قراءة تشكيلية في معرض الفنان  فريد العرفاوي
 ”في هيكل الحب” برواق علي القرماسي
بقلم الباحثة ألفة خليفي من تونس
 

يعتبر موضوع المرأة مرتبط بالحياة والحب و الفن، فمنذ القدم باتت و لا تزال المعبر الدائم عن كل المعاني الإنسانية حتى إن تاريخ الفن التشكيلي حافل في أغلبه بالمواضيع التي تتناول المرأة لذلك تتنوعت التيارات الفنية و الأساليب التقنية لتندمج في رحاب روح المرأة و  تتزاوج فيه عبر  فضاء فني يتجلى في نسق من الحرية و الإبداع اللوني و التشكيلي الذي جسده الفنان التونسي فريد العرفاوي عبر تجسيد معرض فني يحمل عنوان ” في هيكل الحب ” الذي إنطلق الخميس الفارط بتاريخ 21 جانفي و يتواصل حتى 6 فيفري المقبل حيث يغوص الفنان في عالم الحب و يستهلم من المرأة بإعتبارها التي تمثل عالما يغوص في طياته وذلك عبر إقتحامه لعالم من الألوان التي تحمل حيزا من التعاطي الجمالي تجاه الأنثى في شيء من العمق و العذوبة التي شكلها  الفنان التشكيلي التونسي فريد العرفاوي و هو باحث و أكاديمي من تونس ومدرس بالمعهد العالي للفنون الجميلة  .

image001
و يأتي هذا المعرض بعد مجموعة من المعارض السابقة لعل أهمها معرض برواق يحي هذا من بين المعارض الفردية ، كذلك كانت له مجموعة من المعارض الجماعية كما أنه أنجز معارض عدة بدول أروربية لعل أهمها فرنسا و إسبانيا.
فعبر العنوان نشهد ذلك التحول في المفهوم الأسلوبي للأثر الفني ليبرز في ثوب جديد بحضور الأجساد  الأنثوية التي تخترق عالم الفن فقد انطلقت التشكيلات من الفضاء الخارجي للعمل لتأخذ الترحال في عمق اللوحة، و ليبرز ذلك التواصل البصري في نطاق القيم الجمالية للون عبر الأبعاد الدلالية لماهية الحب التي حضر فيها هذا العمل على مستوى اللون لكن الفكرة المفهومية  للهيكل الحب حضرت في سجال فني بين خصوصية الشكل واللون والملمس و طريقة العرض على حد السواء.
فعبر هيكل الحب ينسج الفنان التونسي فريد العرفاوي ملامح إبداعه للصورة المرأة التي تمثل ” الأم و الأخت و الزوجة و الحبيبة فهي بمثابة الوطن وتشبه الأرض بإعتبارها تعطي كل ما لديها لإسعاد غيرها ، فالمرأة حمالة لمعان و دلالات تكشف عن روحها الخفية التي يحاول عبرها الفنان الغوص في العمل الفني ليكون بذلك الفن وسيلة لإستكناه دلالاتها و رؤاها عبر عالم من الألوان و الأشكال عبر توظيف تقنيات متنوعة منها خاصة  الاكريليك و الالوان الزيتية و مزجها بتقنية التلصيق أو ما يعبر عنها  بالكولاج لتكشف هذه التقنيات المتنوعة الأبعاد التشكيلية و التعبيرية الجمالية التي تحضر فيها المرأة بتعبيرات متنوعة حاول من خلالها الفنان تجسيد المرأة بأشكال مختلفة ، فتشكيل جسد المرأة بإعتباره يمثل  قوام الذات الأنثوية فهو يحل محل بطاقة الهوية الشخصية أما من الناحية الفلسفية وإنطلاقا من عدة نظريات، فالجسد  الأنثوي هو ما يجعل الذات ذاتا وموضوعا في الوقت نفسه، كما أنه يجعل أداة الأنا في فرض أناها وتصوراتها في العمل التشكيلي، و بذلك تكون المرأة وسيلة تغيير شروط واقعها وأنساقه المختلفة لتستطيع مواجهة واقعها بمختلف تفاصيله، من هنا ترتبط تعبيرية الجسد الأنثوي بسلوك هذا الجسد نفسه وحركاته، ووظائفه، وبين الجنسية واللغة فهو إذن موطن المعنى ومكان ولادته، كما أنه أداة الدلالة التي تخرج الذات من ذاتها وتضعها في عالم بين ذاتي تصبح فيه صورة المرأة كموضوع فني يحمل رمزا لغويا، فنيا وثقافيا وإجتماعيا لوجودهما الخاص.
 لذلك فقد حظي الجسد الأنثوي بأهمية عالية في الشعر و الفلسفة وكذلك في تاريخ الفن، الذي شهد فيه الجسد أنماطا عديدة في تشكيله وفي إعطائه أبعادا رمزية شفافة سعى من ورائها نخبة من فناني الفن المعاصر، حيث شكلت الحركة الفنية المعاصرة  دافعا لتحريره من كل القيود والمكبلات التي حدّت من طاقته , فنرى اليوم الجسد الأنثوي حاضرا في جل الفنون وفي أعمال تشكيلية في عروض مباشرة أداتية وغير أداتية و كل ذلك لإخراج الطاقات التي يملكها هذا الجسد. علاوة على ذلك فإننا نراه في الموروثات والآثار حاضرا بشكل ساطع من خلال رسم أحد أعضاء هذا الجسد في شكل علامات و رموز و لعل هذا ما يتأكد في هذه العمل المصاحب

image004

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
image003  image008

 

 

صور مأخوذة من معرض ” هيكل الحب ” للفنان التونسي فريد العرفاوي
    
حيث تمثل مجموع هذه الأعمال تشكيل لمختلف العناصر الفنية و التشكيلية من لون و رسم  و شكل  وضوء و لتكون بذلك وسيلة تقنية وأسلوبية، حيث تعبر عن رؤى الفنان و ليكون بذلك الفن تجوال مميز في عوالم متعددة لحالات المرأة  وفق مسحة من التعبيرية المفعمة بالبهجة تتجلى عبر موهبة الفنان عبر  توظيف اللون و الشكل  بما يختلج في داخله عبر المرأة التي تتنوع حالاتها بتنوع الأمكنة و المناخات التي توجد فيها من البحر إلى السهول و غير ذلك فضلا عن الوجوه الطافحة بالصراخ و القلق و الحيرة  خاصة و أن المرأة “تملك من الجاذبية ما يجعل أثرها يفوق أحيانا الكلام إنها قد تكون علامة ودليلا….يحملان مظهر دلالتهما ومظهرهما.”  حيث يعتبر الواقع الفني الذي جسده فريد العرفاوي عبر صورة المرأة ذو علامات تشكيلية تعبيرية تفتح على أقطاب مختلفة ومتنوعة، تجمع تأليفات ثقافية معبرة عن إبداع تشكيلي يتجلى ضمن هذا المعرض الذي كان بمثابة مسرح اجتمعت فيه أساليب الفن الحديثة والمعاصرة حيث أصبح يتجلى من خلال الألوان و الأشكال التي تجلت عبر  الأساليب التي أصبحت تترجم وتقدم أفكار الفنان التونسي بإعتباره يدرك العديد من الجوانب المهمة حول الممارسة الفنية التي تطورت فيها رؤى الفن التشكيلي وتجلت تحولاته الاستطيقية المعاصرة التي أصبح عبرها مدركا لمميزات كل ممارسة وفي ذات الوقت ملمّ بالعديد من الجوانب، لتكشف صورة المرأة  نفس كرمز وظفه الفنان ليستمد منه القوة بإعتبارها تمثل  “فاتحة الجسد و على مساحاتها يمكن قراءة  حكاياته و فك كل أسراره .”  و هذا المفهوم هو الذي أحاط بتشكيلات العرفاوي عبر دلالة رمزية مميزة تتجلى في تشكيل منظومة ثقافية كاملة في تمثلها واستخدامها .
و بالتالي فإن هذا المعرض كان بمثابة نافذة سمحت لجميع بالتعرف على هيكل الحب عبر صورة المرأة ليكون بذلك الفن بكل توجهاته أداة تتلاقى وتتفاعل من خلال توفير الإمكانات الفنية والمادية ليدرك الفن في تونس انفتاحه على العالمية و ليتحول الفنان في محاورة مع الذات التشكيلية التي تنيره وتيسر له السبيل على ترسيخ مكامنه الباطنية في صور فنية يعبّر من خلالها عن الواقع والحقيقة فتجاوز بذلك الفضاء التشكيلي وهو فضاء خاص بالأثر الفني “للوحة فضاء خاص و متميز هذا الفضاء مقيد بأبعاد من أعلى اللوحة إلى أسفلها و منحصر في عرض اللوحة و عمقها الوهمي الذي يمثل الفضاء المتجدد ”  و من هنا يمكننا أن نتبين أن أعمال العرفاوي في حقيقة تحمل قراءات عديدة مختلفة لآن تعامله مع موضوع المرأة و توظيفه له في نطاق الفضاء التشكيلي يعد من أبرز المواقف التشكيلية التي تحيرنا على نطاق الجدل القائم بين الفضاءات و علاقاتها بهيكل الحب الذي يساهم في الإرتقاء بالأعمال التشكيلية من مستوى التشكيل السطحي إلى الدخول في منظومة فنية تخضع لصياغة الأثر الفني من الناحية الجمالية و الفنية  خاصة و أن الفضاء التشكيلي أصبح مقوما من مقومات الأثر الفني فهو جزء من العمل يضفي عليه صبغة تكون قريبة إلى المتلقي.

المراجع :
– فريد الزاهي ,الجسد والصورة والمقدس في الإسلام إفريقيا,إفريقيا  الشرق ,الدار البيضاء الطبعة الاولي، 1999.
–  نور الدين الزاهي ,المقدس الإسلامي, الدار البيضاء ,دار توبقال للنشر, 2005.  
-Florence de merdieu, histoire matérielle et immatérielle de l’art moderne, paris , musée d’art moderne CGP ADAGP , paris 2004.

 

 

 

Related Posts via Categories