يتمايل بخطوات مبعثرة على الرصيف،يده اليمنى ملتصقة بسيجارة وضعها بإحكام في شباك شفتيه البنيتين اليابستين ،يقف هنيهة ليسمع صوتا مكنون يناجيه ، ثم يمشي متثاقلا،كأنه يحمل نعشا على كتفيه ،وإلى أقصى الطريق السريع يرمي بعينيه الضيقتين مترقبا ، تحمر وجنتيه ويأخذ نفسا عميقا ملهبا أسفلها ،يضعها بإحكام على خنصر يده وهي تحترق ،يقذفها وسط الطريق أنفاس كمال تكاد تنقبض توترا،صدى الدقات يسكن فؤاده العليل ،فجأة تظهرحافلة ربما هي التي تحمل فيروز … يقفز شابا منها وهو يستبق وقوفها ،تهتز رؤوسا بداخلها ،كانت تبدو كبقع الحبر من بعيد لا يفرق بينها وبين وسادات المقاعد السوداء،لأن أشعة الشمس ساطعة على غير أيام فصل الخريف …تنزل من الحافلة شابة انتقت لباسا بنفسجيا ،خيطت فيه لمسات خضراء على الأطراف ،ربطة القماش الحريري وضعتها بإحكام على عنقها الأبيض الطويل ،إنها متمردة حقا تتحدى ألوان الفصل بزيها الربيعي ،راحت تعدو في مشيها رشاقة كجدي الغزال الطليق الحر،تمد ذراعا علقت به حقيبة جلدية سوداء ،لمع أسفلها بريقا كأنها تخبيء فيها كل ألماس العالم .
استجمع كمال قواه ، دانيا منها وهو يضع عيناه ،ثم يرفعها مستشعرا حرارة اللقاء ،وفيضة الأناقة المتدفقة التي طالما ردته عاشقا ولهان فيروز ، تقترب الشابة شيئا فشيء فإذا به يشد عضلات جبينه مستنكرا من الإرتباك ،يهرول مسرعا قاطعا الطريق ،إلى حديقة ألفا الجلوس فيها…
– رباه خلتها فيروز … !
• لا تأتي لقد كشف الأمر ، شيطان يصيح بداخله …
• لوكان كذلك لما بعثت برسالتها القصيرة في جوف الليل …
• الليل يعبئنا هواجسا وأكاذيب، تكسرها حقائق النهار …
• لا أنتظر كثيرا، سأتقدم لخطبتها، ثم يعود مستغربا مخاطبا نفسه :
• كيف أنظم تلك المراسيم وهي لا تأتي …
قوة غابرة تنتابه تفسد مزاجه البريء ،وهو مرتميا على كرسي خشبي ،صوت خرير مياه تصنعه نافورة اندست في وسط شجيرات خضراء داكنة اللون ،كان يسمع تقاسيم الناي تروح وتقترب لأنها تواسيه ،الوحدة تملأ الأرجاء ،غالبا ما يعتاد الفنانين على هذا المكان الرطب يعزفون مواويل الانتظار وغربة الاحتضار …
من جيب السروال الضيق يخرج كمال، ساعة فضية لفت بمنديل ،مستذكرا الأيام الخوالي ذكريات ،همسات تسكن وجدانيته العمياء ،إنها مصيدة الحب المفخخ تصنعها غياب اليمامة البيضاء …
• يد خافتة تهز كتفه،يرفع رأسه لامحا عيناها الكبرتان ملأتا بزيت الأشواق ، خدها الأبيض كان يرتعش إرتعاش الشمع وهو يحترق…
• أنا هنا…
• أطلت المجيء…
• زحمة المرور عطل مجيئي مبكرا …
• قررت عدم لقاءك هنا ثانية يا فيروز
• مستغربة : ولما ؟
• غدا أتقدم لخطبتك، وأستقدم مراسيم الزفاف لا أريد أن أعيش سراب الهيام …
• بقلم خليل كريم -الجزائر

Related Posts via Categories