نحن والفرس والشوفينية القومية / فضيلة الجفال
المصدر / الاقتصادية

تاريخيا، كانت القومية في المنطقة تعتمد على الدين كعامل تواصل مهم. ومنذ خمسينيات القرن العشرين أصبحت القومية جزءا من التاريخ السياسي ببروز القومية العربية. ارتبطت القومية سياسيا بحركة التحرير والوحدة في البلدان الغربية المقسمة والخاضعة للاحتلال. الشوفينية هي ادعاء تميز وتفوق وأصالة قبل أمة ما. إنها لمفارقة أن فكرة القومية العربية ذاتها ليست عربية في الأساس وإنما تمت استعارتها من الخطاب الغربي، ولا سيما آليات الفكرين النازي والفاشي لتكون أساس الدولة القطرية.

في المنطقة صراع قوميات، قوميات ذات أغلبية في المنطقة، وقوميات أقلية، وأقلية أخرى داخل الدول. تمتاز شوفينية الأغلبية بالاستعلاء قد يصل إلى الاضطهاد للأقليات القومية الأخرى، أما شوفينية الأقلية القومية فهي الحفاظ على الوجود كما يفعل الأكراد. في عالمنا العربي هناك مواطنون من بربر وكرد وتركمان وأمازيغ وغيرهم يحملون جنسية دولهم العربية وإن كانوا ليسوا عربا. وظهر الصراع السياسي من مبعث قومي في المنطقة، بين الكثافة العربية وقوميات أخرى كالقومية الإيرانية مثلا. إيران كدولة فارسية هي دولة متعددة الأعراق، لا يزيد الفرس على 50 في المائة، بينما نصف الشعب الآخر هم بين بلوش وعرب وكرد وأذريين وغيرهم. وقد صعدت النزعة القومية الشوفينية الإيرانية في فترة حكم أسرة بهلوي في إيران، على اعتبار أن الفارسية عرق آري، مقابل العربي السامي “المتخلف” الذي أسهم ــ في نظر الفرس ــ في تدهور الحضارة الفارسية من خلال انتقال الدين والثقافات. وبرز ذلك الصراع في أعمال الأدباء الإيرانيين في تلك المرحلة. تلا ذلك مرحلة الثورة الخمينية التي جاءت هي الأخرى ببعد قومي ديني جديد دمج بين الشوفينية العرقية لاحقا وبين الدين. يشكل العرب جزءا من الدولة الفارسية في منطقة الأحواز، الذين يشتكون من التمييز والاضطهاد في الحياة العامة.

ارتبطت القومية عالميا بالنزعة الرومانتيكية بتمجيد الحرية والتعبير عن روح الشعوب، ومن بين ذلك العربية سواء في العصر الحديث أو القديم. ومع تطور المجتمعات الغربية ونضج مرحلة ما بعد الاستعمار ارتبطت القومية في الغرب بالمنافسات الشرسة بين الدول على القوة والسيطرة الاقتصادية. وتطورت القومية منذ أوائل القرن العشرين لتصبح الدافع الأول لحركات التحرير الوطني في الدول المستعمرة، ونفخ الروح في الثقافات الوطنية للشعوب تاريخا وتراثا ولغة، مع نهاية الحرب العالمية الأولى. القومية أيضا كانت نوعا من حالة النفور من الكوزموبوليتانية العالمية أمام الأعراق، التي تصف نفسها بأنها آرية. وقد تتمادى الفكرة حتى الانغلاق على الذات حتى تتحول الفكرة القومية إلى انتماء بيولوجي كما في الجرمانية مثلا. وفي مقارنة سريعة بين القومية العربية وبين الغربية التي عزفت على وتر الأمة، نجد أن الأخيرة أسست لما يدعم هذا الشعور القومي، بأن أنتجت أنظمة صناعية متقدمة اقتصاديا كما في ألمانيا. وهذا ما لم تفعله القومية العربية.

في زخم الأزمات السياسية في المنطقة، تبرز حالة الشوفينية القومية العدائية بين الشعوب بدافع القوميات وليس السياسات فحسب، الأمر الذي يرفع من النزعة الدونية تجاه الآخر. هذه الصراعات تدفع الشعوب والإثنيات نحو الكراهية والصراع بدل التعايش الحضاري والسلمي. حالة الحرب مؤقتة تنتهي غالبا بتسويات سياسية. إلا أن شحذ النفوس على أسس قومية وعرقية وطائفية يوجد رؤى عميقة تأخذ أبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتخلف آثارها الهدامة.
2092

Related Posts via Categories