تشكيلية المبتذل عبر رؤية فنية من

خلال قراءة أعمال الفنان التونسي “نعمان قمش “

بقلم الباحثة نسرين غربي

تمثل الفنون التشكيلية مظهر من مظاهر الحداثة التي أسهمت في خلق نهضة فكرية متسارعة بفعل سمتها التغيرية ، بمعنى أنّ فعل التحوّل الذي حصل في الشكل المبتذل في الفن التشكيلي، وعبر رسومات الفنون يمثل انعكاساً لواقع الحياة حيث تتم معالجة عناصر البناء الشكلي و المضموني الذي خضع لعملية إزاحة وتحريفه عن الاستعمال التقليدي السابق ليصبح المستهلك قابلا لأن يتشكل بطريقة فنية و يبرز عبر رؤية مفاهيمية تشكيلية عبر مجموع العناصر التي خضعت لهذا التحول ليصبح عنصر اللون و الشكل معبّراً عن سياقاته الاصطلاحية والدلالية من خلال استثمار ما يحمله من أبعادا جمالية ، و لعل هذا ما تأكد خاصة مع ظهور مجموعة من المبدعين التونسيين خلال سنة 2014 تهتم بالمبتذل حيث كان هذا المعرض يسمى ” بإستيقا المبتذل ” و ذلك عبر اعتماد مجموعة من الأعمال التي تعبر عن المبتذل بطريقة فنية تتجلى من خلال توظيف التنصيبة التي مثلت أساس قيام هذا المعرض، فقد ظهر العمل الفني كنص مكتمل عبر مساهمة أو مشاركة حسّية أو فكرية من المتلقي ، وهذا ما عوّل عليه الفن المبتذل الذي يقوم على تناقضات مفاهيمية حادة كنوع من البنائية الجديدة ، يشكل بذلك طاقة تحولية .

لقد برز الفن المبتذل في الساحة الفنية المعاصرة ليتشكل عبر رؤية تساهم في إغناء و تطور الاتجاهات الفنية الأخرى بالتحولات في الشكل المتجسد عبر التجربة التشكيلية للفنان التونسي “نعمان قمش” لتكشف أعماله عن تأثره بالمستهلك و توظيفه بطريقة رمزية تكشف عن معطياتها البصرية والفكرية من خلال اقتباس وتضمين وتداخل الشكل واللون والصياغة للموضوع والفكرة.

 image002

 

 

 

 

 

 

 

 

جزء من تنصيبة الطيور الزرقاء

مأخوذة من معرض إستيتقا المبتذل 2014

 

يمتلك اللون الأزرق طاقة تصميمية جمالية تعبيرية و رمزية ، ليدخل بنسق مشارك مع العناصر الأخرى كالخط لخلق حالة من التحولات الشكلية الهندسية لتحقيق أبعادا جمالية لذلك وظفه الفنان التونسي “نعمان قمش” الذي نشاهد عمله المصاحب الذي يحمل عنوان ” الطيور الزرقاء” حيث أننا نشاهد في هذا العمل توظيف الألوان و الأشكال بطريقة فنية تتماشى مع متطلبات الموضوع الذي يعبر عن توظيف الأشياء المبتذلة عبر تركيب بين المواد و العناصر المكملة للبنية التكوينية الشكلية المشيدة للخطاب الجمالي البصري مما احدث كما من التحولات ذات رؤية جمالية تبرز عبر هيكل فني يتجلى عبر  » سمات أقوى وأفضل, وبذوق أقوى وأفضل, مما تستطيع عينه الفانية أن ترى « [1]  

لذلك تقوم التحولات التشكيلية التي تتجلى في الفن على فكرة الصراع بين مجموعة المفاهيم النظرية الموجودة ككيانات أو سياقات معرفية أو أخلاقية أو جمالية مختلفة ، ويعبّر عن هذا الصراع من خلال الطابع التأملي المتجلّي حسّياً عبر حدس وجداني وذلك من خلال تعايش وذوبان الذات مع ذوات الأشياء ، ومن ثمّ اختزال الواقع الاستهلاكي عبر تمثل ذلك بالشكل الفني ينزاح عن  النمط الاختزالي حيث تكاد تنسلخ عن تقاليد هذا التيار الما بعد حداثي ، لاشتغالها على منطقة جديدة في توظيف المبتذل عبر الإشارة إلى حقائق نفسية وجدانية تتفق على الجزئيات وتحاول دحض الوجود الواقعي، الموضوعي  ، وتثبيت واقع النص الفني للعمل التشكيلي حيث تتجلى إستيتقيته كحقيقة أكثر مصداقية في تقرير حقيقة العمل الفني الشمولية و التي تتجلى عبر هذا العمل المصاحب.

 

image001

 

 

 

 

 

 

جزء من تنصيبة الطيور الزرقاء

مأخوذة من معرض إستيتقا المبتذل 2014

يمثل هذا العمل رؤية تشكيلية مرتبطة بتحولات الأشياء في الكون والزمان والحياة ،حيث تم توظيف الدمج و التركيب بين الأساليب الفنية التي تمثل رؤية تشكيلية يتمثل عبرها إحساس معرفي و فني أسهمت فيه الأعمال بشكلٍ فاعل وذلك من خلال تحديد صياغات فنية متباينة تكشف عن المُنجز الفني الذي يشكله الفنان نعمان قمش ، إذ أن الفضاء الفني أصبح يعبر عن الحرية التي أتاحها هذا العمل حيث أنه يكشف عن  حـالة من الـتحوّل و التنوع تتجلى في البناء التشكيلي فقد ساعد كل ذلك على إيجاد قدر كبير من المرونة في الاشتغال على مستويات مختلفة من حيث الشكل والمضمون  وذلك من خلال استثماره للأشكال المعبرة عن رؤية جماليه عبر الأشكال الخزفية التي تساهم في خلق توازن بصري التي” تمتلك من الجاذبية ما يجعل أثرها يفوق أحيانا الكلام, إنها قد تكون علامة ودليلا (…) يحملان مظهر من دلالتهما في مظهرهما [2]”  

image003

     

 

 

 

 

 

 

 

جزء من تنصيبة الطيور الزرقاء

مأخوذة من معرض إستيتقا المبتذل 2014

 

تمثل نتاجات الفن التشكيلي تعبيرا عن أفعال تمتلك روح الإبداع و التجدد الذي يساهم في  توليد الفعل الفني الذي يمتلك سمة الشعرية بشكل مؤثر ، حيث  يتداخل ثنائي الأبعاد مع ثلاثي الأبعاد، فتتولد بذلك صور إبداعية تتماشى مع المضمون عبر فعل الإبداع ،الذي يشكل بذلك شكلا من التحولات التشكيلية التي أتت على الفضاء لاستكمال الاتجاه جدلي داخل اللوحة » وهكذا تجلو لنا الدلالة المضاعفة للتعبير)…( على إمكانية مثمرة للتطور نحو دخيلة الذات من الخارج الذي يوحي بها  «[3]

          لقد أدى التحول المفاهيمي داخل العمل التشكيلي إلى تفكيك ماهيّة الفن و خلق   مفاهيم تتماشى مع متطلبات الفنون التي تبني على  اللاموضوعية كوسيلة لا كغاية في مسعى عدمي للوصول إلى مفهوم إستطيقي و جمالي يخلق عبر الفن المبتذل ويظهر ذلك من خلال الأبعاد الجمالية للشكل الخزفي الموظف في العمل لتجلى عبر  مفهوم الصورة الفنية.

          لقد عرف الفن تحولات ساهمت في الكشف عن بنية من العلاقات الشكلية و الهندسية أو التجريدية التي تشتغل على  الأنساق البصرية في الحقل التصويري البصري لتحقق أبعادا جمالية.

 

 

المراجع

* فريد الزاهي ، الجسد والصورة والمقدس في الإسلام،  إفريقيا الشرق، الدار البيضاء.

 

* سيدي محمد ولد يب ، الجماليات الرومانسية راهنياتها و حدودها ، دار الأفاق العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى 2006.

* خالد البحري ، الفكر العربي المعاصر ، مركز الإنماء ، بيروت شتاء 2009 .

    [1] – خالد البحري ، الفكر العربي المعاصر ، مركز الإنماء ، بيروت شتاء 2009 ، ص 33

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • [2] فريد الزاهي:الجسد والصورة والمقدس في الإسلام, إفريقيا الشرق, الدار البيضاء, ص116

 

[3]- سيدي محمد ولد يب ، الجماليات الرومانسية راهنياتها و حدودها ، دار الأفاق العربية ، القاهرة ، الطبعة الأولى 2006 ، ص 25

Save

Related Posts via Categories