الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا

اشتهرت الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا بتصدّيها الشجاع لإرهاب جوزيف ستالين. فقد هاجمته وانتقدته بضراوة في قصائدها، ما دفع النظام، بعد أن وشى بها أحدهم، إلى سجنها سبعة عشر شهرًا، بعد أن اتّهمها بـ ‪”‬الترويج للانحلال البورجوازي والانشغال بالأمور التافهة كالحديث عن الله والحبّ‪”.‬
وقد عبّرت عن ذلك في إحدى قصائدها:
“لقد جلبتُ لنفسي هلاكًا محبّبًا ..
بلايا .. واحدة إثر أخرى!
فيا لمصيبتي .. !
إنّ هذه القبور
هي نبوءة كلماتي!”
وفي العام 1921 أعدمت السلطات زوجها الشاعر نيكولاي غوميليف بعد اتهامه بالضلوع في مؤامرة لقلب النظام. ولم تلبث السلطة أن اعتقلت ابنها الوحيد ونفته إلى سيبيريا‪. ‬
أصبحت أماختوفا نتيجة ذلك أسيرةً للحزن واليأس والألم، ورأت في الموت صديقًا بوسعه أن ينقذها من هذه الفوضى التي ألقى العالم بنفسه فيها فتخاطبه قائلة:
“سوف تأتي في كل الأحوال يا أيها الموت
فلِمَ ليس الآن؟
إنني انتظرك وقد نفد صبري.
من أجلكَ أطفأتُ الأضواء
وفتحتُ الباب
يا بسيطا كأعجوبة.
تعال من فضلك
تعال بأي قناعٍ ترغب:
إنفجر فيّ كمثل قنبلة غازية
أو تسلّل واسرقني على غرار رجل عصابة،
سمّمني بدخانك التيفوسيّ
أو كن الأسطورة التي حلمنا بها أطفالا
– والمألوفة حد الاشمئزاز من الجميع –
الأسطورة التي ألمح فيها طرف معطف أزرق باهت
ووجه خادمٍ شاحب من فرط الخوف.”
في عام ١٩٤٦هاجمها الحزب الشيوعي بعنف واتّهمها بتسخير شعرها للترويج للإباحية والتصوّف واللامبالاة السياسية، الأمر الذي أدّى إلى طردها في النهاية من اتحاد الكتّاب السوفييت، ومُنعت قصائدها من النّشر ل ٢٠ سنة لاحقة!
وقد ردّت عليهم وعلى إرهابهم الأدبي بكلمات أشبه باللكمات قائلةً :
“كم من الأحجار رُميت عليّ!
كثيرة حدّ أنّي ما عدتُ أخافها
كثيرة حدّ أنّ حفرتي أصبحت برجا متينا،
شاهقا بين أبراج شاهقة.
أشكر الرماة البنّائين
– عساهم يُجنَّـبون الهموم والأحزان –
فمن هنا سوف أرى شروق الشمس قبل سواي
ومن هنا سوف يزداد شعاع الشمس الأخير ألقاً.
ومن نوافذ غرفتي
غالبا ما سوف تتغلغل النسمات الشمالية
ومن يدي سوف يأكل الحمام حبوب القمح.
أما صفحتي غير المنتهية
فيد الإلهام السمراء
ذات الهدوء والرقّة الالهيين
هي التي سوف
من هنا
من علٍ
تنهيها.”
في ديوانها “قداس جنائزي”، وهو بالأصل قصيدة تراجيدية، جسدت أخماتوفا إحساس الشعب الروسي العميق بالخوف والعجز واليأس تحت حكم النظام الستاليني، ونقلت من خلاله أصوات النساء المعتقلات في سجن ليننغراد حيث أمضت محكوميتها. ففي أحد الأيام، وبينما كانت تقف في طابور طويل مع زميلاتها في السجن، اقتربت منها امرأة (ولم تكن تعرف أنها شاعرة) وسألتها: أتستطيعين أن تصفي كل هذا الذي يجري هنا؟ أجابتها أخماتوفا: نعم! فارتسمت “ما يشبه الابتسامة على هذا الذي كان وجهًا ذات يوم”
‎ كتبت أخماتوفا “قداس جنائزي”، ولكنها لم تنشر لا في حياة الشاعرة ولا بعد موتها، إلى أن تفككّ الاتحاد السوفييتي. وقد هُربت القصيدة إلى خارج روسيا (تمامًا كما هربت رواية دكتور جيفاكو لبوريس باسترناك) وترجمت إلى معظم اللغات الأوربية!
‎يعتبر النّقاد، اليوم، هذه القصيدة واحدة من أعظم الشهادات الشعرية على الإرهاب الستاليني، كتبتها شاعرة استطاعت أن تنتزع من جلادها اعترافًا بعطمتها، وقت كانت معتقلة، حين وجّه لها شتيمة قذرة قائلاً: إنّها قدّيسة وعاهرة في الوقت نفسه!
‎أمّا أخماتوفا، لم تكن تريد من قصيدتها، إلا أن أن تخلّد ذكرى صديقاتها المعتقلات اللاتي خاطبتهن في نهاية القصيدة قائلة:
‎”إنني أبصر، أصغي، وأحس بكنّ
‎أنتِ يا من قادوكِ نحو النافذة دفعًا
‎وأنتِ يا من لن تطأ قدماكِ الأرض ثانيةً
‎ثمّ أنت يا ذات الرّأس الجميل والمرتعش
‎يا من قلتِ “إنني هنا كما في بيتي”
‎أودّ أن أسمّي الجميع
‎غير أنّهم خطفوا قائمة اسمائهنّ .. فعذرًا
‎نسجتُ لهنّ وشاحًا عريضًا
‎من كلماتهنّ الشاحبة والبائسة
‎أتذكّرهنّ دائمًا وأبدًا
‎وحتّى في فجائعي المقبلة سوف أتذكّرهنّ
‎لن أنساهنّ حتى لو أغلقوا فمي المرير”

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منقول

Related Posts via Categories