالشاعر هُنا یعاني من ألم غیر محسوس ولکن بُرکان ساخن یُولّد بروحٍ لاهوتیة. هذه الفکرة وحملها لبعض بمفردات غیر عشوائیة و مُرتبة تجلبُ التحدث.

نمت زهرة النرجس علی جسدي (نصاري،1392: 16)

مرة أُخری مفردة مفتاحیة لأقفال قصائد جمال عبدالزهراء؛ دور الجسد في هذا الشطر تعبیراً نفسي لحالات الکاتب فزهرة النرجس ترمز لأنانیة الفردیة. لأجل توضیح المُهمة النفسیة النقدیة لهذا الشطر نستعین بنظریة فروم«النزعة الفردیة الإنتاجیة أو التلقائیة». فروم رؤیته النقدیة لکل أوجه الحیاة الإنسانیة سواء في العلم أم الدین أم الأخلاق التي یطمح أن تحتضن الإنتاجیة الإسطورية الغیردینیة (جمعة،2011، 14)کأسطورة نارسیس؛ آلیة فاعله في تطویر رکود النفسي، وإیراد الحالات النفسیة المُتقنة لشاعرٍ ناقدٍ یعرف حاضره، فلابد من ایضاح الموقف النفسي لکل مرتکزات هذا المصطلح قبل الحدیث. فالاسطورة هي تولد حالات انفعالیة للشاعر و یُحبَط الموضوع.

فانحنی قلبي علی نهدي امرأة عاریة تبعثرت

حروفها

بین «سین» و«ضاد»

ثقافة تحیا بماضیها

و أنا لاأمتلک المرآة (نصاري،1392: 16)

حسب رأي فروم لیس هنالک من حل لأزمة الحریة أو تحرر الفرد من روابطه سوی أمرین لایلتقیان( جمعة، 2011: 127)؛ لاسیّما الجسد، والمرآة، والمرأة، والجسد یلعب دور الأهم بعد هذین الأمرین هو دور النساء في کتابات جمال عبدالزهراء وهذا الدور ایجابیاً وتلقائیاً في الارتباط بین باقي المفردات الشعریة علی طریقٍ اجتماعي. هنا السین و الضاد رمزاً للغات قومیة معیّنة.

ثقافة تحیا بماضیها

وأنا لاأمتلک المرآة

لأری وجه الإله

یتخدُّ مع ظله في الماء

وتکتمل دورة المعرفة في شراییني

فتسقط الأقنعة (نصاري،1392: 17)

یُکرّر الشطر مرة أُخری ونری المرآة تشکلُ تضافراً هاماً في اجزاء القصیدة للوصول الی هدف معیّن وأسلفنا حول الجسد والمرآة في شعر جمال النصاري. ومن نصوصه الشعریة هذه وسواها نستطیع ان نری مارآه النُقّاد في دراسة شعره النثري أنه نشأ وفي نفسه میل الی التجدید في الشعر العربي الحدیث و یتطلع ذلی مرحلة مابعدالحداثة.

لأری وجه الإله

في القراءة الأوّلیة للنص یتبادر لنا تخیّلاً الحادیاً من جانب بعض القراء؛ ولکن بالنسبة الی کارل یونغ فالدین عنده یعتمد علی الخضوع لقوی تسیطر علی الانسان حتی أن اللاشعور عند یونغ ذوطابع دیني(رحمانیان،1392: 8)، إذ في الحقیقة إنک تدرک صورة اللاشعور في أحلامک ، لاتثبت شیئاً علی الاطلاق ، لأنک تستطیع ایضاً أن تسمع الأصوات في الشارع، ومع هذا فإنک لاتفسر هذه الأصوات علی أنها أصواتک(رویگریان، 1389: 108). فدخلت الصورة الماورائیة في لاشعوره الفردي کي یعبّر لنا عن مرحلة أرضیة. فالإله متواجد في الساحة الإنسانیة. وشطر «یکتمل دورة المعرفة» هو تصورات لاحقته في مرحلة الطفولة للدین وللإله التي برأي نقّاد علماء النفس تتبع المرء حتی آخر مراحل عمره، فهنا هذه الحالات موجودة في کیان الشاعر إلا أنه یشوّش الذاکرة حتی یستطیع التخلّص من الأشیاء اللاواقعية فالأقنعة للإله هو الجانب الآخر للدین الموحد وجوهرة الحق، المنطق الذي یفضي تماماً إلی نفي هذا المفهوم عن الله.

و یرتفع الستار

من مسرح الجریمة

الجریمة… الجریمة

إنکشفت الرموز (نصاري،1392: 17)

بقول یونغ الحیاة الروحانیة و العرفانیة هي التي تلعب دورها الأساسي في علاج الشخص بعقیدة یونغ أنّ الجریمة اللاهوتیة تعبیرٌ ذهني ویخلو من إتفاق واقعي و الشاعر عند حصوله الی بُعدٍ نفسي مُشوّش و مُقیّد بذاکرة عتیقة و قدیمة ولم تحبط الرموز الأساطیر القدیمة هنا وصل مرحلة النشوء ویرتقي الی مابعد الکتابة ویعرفُ سر الاسطورات وسر النساء کما انتقد یونغ دیانة أبیه لأنه یفتقر من حصول جنس المرأة التي حصل علیها في أدیان الشرق(رحمانیان، 1392: 9).

و بکی القاریء علی مسرح الجریمة

ألف سنة ضوئیة حتی

تعرّف علیّ

أنا                 هي

     الجریمة ( نصاري، 1392: 17)

جمال عبدالزهراء النصاري الشاعر الذي یعرّي کل شیء بدون خوف أو وجل فهو یفلسف لحظة الألم ولایتمناها لشعبه.

یتبع الشاعر في بدء قصائده اسلوباً رمزیاً ومن ثم تتحرک ایقاعات قصائده لتتفاعل مع متلقیه فتجد القصیدة شعلة بعد أن بدت قطعة موسیقیة هادئة، حیث أخذ الإیقاع یعلو والترتیل یصخب وکأنه یصور لنا الحالة وسط حقیقة تمثیلیة أو مشهد حقیقي لامجرد کلمات جوفاء. فالشاعر یرسم لنا صورة بمسرح الجریمة ولکن لانری هروب کعادة البشریة بل اعترتف من قبل المجرم/الشاعر کما یعبّر فروید لربّما الإبداع الفني یصلنا الی روحیات الکاتب.

 

هذه الدراسة ستتبعها سلسلة من الدراسات حول نتاجات الشاعر جمال عبدالزهراء النصاري. ففي الدراسة الثانیة سنتناول قصیدة «نجیبة ومصطفی» من منطلق نفسي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر

 

  • . شرفی، محمدرضا: جوان و بحران هويت، چ 4، انتشارات سروش، تهران، 1385ش.
  • احمدیان، حمید: مناهج النقد الادبي. انتشارات سمت.1393.
  • ایگلتون، تری: ایده ی فرهنگ- ترجمه یس علی ادیب راد- نشر حرفه ی نویسنده 1934.
  • جزایري، علیرضا: زیگموند فروید بنیانگذار روانکاوی- نشر دانژه 1387.
  • جمعة، قاسم: النظریة النقدیة عند إریک فروم، بیروت،منتدی المعارف،2011.
  • دیچز، دیوید: شیوه های نقد ادبي؛ ترجمه ی غلامحسین یوسفي و محمدتقي صدقیاني- نشر علمی- 1366.
  • زیگموند، فروید: روان شناسی فراموشی- نشر علم 1388.
  • شفتي، سعید شجاع: روانکاوي کلاسیک- نشر ققنوس1385.
  • عليخانی، اكبر: مبانی نظری هويت و بحران هويت، چ 2، انتشارات جهاد دانشگاهی تهران، 1386ش.
  • علیزاده، حمید: آدلر پیشگام روانکاوی جامعه نگر- نشر دانژه- 1383.
  • فروید ، زیگموند: روان شناسی توده ای و تحلیل اگو. ترجمه ی سایرا رفیعی- نشر ني- 1393.
  • فروید، زیگموند: تفسیر خواب- نشر مرکز 1383.
  • قیّم، عبدالنبي: تهران، فرهنگ معاصر: 1381.
  • کریمي، یوسف: روان شناسی شخصیت- نشر ویرایش- 1388.
  • هوسمي نژاد، محمّدتقي: فرهنگ انگلیسي-فارسي استاندارد، نشر جهان دانش:1389.
  • ولک، رنه: تاریخ نقد جدید- ترجمه ی سعید ارباب شیرانی- نشر نیلوفر 1384.

 

Related Posts via Categories