إشكال إنسانية المسجون كما صورتها عدسة هالة عمار
بقدر ما يحظى العالم المكشوف والعلني بالتفكير فيه والبحث عن تجلياته، لم يحظى العالم المستتر والمكبّل ألا وهو “عالم السجون” بالقليل من التفكير فيه ولو بصفة جزئية. وبتزامن أزمات الربيع العربي نتيجة تفاقم ظاهرة الضغط والسيطرة والتشنج… اندفع الإنسان بصفة عامة وخاصة المبدع التشكيلي في التعبير عن المسكوت عنه بممارسات فنية لتلبية أحد أهم الاحتياجات التي حرمت منها عديد الفئات الاجتماعية وخاصة الفئة المَنْسيّة والتي ما تزال حقوقها مدفونة بين طيات الظلم والاستبداد… لاسيما أن الفنان ذات مبدعة تعيش منخرطة ضمن هذا الحيز الوجودي وتنفرد عن الآخرين من خلال خصوصية رؤيتها للعالم، إذ تري فيه أبعادا قد لا ينتبه إليها العموم، خصوصية تولّد عنده إمكانيات التعبير إذا ما سكنه موضوع ما واقعي ملموس، فهواجس الفنان غريبة في نظر الآخرين ورؤاه غير اعتيادية يقدم للعالم الغارق استدلالات تزعزع معارفه وتستنطق عقله وتدفعه للتأمل والتفكير…، وعلى هذا الأساس ارتأت الفنانة هالة عمار أن تأخذ منعرج فكري تشكيلي يعالج منهج إنساني واقعي مفاده البحث في هوية السجين.
حلقت أفكار هالة عمار في سماء الإبداعات التشكيلية المعاصرة واختارت الفن الفوتوغرافي كخير ممارسة لاستنطاق بواطن عالم السجون اختيارا ليست من قبيل الاعتباطية بل كانت تراهن على جملة من المضامين والمعاني التي لا تكاد تَتَواجد إلا في إطار هذا الجنس الفني، وعلى هذا الأساس انطلقت الفنانة من الواقع المعيشي للفئة السجينة في تونس “رجالا ونساء” بعد زيارتها لأغلب السجون التونسية ، سعيا منها إلى نزع السّتار المُخْفي للواقع المرير والمزري الذي تعيشه الفئة السجينة.

image001
اثر زيارتها إلى مؤسسات السجون والإصلاح اصطحبت معها آلة
تصوير حتى لا يغيب جانب المصداقية في نقل الصورة
الحقيقية لهوية السجين وخصوصية الفضاء الذي يكتنفه طالما
أن “الواقع لا يشار إليه وإنما يبرهن عليه” .
فما هو إشكال إنسانية السجين؟ ما هي الخلفيات الفكرية
والأخلاقية والصحية الكامنة وراء الظّروف الحياتية القاسية داخل
السجن؟ وكيف ترجمتها الفنانة هالة عمار تشكيليا؟
إن تطلّع هالة عمار على المعاملات القاسية كالتعذيب والضرب والإهانة داخل السجون هو المحرك الأساسي الذي زرع فيها الرغبة لإبداع سلسلة أعمال فنية تحاكي واقع عالم السجون وتنزع النقاب الذي يخفي جملة من التجاوزات والانتهاكات الحاصلة به. والتي من خلالها اخترقت الظاهر وكشفت عن حقائق اضمحلال الهوية الإنسانية في ظل الظروف المزرية التي تعيشها الفئة السجينة وراء القضبان قائلة بذلك “لم أكن استطيع السكوت على ما رأيته” . وعلى هذا الأساس أنجزت الفنانة في إطار التّظاهرة الفنية “دريم سيتي” المُقـامَة سنة 2012، عملاً تشكيليا “سمعيًا بصريًا” تحت عنوان “كونفة يتكون من سلسلة فوتوغرافية عملاقة تحتوي على ثلاثين صورة رقمية كبيرة مركبة تصف عالم السجون وملامح السجناء داخلها.
تم عرض هذه اللوحات الفنية في الطابق السفلى لمأوى سيارات باب القصبة بتونس العاصمة وكانت “مصاحبة بأصوات متداخلة رهيبة ومؤلمة وحزينة، تستحضر الواقع القاسي في السجون” . هذا ما كانت الفنانة قد صرّحت به في بعض المقابلات لوسائل الإعلام وأيضًا في الكثير من الندوات.
راهنت هالة عمار من خلال تلك الأعمال الفنية على كشف واقع العالم السري للسّجون وما يتميّز به من سلب للكرامة الإنسانية وطمس للخصوصية الفردية في ظل ظروف حياتيّة مُزرية وتَعيسة. فالجدران مُهشّمة والأثاث رث وبال والغرف مُقرفة وضيقة “ففي فصل الصيف يعاني السجين من ارتفاع درجة الحرارة وفي فصل الشتاء من شدّة البرد والرطوبة، هذا ونجد المساجين متراكمين الواحد فوق الأخر من مختلف الفئات العمرية، إذ نجد قاصرين في إيقاف تحفظي وآخرين شبّان وأيضا كبار في السن، منهم من حكم عليه بالاعتقال لمدّة طويلة ومنهم بمدة قصيرة، جميعهم ينامون ويستيقظون ويأكلون ويدخنون… في نفس المكان” وهو ما ساهم في غياب أدني شروط صفة الإنسانية، وبالتالي لم يكن اضمحلال مقومات الهوية من طرف مجتمعات أجانب فحسب وإنما قد أصبح تلاشي الخصوصيات نابع من المناخ المحلى ذاته. يقول عفيف بهنسي في هذا الصدد “إنّ أسباب انحلال الذاتية الثقافية لم يكن يبتدئ من عدوان خارجي وحسب وإنما تأكد من دعوة داخلية” .

image002 image003 image004 image004 image005
إن الغرض من اعتماد تقنية التّشاف والتّراكب في فبركة الصورة الفوتوغرافية هو تغييب ملامح المساجين، لان الهدف من وراء هذا العمل السمعي البصري الكشف عن فضاعة فضاء السجن وظروفه الرديئة بالأساس وليست الكشف عن ملامح السجين ذاته. لذلك حاولت الفنانة أن تحفظ ما تبقى له من كرامة وأن لا تزيد من تهميش كيان هويته الإنسانية، لأن الكشف عن ملامح المساجين هي عملية استفزازية لهوياتهم وتعديًا على حقوقهم. تقول هالة عمار في هذا الصدد “إن هذا العمل الفني ليس روبرتاجً” ولم يقدم صورا للمساجين. والهدف من اعتماد تقنية الفوتومنتاج يكمن في عدم التعرف على هوية تلك الأشخاص لكي لا يتم استنزاف حريتهم بقدر ما استنزفت خصوصياتهم وكرامتهم بل كان هاجسي الوحيد هو التطلع على الهوية المحتشمة للسجون” .
جاءت بعض الأعمال عبارة عن رسائل ضمنية عمدت من خلالها الفنانة إلى توظيف صورة لفتاة كانت تمثلها. صورة تحيل على شاهِدٍ واكب الواقع عن كثب، فظلّ عالقا في ذاكرته وملتصقا بحدقته، لذلك تتراكب صور الفتاة مع المكان وسكان ذلك المكان لتجسّد هذا الانعكاس الذَّاكِرِاتِي.
تتتالى المشاهد وتتقاطع على فضاء الصورة الفوتوغرافية عن طريق آلية التَّشاف تمَامًا كما تتتالى وتتقاطع في ذاكرة الفنانة، كثرتها جعلتها تتداخل في ذهن هالة عمار فتستحضر جزئيات وتغيّب أخرى، فكان عملها بالتالي صدَا لهذه المشاهد ومحاولة لحصر توتراتها المتواصلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

عمدت الفنانة في سلسلة أعمال “كُونفَة” إلى أن تعكس ضمنيا ثنائية الغياب والحضور حتى تحيل إلى حضور جسد السجين في السجن وغيابه كروح وكخصوصية وككرامة وكهوية… أضحى السجين كائنا هلاميا في أعمالها يراوح بدوره بين الحضور والغياب من خلال الإيحاء بهيئته (silhouette) دون الإفصاح عن ملامحه الوَجهيّة، تماما كحياته في هذا السجن جسد بلا روح بلا ملامح بلا كرامة بلا خصوصية وبلا هوية…

image006 image007

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وقد ساهمت المزاوجة بين الأعمال الفوتوغرافية وبين الأصوات المتداخلة الحزينة وصدى الجدران في خلق بعد تفاعلي بينهما، أضفى بدوره في تعميق أثر هذا العمل في نفس الزائر وإعطاءه بعدًا واقعيًا. إذ أُرفق عرض هذه الصور العملاقة بأنين وتوجع… ضوضاء من الأصوات المتداخلة الصارخة حينا والهامسة حينا آخر. كانت هالة عمار قد سمعتها في زيارتها لهذه السجون فنحتت في ذاكرتها وارتبطت في مخيلتها بصور هؤلاء المساجين فلم يكن بإمكانها أن تستحضر المشهد في غياب ما حفّ به من أصوات. حتى لا تُغيّب جزء من الحقيقة وحتى لا تخفف من وطأة بشاعة العيش في مثل هذه الأماكن.
اقتصرت الفنانة في أعمالها الفوتوغرافية المركّبة على توظيف القيم الضوئية فقط (الأبيض والأسود)، لاسيما أن عالم السجن عالم حزين خالي من الألوان ومن الحياة والأمل، وأصبح في نظرها فضاء تسوده الظلومات، العتامة، ورمز للقهر والاستبداد…

image008 image009

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أرادت الفنانة الحقوقية أن تكشف خصوصيات محيط السجون، وهو السبب الذي جعلها تعرض سلسلة أعمال “كونفة” بالطّابق السفلي من مأوى سيارات ساحة القصبة بتونس العاصمة طالما أن هذا المكان يحمل جملة من الخصوصيات التي تتماشى مع مضامين هذه التنصيبة السمعية البصرية، لاسيما أنّ هذا المأوى كان يتميز بالظُلمة والتهميش وباحتوائه على الأوساخ والروائح الكريهة…، تقول الفنانة في هذا الصدد “يتميز هذا المكان (مأوى السيارات) بمكانة وَضيعة ودنيئَة وسُفلى هو بذلك المرآة العاكسة لخصوصية فضاء السجن” .
ومن جهة أخرى يعود اختيار هذا المأوى تحديدا لأنه يوجد في ساحة القصبة وهي من اكبر الفضاءات الحاضنة للوقفات الاحتجاجية إبان أحداث ثورة 2011 للمطالبة بأحد أهم الحقوق المنتهكة. تماما تعد تجربة هالة عمار وقفة تحسيسية باضمحلال الهوية الإنسانية في السجون. فما هي الانعكاسات الفكرية والأخلاقية والصحية الكامنة وراء هذه المعاملات السيئة والظروف القاسيةّ؟
“لم تتكلم هالة عمار باسم القانون بقدر ما تتكلم باسم الإنسانية” وعلى هذا الأساس تصرح بأن الظروف المعيشية في السجن فِعْلا أنّها ظروف لا تُطاق ولا يمكن تحمُّلها بالمرّة، طالما يتميز نظام السجون في تونس بالإساءة والتجاوزات والانتهاكات المفرطة على مستوى سلب الحقوق الإنسانية وهو ما اثّر سلبا على سلوك السجين مما دفعه حتما إلى الانحراف وارتكاب عديد الأخطاء عمدا.
اثر تجوّل هالة عمار بين صفوف المساجين واستماعِها إلى قضاياهم انبهرت بما يحدث داخل المناخ الحاضن للفئة السجينة من انعكاسات فكرية وأخلاقية المترتبة عن سوء المعاملة “العنف المفرط”. ومن بين الخلفيات التي شدّت انتباه الفنانة الحقوقية هي الحالة التي أصبح يعيشها شخص يدّعى مراد والذي أقر بأنه في سنة 2014 “كان قد رسم على رجله وشما يحمل كلمة « la vengeance » والتي تعني بدورها كلمة “انتقام” قائلا هذا ما تعلمته في السجن، تعلمت السرقة، الخداع وأستطيع حتى قتل أحد السجناء” .
image010 image011

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
من نتائج سوء المعاملة أيضا يتعرض السجين للضرب والاضطهاد لمّا يفتح باب الحوار مع أعوان السجون في ما يخص قضيته حتى وإن كان بريئًا وهو ما شاهده السّجين ماهر المناعي لَمّا يكلم عن حقّه في إعادة فتح قضيته رغم إثبات براءته هذا ما صرحت به أمّه في إحدى البرامج التلفزيونية قائلة “بأنه قد أصيب بأضرار على مستوى الرأس والساق مما اجبره على استعمال كرسي متحرّك” .
لمّا تطلعت الفنانة الحقوقية عن كل ما تتميز به مؤسسات السجون بتونس اكتشفت أنها تفتقر لكل المرافق الأساسية وخاصة المرفق الصحي إذ لم تتمكن من توفير الأدوية للمرضى بل كانت فقط تسعي إلى تقديم حبوب تخدر السجين كي لا يحس بالآلام المترتبة عن عديد الأمراض التي قد تصيبه” وفي هذا الإطار تعين هالة عمار نموذج عاش هذه الظروف ولم يتلقي للعلاج وهو “سجين بترت ساقه نتيجة تعفّن جرحها، وبعد ذلك بترت ساقه الأخرى أثناء أحداث جدّت في السجن سنة 2012 عندما تلقى ضربة بآلة حادة، وهو لم يستطيع شراء الأدوية علما وأنه لم يتمتع بأية تغطية صحية. ولا يملك دفتر علاج مجاني” . وغيرها من الحالات المأساوية المخلّفة للأضرار بجميع أصنافها…، وفي هذا الصدد يقول أحد السجناء يدعى علاء الدين واصفًا سلوك ومعاملات أعوان السجون التونسية “ما أدهشني هو درجة براعة الإنسان في ابتكار أساليب الدمار، ليس من التعذيب الجسدي ولكن من التعذيب النفسي، فالأوْساخ والإضاءة والرّوائح… كلُها جُعِلت للتّعذيب على مدى طويل” .
ومن جهة أخرى قد يتعرض السجين إلى إصابات بعدة أمراض كالانهيار العصبي أو التختّل الذهني… هذا ويتعرض أيضا إلى علاقات جنسية بالعنف سواء كانت بين الرجال أو بين النساء وهو ما أثار عديد التساؤلات، كيف يمكن العيش وفق هذه الظروف القاسية؟ إلي أي مدى سيظلّ السجن فضاء للاضطهاد وانتزاع صفة الإنسانية عوضًا أن يكون فضاء للإصلاح وإعادة التربية والتأهيل؟
بناءًا على ما تقدم وتبعًا لانتهاك الهوية الإنسانية للسجناء نتيجة قوانين ونواميس النظام الداخلي للسجون أرادت الفنانة الحقوقية أن تبلغ رسالة إلى العامة مفادها كشف معاناة الفئة السجينة في تونس.

رادس منصور متحصله على شهادة ماجستير بحث في الفنون التشكيلية من المعهد العالي للفنون والحرف بصفاقس.

 

 

 

 

 

unnamed_3

 

 

 

 

Related Posts via Categories