إغماضة الحياة في الموت \عدنان ابو اندلس
قصيدة ” ريحُ الجْمرة ” للشاعر الراحل عقيل علي .
عدنان أبو أندلس
ما إن ذُكر يوماً ، الجْمر ؛ إلا وقد تصورنا لسعتهُ اللحظة ، نستذكرهُ بألمٍ في الحال – لسعتهِ ، حُرقتهِ ، هذه الأشياء تتوالد من لهيبهُ – سخونتهِ – سناهُ – فيكف على من تقلب على سريرٍ من حرقةِ ووحشتهٍ طيلة أكثر من عقدين كاملين – يتوسد الرصيف ويلتحف نظرات المارة .
بهذا العنوان وظف الشاعر عقيل نصهِ على ضوء عملهِ السابق – “خباز في فرن ” قد سايرتهُ لسعات النار المتأججّة ا، حيثُ إختزل سرد حياتهِ المستعرة لروح مضمرة يغلفها الموت كل حين ، موتهُ المؤجل ؛ أعلنهُ ضمن جدول أعمالهِ اليومية ، هناك ترابط عميق وشدٌ وثيق بين الجْمر وريحهُ ، وبين الشاعر وروحهُ . إن الجانب النفسي مقرون بهذه الإفضاءات اللاشعورية تراودهُ في غفلة فكرٍحادّة ، حياتهِ رغم جدّليتها تبقى مسكونة بصدق المبدأ ، لكن هل معطياتٍ لمرحلة مترسخة لدى البعض من أن عبثية العيش لاجدوى منها ؟! :
أغمضت المقلتين
ومضيت
بعد إنطفائها
مازال الإنتظار مرتحلّ
والذي لايجيء فيض رماد
وإهجر الجدار
وسادتكِ الرصيف
وطعامك بقايا فضلات المزابل
مستهل مُحيّر قد نتوقف فيهِ ونهمس !.. كيف …مضى ؟ .. رغم إغماض العين وإنطفائها ، هذا مستهل سائب لايجدي من الروية بشيء . إن حالة التضاد المميزة برزت فيهِ حالة إبداعية رائعة وفائقة في الدلالة ، أغمضتُ المقلتين .. ومضيتُ … بعد إنطفائها !.. مضى ببصيرة وليس ببصر ، كون الرؤية مشعة من الأعماق ، إغماضة العين –الموت المؤقت -إسدال الرمش والنظر غوراً إلى الأعماق – إنطفائها – موت البصركلياً – تعطيل الحاسة تماماً … رغم هذا الإنتظار ! حيثُ الأمل مرتحل وقد لايجيء ،سوى قبضة رماد – نهاية حياة والفناء الحتمي … مناجاة نفسية حادّة …تحذير ، وصايا نصائح ذاتية ، مراجعة النفس ، لعل الروح التعبى – الروح المضمرة بالموت تحاور صاحبها . إن فقرة – فالتجئ لهُ … من هو \ ومن هي ؟ الأمل – الخالق ، ربما بقايا من عزيمة وثبات مبدئي بإستمرار حياتهِ التي إختارها :
التوجس والدهشة والحيرة وأيام اللاجدوى
فراشك وغطاؤك وزادك دوماً
فإغمض المقلتين كذلك أنت إلى الأبد
مازلت مرتحلاً وستظل
داخل روحك
فإلى متى ياعقيل علي
مامن خلاص ؟
هذه العوالم الماثلة في أفق حياتهِ العابثة، هي التي شكلت برمتها إغماضة عينيهِ ،إفرازات طالتهُ كل حين ، من شروق وحتى غروب ،حذّر الذات منها ، لكن لاجدوى من ذلك ، هذه الإستنتاجات إستخرجها عبر مسيرة حافلة بأيامٍ متكررة – التوجس – الحيرة – الدهشة – ثلالية تلاشي الروح وبمعيتها – الغربة – الوحشة – الفراق ، هي كل ماتبقى لهذا الكائن الضاج بهمومهِ اليومية والتي كابدها في ريح الجمرة اللاسع لقلبهِ قبل جسدهِ ؛ هذا إن تبقى لجسدهِ مايلمُ بها عضامهِ . النص يحمل طابعاً حوارياً مع النفس – همس – دردشة – حوار وغيرها من إستنطاق وبصيغة –عتاب – لوم – تحذير – وصايا – فهل من خلاص ! تسربل أبدي في تطبع يسكنهُ حتى إغماضة المقلتين :
أهذهِ ما يسمى حياة
كلا ،
أنهُ الموت في الحياة كل رمشة جفن
انهُ إذن ماتبقى من محسوب عليك حياة بيديك
وكفى
كفى
يبدو أن الشاعر يسير حياتهِ كما يريد – سلباً – إيجاباً – بدلالة تكرار مفردة كفى – اللائمة في الجانب النفسي ضاجاً بندائهِ – وكفى – كفى – المفضي إلى إنتفاء الحياة …..إشارة حمراء بنهاية حتمية ،وكأن حال لسانهِ يقول : ” لستُ متأكداً من وجودي في الدنيا – طويلاً ” …! وكأنهُ هو قابض روحه أو يتمنى ذلك للخلاص – مازلت مرتحلاً وستظل – روحك – فإلى متى ياعقيل علي ؟ .. تشخيص ذاتي بالإسم كونهُ المعني والمعلِن الوحيد عن موتهِ – أهذهِ مايسمى حياة – كلا … من خلال قراءة النص لمرات عدة تستشف من شاعر ما يخاطب عقيل علي ، كـ تبادل أدوار الحياة اليومية – يواسيهِ بمتاعبهِ –وليس هو – كون المتمرد يخاطب نفسه على هذه اللواعج المرّة .
23-12-2015 .

 

1173891_172310999621076_66745116_n

Related Posts via Categories