قصيدة (شظايا الفراغ)1 حملت كشفا عن استار الحقيقة وجدان عبدالعزيز

بعدما تجاوز الشعر حساسية المشاعر في البحث عن حقيقة الكون والحياة ، اصبحت القصيدة حمّالة معاني كثيرة تعلق جانب منها في الفلسفة الشخصية وقضية التعامل مع المحيط والاخر، فـ(الحقائق عن الإنسان، تمر غالبًا بالحديث عن قيمة هذا الإنسان ومكوناته وعلاقته بالوجود من حوله، وعن كيفية التعامل مع مكوناته وأحاسيسه من فرح وحزن، أو سعادة وشقاء ويأس وأمل، أو سكون وتطلع… فحقيقة ماهية الإنسان أنه مخلوق رباني، يوازي في قيمته وتعقده قيمة هذا الكون الرحب وقيمته، يقول النورسي: “إن الإنسان كسورة يس كتبت فيها سورة يس”. صورة فنية تحيل إلى التكامل والتعقيد اللذين يسمان تركيب الإنسان. فأنت ترى نفسك أو ترى غيرك، صورة ظاهرة مثل كلمة “يس”، بيائها وسينها هكذا مجردين… ولكن إن اقتربت رأيت تلك الياء والسين تعجان بالتفاصيل التي هي مضمون سورة “يس”!.. تفاصيل تتكامل لتعطينا معنى متناسقًا، كتكامل آيات، بل كلمات، بل أحرف سورة “يس” لتعطينا صورة متكاملة المضمون. تلك التفاصيل، تجعل الإنسان مخلوقًا يوازي الكون كما قلنا، وهذه حقيقة قرآنية تجدها ماثلة أمامك في الآيات التي تضع الإنسان في كفة والكون الرحب في كفة مقابلة، سواء في الدلالة على الخالق أم في الامتنان على المخلوق، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾(فصلت:53)، وقوله تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾(الذاريات:20-21).)2

من هذه المنطلقات نجد الشاعرة اسماء القاسمي ، قد عاشت اجواء الصراع في الحياة وبحثها عن الحقيقة ، ومحاولة رفض القبيح والاحتجاج عليه باظهار اوجه الجمال والعلاقات التي تؤدي الى اكتشاف المجاهيل في طريق الانسان، هذه الاجواء حملتها القصيدة (شظايا الفراغ) من خلال مفرداتها المشحونة بالرفض والاحتجاج .. كقول الشاعرة القاسمي :

 

(انفض عن جرحي غبار              

الوقت

يبتسم الألم الساخر مني                

ككتاب مهجور على رفوف                

النسيان

هل اشتقت للحيرة مرة

اخرى

اتعمد ان لا اسمع سخريته اكثر

أدس صواع الحياة على قافلة

الشك

هل اشتقت لجرحي

تحدثني نفسي على خجل

واستغراب

هذا الضجر الذي يحاصر

الزملكان

يغيبني في الفراغ السحيق

ابحث عن صورة لمعناي

انا الأرض التي ينبت منها معنى

الكون

خزينة الأسرار التي تفك طلاسم

الدهر)

 

فهذا المقطع حمل مفردات مشحونة بالانفعال والرفض وشبه شكوى (الجرح ،الالم ، الهجر ، الضجر ، طلاسم الدهر) ، وكون هذه المفردات مشحونة بالانفعال الا انها حملت ايضا معاني اخرى تخفت في طلاسم الدهر التي حملت الشاعرة الى التأمل والتفكير كونها تعيش فراغ سحيق وضجر حاصر زمانها ومكانها وتقدم الى زحزحتها الى منطقة العدم لولا دلائل اخرى ، وهي بحثها عن صورة معنى ، ثم تصرح بانفعال (انا الأرض التي ينبت منها معنى الكون)، فهذه المسيرة التي حملت الجرح في المشاعر والم البحث ادت الى استلهام انوار الحقيقة المختفية وتحتاج الى تأمل واصرار وصبر ، لاجل الوصول الى خزينة الاسرار التي تفك طلاسم الدهر… هذا المقطع الاول في قصيدة (شظايا الفراغ)، الذي وسمته باسم “انا الارض” ، وعرفنا المسار فيه ، اما مسار المقطع الثاني “انا الانثى” ، ففيه معطيات توازي معطيات المقطع الاول الذي اعتمد التأمل والتفكير، ويبدو ان المقطع الثاني اعتمد الحب والنور .. تقول القاسمي :

 

 

(انا الأنثى

إخضرارك في لحظة الحب

كثافة شوقك

طعم الماء في جوف الظمأ

ينكرني آدم

فيغرق في عدميته

هذا الموت غيابي عن عالمكم

وهذه البشاعة فيكم

تسلطك البدوي

لأنك تحاصر العطر في

الوردة

وتخنق الغيمة بالاسفار

سيحاصرك جفاف الطين

تقطفني انانيتك

فارسم ملامحي على وجه

الغيب

واعتق انفاسي بالنور النابع من

معناي

تغلق اصابعي

فيمتلىء حبري بالكلمات

تحرقني فراشة في النور

فاتحد مع اللحن

كسمفونية هاربة من ظل

الأوتار

احترق في ذاكرتي

قبل ان افكر للمجيء

لهذا العالم

كان الانفجار الكبير

لا يقبل التفكير

ما العجلة في الأمر اذا هذا قدري

ان اكون الرحمة حولك

وتكون الوجع الصخري

الشارد عن سر الانسان)

 

وكما نرى أنّ الحبّ هو عبارة عن مستوى سامٍ من العلاقة بين الذات والآخر تكون فيها الأفضليّة للآخر على الذات. وقد يختلف هذا الآخر من ثقافة لأخرى أو في داخل الثقافة الواحدة، فقد يكون إنساناً أو حيواناً أو وطناً أو إلهاً، وقد يكون كلّ ذاك في إحدى الثقافات أو بالنسبة لأحد الأفراد. وحينما يتسامى هذا الحب ليكون الهيا ، ففي هذا النوع من الحبّ يحلّق العاشق في عوالم نورانيّة، حيث الينابيع الروحيّة الثرّة والفيض الربانيّ الغامر، وتنتشي روحه بنفحات إلهيّة، وتختلج نفسه بأقباس عُلويّة، ويهيم بجمال الخالق المتجلِّي في الكون والطبيعة والوجود وجميع المخلوقات، فيفيض وجدانه بترانيم الحبّ والطهر، وتذرف عيناه دموع الشوق واللوعة والخشوع. فكانت القاسمي لما وصلت الى حالة التجلي من خلال بحثها عن الحقيقة تردد : (واعتق انفاسي بالنور النابع من معناي/تغلق اصابعي

فيمتلىء حبري بالكلمات/تحرقني فراشة في النور/فاتحد مع اللحن)، الحقيقة سلكت القاسمي طريق الوعي في انها تمتلك الكلمات التي تجلي من خلالها معنى وجودها كأنثى ، اخضرارها في لحظة الحب ، وهنا مقاربة الحب ليكون هو الحياة ، ثم تقول :

 

(ما العجلة في الأمر اذا هذا قدري

ان اكون الرحمة حولك

وتكون الوجع الصخري

الشارد عن سر الانسان)

 

هذا هو الصراع الذي عاشته الشاعرة القاسمي ، وشظت فكرتها بين الارض والانثى لاحداث مقاربة بين سر الوجود وسر الحب الذي هو نور يزيح دياجير الكره والمقت كونه قبح عرضي ، وبهذا تجلت فلسفة الشاعرة وعشقها الروحي للنور كونه الجمال الالهي الذي يضيء الكون والوجود ، فما على الانسان الا ان يكون قبسا من هذا النور ليكشف استار الحقيقة ..

 

 

 

قصيدة (شظايا الفراغ) للشاعرة اسماء القاسمي 1  

فلسفة الإنسان في “نوايا الحقيقة”( للكاتب عبد الوهاب بوخلخال – قضايا فكرية – 1)2

 

 

Related Posts via Categories