الشاعرة صليحة نعيجة بين غياب وحضور! ديوان (لماذا يحنُّ الغروب الىّ ؟) أنموذجاً/ وجدان عبدالعزيز مستشار صدانا بالعراق
من خلال تجوالنا في حدائق الشعر العربي الحديث، تبرز لنا معالم قصيدة النثر، بوصفها، أداة خلق وإبداع، وليس أداة تعبير، فالكلمات في الشعر تعبر عن معان أكثر من معانيها الحرفية، وان وظيفتها أوسع وأعمق، فهي توحي وتشير أكثر مما تعبر، وقد أكد (ادونيس) ذلك، عندما اخذ يبلور مفهوماً حول لغة الشعر، يمكن عدّه مفهوماً عاماً للجماعة كلها،
وذلك في مقالته (محاولة في تعريف الشعر الحديث)، ويرى (ادونيس) فيها ، ان الشاعر هو من يخلق اشياء العالم بطريقة جديدة، وان لغة الشعر يجب ان تكون لغة كشف وتساؤل، فالشعر الحديث هو، بمعنى ما، فن جعل اللغة تقول مالم تتعلم ان تقوله، خلاف اللغة في الشعر العربي القديم، التي تقوم على التعبير، بمعنى انها لغة تكتفي من الواقع ومن العالم بأن تمسهما مساً عابراً رفيقاً، وهذا ما يجهد الشعر الحديث في ان يستبدل بلغة التعبير لغة الخلق .. اسوق هذه المقدمة، كمدخل لديوان الشاعرة صليحة نعيجة الموسوم (لماذا يحنُّ الغروب الىّ ؟)، فعتبة العنوان حملت تساؤلا يضمر معنى متخفي، يتخلق كلما حاولنا الدخول في مسارات قصائد الديوان، التي حملت الصراع الكبير بين الحضور والغياب .. وكما هو معلوم ان الصمت والكلام والحضور والغياب ثنائيات فلسفية تعد مفتاحا مهماً من مفاتيح قراءة النظرية التفكيكية للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، الذي قدم واحدة من أهم النظريات الخلاقة في القرن الحادي والعشرين، من حيث إضفاء نزعة تفكيكية حقيقية للأشياء من حولنا، بداية من البنية السياسية الكبرى للعلاقات الدولية بين أطراف الغالب ( المركز) والمغلوب (بقية دول العالم) ومرورا بكافة أشكال الإنتاج الإنساني والإبداع الفني الكتابي والتصويري، إلى آليات قراءة الأشياء، وتحليلها وتفسيرها المستمر باعتبارها كينونة متحولة ومتجددة المعنى. وقد أفرزت هذه النظرية العديد من المصطلحات من أهمها وأكثرها رواجا وشيوعا واستخداما في الحقول المعرفية الإنسانية: الصمت/ الكلام، الحضور والغياب، الكتابة والاختلاف. تقول الشاعرة صليحة في قصيدة مفتتح الديوان (زقزقات اللغة البتول)
مرحبًا
باللغة التى ترفل فى ثوب الهروب
و  الاغتراب
عادت
انى ُأطوقها
و أمخر  عبابها  فى الحضور و الغياب.
لغتى
تلقّننى  الوَحى
ألقنه  لأسراب الخطى
و ُتبرمج  السّفرَ الجميل
حلمًا  نامَ  حولينِ
و استفاق  على سرابْ .
لغتى..
مرحبًا
يَا  هاجسًا  اتقدتَ  بين  جوانحى
و أرسلتَ بخارَ الحقدِ
الى خرائطَ  قد  أرّختنى  ثم غابتْ
ترسم  القُبل المضرّجة
بالبوح المعتق بالعتاب.
اليومَ
  ترفل يا  فرحًا
فى ثوب اللغة
و تحطّ  على راحتىّ
كل شحارير الكلامْ
التى أدمنتُ  صمتها
هاهى ذى تلحنْ
فى الغدوِّ و الايابْ).
وبهذه الافتتاحية، تكون قد رسمت مسار حالة الغياب والحضور من خلال اللغة، واي لغة ، انها لغتها الشعرية الخاصة، المودعة في قاموسها الشعري ، المتجذر من خلال مسيرتها وتبلور تجربتها في عالم الكتابة، ولهذا سكنت ديوانها انف الذكر ثيمة الغياب والحضور، هذه الثيمة الممتدة عبر مساحة الشعر العربي ، وايضا مساحة السرد ..
وما يخص دراستي هنا هي الظاهرة الشعرية (فإننا نلاحظ أن الشعر يقوم على كل منها وبقدر ما تكون جدلية الحضور والغياب قوية بقدر ما يكون النص الشعري قوياً ومعبراً. وإذا أردنا أن نُنَزّل المصطلحين مدار الشعر فإننا نلاحظ أن الحضور يمثّل التشكيل والغياب يمثل الدّلالة. وعلى مدار هذه الثنائية يدور الكلام الشعري باعتباره احتراماً للقاعدة وخرقاً لها في نفس الوقت. فالتشكيل الشعري هو خرق لقاعدة اللغة، والقاعدة هي ذلك النمط المرجعي الذي يحترمه كل متداول للغة معينة حتى يضمن لكلامه سهولة التواصل وممارسة تأثير معين. وبقدر ما يكون التشكيل حاضراً بقوة فإن القاعدة تمثل غياباً.” وعندما تصاغ هذه القضية اللغوية في إطار جمالي نقدي فإنه يترتب عليها التمييز بين نوعيين من العلاقات التي يمكن ملاحظتها في العمل الأدبي ، علاقات تقوم بها العناصر الحاضرة وأخرى تقوم بينها وبين العناصر الغائبة”. وقد نبّه سوسير Saussure في أكثر من مرة إلى هذه القضية واعتبر أن الدّال يمثل حضوراً (حضور مادي) وأن المدلول يمثل غياباً (غياب مادي ولكنه حضور معنوي).وإلى هذه الفكرة أيضاً يذهب ميشال فوكو في كتابه الشهير “أركبولوجيا المعرفة”، عندما يقول: ” أريد أن أبيّن أن الخطابات كَمَا نَفْهَمُهَا في حياتنا الفكرية المعاصرة كما يمكن أن نقرأها في شكل نصوص ليس من السهولة بمكان اعتبارها مجرد تقاطع بين الأشياء والكلمات” وهنا ينحو بالقضية منحى فلسفياً، ويحيل إلى إتمامه للمشروع الفلسفي الذي ابتدأه في كتابه “الكلمات والأشياء”. وفي هذا المنطق يحاول ميشال فوكو تأسيس فلسفة للعلوم الإنسانية.وإلى هذه الفكرة تقريباً يذهب تدوروف مع تغيّرٍ في الحساسية الثقافية فعندما يقول: “هناك عناصر غائبة من النص، لكنها إلى حدٍّ كبير حاضرة في الذاكرة الجماعية لقرّاء فترة معينة، وهذا ما يمثل بطبيعة الحال علاقات الحضور  وفي مقابل ذلك نجد بعض المقاطع من كتاب -بما فيه الكفاية من الطول- تكون على مسافة معتبرة من البعد عن بعضها البعض وتكون علاقتها غير مخالفة لعلاقة الغياب)، وبعد تبلور معنى الحضور والغياب ، ابحث مساقط هذا المفهوم على المعنى المسترد من ديوان الشاعرة صليحة نعيجة تقول ـ وانا مضطر لايراد هذا النص الطويل ـ :
تبًّا  لكل  الحوقلات التى
أسلمتنى الى سدرة المبتغى
لارتجاف  الحقيقة
و أساطيل الحكايا الفارغة.
تبًّا  لها..
تلك المسافات  التى
تصهل  بالخواءِ …  و الهراءْ.
تبًّا  لها..
تلك  الحكايا التى
عانقتها الوصايا
و امّحت  فى غضون الشتاءْ.
تبًّا  لها..
أّمّى  التى  وطّدتنى
ووتّرت  أمنياتى  بالتشنج و النكوص
الى حلم  أراهٌ و لا  يرانى
فهل …  يا  ترى ؟
تبًّا لها..
هاته المدينة الجاحدة
كمْ  ليلَةً  أٍّرّقتنى
كمْ  ليلةً  اشتهيتٌ  رحيلهَا
كمْ  مومسًا  حكمتنا  بسياط  شهوتها
فغابت كلّ أساليب  الادعاء.
يا  و يلتى !!
غابت  كل مواويل الوفاء
غاب الصحاب..
غاب الحلم ..
غاب أهل المدينة الواقفة ..
غاب  الأحبة ..
و غاب الحلم المعتّق بالهوى و النوى
غابت  -أنا  –  يا أنا من كل  الأزقة الوارفة-  بذاكرتى-
و أحلامى  الواقفة.
غابت  طفولة الحكى الذى  روّضته
و غابت  الأمسيات  المقرفة.
فهنا عزفت على الغياب بتكرار الفعل “غاب”وكان كما اعتقد ربطا مقصودا بين عنونة الديوان والاهداء والعناوين الفرعية ، حيث يرى خليل مطران : ( ان الوحدة النصية للقصيدة تتحقق من تناسقها التركيبي ، وتآلف وحداتها ، وخلق الوحدة ناتج من امتزاج الذات بالموضوع ، واندماج مشاعره ، وعواطفه مع تضاريس الكون والجمادات والاحياء ، وهو ما يسميه بعض النقاد الاستغراق الفني ، او الحلول الشعري ، ويعد حازم القرطاجني التعدد في القصيدة ترويحا عن النفس ، وتجديدا لنشاطها .)، وتأكيدا لقصدية الشاعرة نفسها .. ومن مقالها الشعري التالي :(كلّ المواويل  التي  صدّقتها من قبلُ
أدرك اليومَ
ارتباك َ البوح
بعجب  لاحتضار الحبّ
بصدر القلب
و صدرُ القلب  ..  هالكْ.
القلوب خرائط لا تنام
على طقوس الحب دوماً
أو على صدق يؤرخ كل الملامح  و الملاحم.
كل القلوب خرائط
مسرح على كروب  البلّهاء
نامت  هواجسهم  فماتت
غابت خرائطهم  فبادت.
و قلبى لهم
مسرجة و محرار
كلام أدعية و أخبار
عيون ناعسات تعشق  ملامحهم
و أوتار .
و …
“أم ليلى” لا تنام على انفلاتى
و انفلات البوح هدير أمنية.)
نحس بهذا الانفعال والارتباك في بحث الشاعرة ، وهي تعيش حالة التردد ، فكل القلوب خرائط او هي مسرح على كروب البلهاء الذين لايدركون هواجسهم ، فهي ميتة لاشك، بينما الشاعرة تعزف على اوتار الانفلات من القبح المتمثل بالبله ..فالقلوب عندها لاترضخ تماما للعاطفة فقط ..لانها تأرجحت لغةُ الخطاب واخذ الوتر الجميل يحيك من خلال الستار مسارحا ، تؤدي الى سراب ولولا الشعر الذي يحرس ألسنة المدينة، لغابت الحقيقة الجمالية في رؤية الشاعرة ، ففي خطابها التالي :
(يا وطن المواسم  الحرّى  بكل الأصدقاء
مرحى
لا زالت الكتب تضاهى شاهقا
ذاك الضياء
من مبادئ الأعلام و ذخر الأنبياء.)
تؤكد على الخلفية الثقافية والحضارية، كذخيرة تمد بوحها الشعري بمسائل الحضور الجمالي للامل المرتجى .. (وعجيب ذلك الانسان ، انه مخلوق لاتقف رغباته عند حد وهو لاينفك يسعى الى التسامي ويهفو الى الافضل والاحسن .. فهو لايقنع بادراك الاشياء ومعرفة الموجودات والاحداث المحيطة به ، بل يستشعر في الادراك ذاته لذة ويتذوق المعرفة خالصة عن كل ما يتعلق بها من اهداف عملية ، وهو لايكتفي بتذوق احساساته وانطباعاته عن الاشياء ، بل يضفي عليها من خياله ما يكسبها كمالا وجمالا تستجيب له نفسه بالرضا والسرور، وعندما تمتلأ نفسه بشعور البهجة يصف كل ما يرضى احساسه وخياله بالجمال)ص26فلسفة الجمال، وبهذا الانفعال والتسامي تتبلور رؤية الشاعرة وتجعل من الغياب حضور ..
(و أنتَ تكتب خطوكَ  نحو القوافى البكر ثمّةَ بحر يغرورق بالأسى اذْ تاهت مراسيه الشراعات ظلت بوصلة القلب و باحت كل الطيور لها بالغناء الشجى ليس بعدكَ يومُ .
ليس بعدكَ نومُ .
ليس بعدكَ لومُ .
ليس بعدكَ حلمُ.
كل الحبائل التى أرخيتَها …ها أشدّها و أختبِر فتوركَ و امتعاضكَ و ….اجتهادكَ .
هل ستأتى ؟)
ومثلما بدأت بتساؤل ، تختم هنا بتساؤل “هل ستأتي”لانها بثقة شدت كل الحبال التي كانت مراخية .. والحقيقة الناصعة اني حاولت بتأويلات من خلال مسار مفهوم ثيمتا الغياب والحضور الى التوصل لحالة الاستقرار عند رؤية الشاعرة المؤكدة لحالة الحضور الجمالي ، فـ(كل التواريخ التى  أججتها…زمناً/ ها انطفأت عند بكارة المعنى، لان الليل يوسد أسئلتى/ و الملاحم بهذا الصدر ….لا تنتهى/ و انتَ  ../ صدر القصيد  و بوحه/ و كل الوشوشات العابرة الى الفرح)، وهنا تبقي قلقها قائما بصراع مع الوفاء وعدمه والصدق وعدمه ، لتؤكد الثنائيات المتناقضة في الحياة والتي قد تؤدي الى الحراك الانساني ، لاجل تثبيت حالات الحضور الجمالي..
المصدر/ العراق اليوم

10450153_267653550090075_4820526418634683044_n

Related Posts via Categories