نحن حتما نتجه نحو مستقبل زاخر بكل مقومات التكنولوجيا ، حيث فرضت التكنولوجيا نفسها بشدّة وأحدثت عدّة تغييرات في مجال الفن التشكيلي فلم يعد الفنان بحاجة إلى الوسائل التقليدية لينتج لنا لوحة تشكيلية، ولم يعد بحاجة إلى تلك الطقوس الروتينية. فهذا السحر الرقمي المنبثق من رحم التكنولوجيا يعطينا حاضرا زاخرا بكل المقومات الإبداعية المعاصرة ولايكتفي بهذا وإنما يؤسس لثقافة جديدة، إنه مستقبل الإبتكارات التكنولوجية المتسارعة في تطورها .

ومنذ ظهور التكنولوجيا الرقمية إتجه العديد من الفنانين سواء كان سينمائيون أو تشكيلون إلى هذا الفن الرقمي، والسبب وراء هذا هو تحقيق مالايمكن تحقيقه واقعيا ، فهذا التقدم التكنولوجي اللذي أتاح لنا فرصة الغوص وتجربة هذاالفن الرقمي وماصاحبه من ابتكارات وابداعات فنية ساعد على الإرتقاء بالفن التشكلي وجعله في إبداع متجدّد، حيث أن” ” إبداع التقنية”  اللذي توفره التقنية الرقمية الجديدة واللذي يعد بتغييرات جذرية في جمالية الصورة وانتشارها بدأ بترك بصمته الأوضح على الصورة” [1]. ومن هنا يمكننا الحديث عن معايير جديدة للفن التشكلي ، هذه القيم الجمالية الحديثة التي تنتمي إلى العالم الإفتراضي.

لإنجاز لوحة تشكيلية رقمية يكفي أن يمتلك الفنان حاسوبا، فهو بمثابة ورشة عمل لديه والإستغناء كليا عن ورشة التصوير والأوان الزيتية ، هذه الثورة الرقمية غيرت كليا مفاهيم الفن التشكلي ، فللفن الرقمي مفاهيم حديثة مرتبطة بالحاسوب وهي التصميم ، الإضاءة ، التلوين ، التصميم، الرسم في الأبعاد الثلاثية و الكتابة، حيث يمزج الفنان بين مختلف هذه العناصر لأنشاء لوحتة الرقمية الحبلى بالخيال ، ” فتعدّ الصورة المتخيلة شكلا من أشكال التعبير التي ساهمت في بلورة الخطاب الفكري والجمالي(…) وهكذا تكون الصور المتخيلة انبعاثات جديدة لكل ماهو جامد على أرض الواقع(…) انبثاق لحرية الخيال الفاعل وتحطيم كل القواعد التي تمنع استبصار الأشياء بما يتخللها من خطورة وتهديد للوضع البشري”[2].

ومن أبرز الفنانين نذكر [3]Miguel Chevalier، هو فنان رقمي يستعمل التكنولوجيا والوسائل الرقمية كوسيلة تعبير قي مجال الفنون التشيكيلية،  فالتكنولوجيا الرقمية بالنسبة إلية تفتح إمكانيات خيالية لامحدودة ولانهاية لها ومن خلال أعماله يطرح تساؤلا متمثلا في علاقتنا بهذا العالم والتفاعل والتواصل معه، مستخدما في أعماله مفهوم تهجين الصورة عن طريق أحدث البرمجيات الرقمية ، كذلك الخيال المعماري الإفتراضي ، وهذا مايتأكد في هذه المجموعة من الصور

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في هذه المجموعة من الصور جمع الفنان بين بناء الكنيسة وبين الصورة الإفتراضية الموجودة في السقف فزينه بألوان وأشكال إفتراضية، فكشف بذلك عن التفاصيل المعمارية لأركان الكنيسة ، هذا التفاعل القائم بينهما أنتج لنا جمالية حديثة تحاكي كل أركان التكنولوجيا، فبإستخدام خصائص اللغة الرقمية تتجدّد الأفكار وتتطوّر ويتمكّن الفنّان من خلق وإبداع فن حديث يتفاعل فيه المتلقي، وهذا ما يعمل عليه الفنان الفرنسي في أعماله ، إذ يخاطب المتلقي ويجعله يتفاعل معه إلى درجة أنّه أصبح جزء من العمل الفني، وهذا مانجده واضحا في هذا العمل.

 

تمكن الفنان من تصميم قطعة فنية إفتراضية عن طريق الوسيط الرقمي ، هذه القطعة تشبه البساط يحمل العديد من الألوان والأشكال الهندسية ، حيث تتفاعل مركبات هذا البساط الرقمي مع المتلقي فيتغير لونها وشكلها بمجرّد أن يمشي فوقها، هذه التجربة الفنية الفريدة في عالم الفن التشكيلي لايمكن تطبيقها بالأدوات التقليدية للرسم، وإنما يجب أن يتوفّر مايسمّى “بالرقمي” . ولو حاولنا التركيز في هذه القطعة الفنيّة لوجدنا أنها تتحّرك ببطء والسبب هو طريقة تركيب الأشكال الهندسية إضافة إلى المستوى العالي في إختيار الألوان فالتقنية الرقمية تعطينا ألوانا مميّزة وصافية، وبالتالي بات من الضروري القول بأن الفن هو إنعكاس للمجتمع اللذي نعيش فيه ، ” لذلك فلن يكون الفن الإلكتروني بدعة ، لكنّه سوف ينتج المزيد من الجديد، والمزيد من الإبداع والخيال، والمزيد ممّا نرى ونشاهد ونعاين ونبدع ونتفاعل معه، وسوف يمضي الفنانون إلى المستقبل، وتنفض اهتماماتهم بالطرق التقليدية، هجرة إلى الواقع الإفتراضي والأدوات التي لاوجود لها في الوقت الراهن، كما فعلت من قبل برامج الرسوم ومعالجة الصور وخطوط الكتابة والتجسيد والرسوم المتحرّكة والفيديو”[4]. الأمر اللذي جعل من التكنولوجيا الرقمية مساهمة بشكل فعّال في تنمية وإبداع الفن، فنحن اليوم على موعد مع التكنولوجيا فالفنان في أمسّ الحاجة إليها ، هو في الحقيقة في أمسّ الحاجة إلى طرق ووسائل جديدة للإبداع، مما ساهم في تغيير التذوق الفنّي خاصة في أواخر القرن العشرين ، فقلائل من يبحثون عن لوحة زيتية أو منحوتة في وقتنا هذا، في الحقيقة لكل عصر أسلوب خاصّ به في مجال الفنون، فالفنان يحاكي عصره لاغير هذا مانراه في كل حقبة فنية. وهذا خير دليل على أن الفن دائما في بحث مستمرّ عن مفهوم جديد وعن طرق وأساليب إبداعية جديدة ، حتى مقومات العملية الإبداعية تغيرت مقاييسها فأصبح الفنان لايرسم لنفسه فقط وإنما نجده في عصرنا الراهن يرسم وفي ذهنه “المتلقي ” ، و هذه الجدلية القائمة على أساس الفنان والمتلقي موجودة من قبل لكن في عصرنا الراهن باتت أكثر حضورا والسبب يرجع بالأساس إلى إنتشار الأعمال الفنية بطريقة أسرع عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي ووجود الإنترنات، مما أتاح للمتلقي في جميع أنحاء العالم إعطاء رأيه بكل حرية، فالفنان لايشتغل وفق مقاييس قديمة وإنما يجب أن يكون مواكبا لعصره وباحثا في مايمكن أن يقدّمه المستقبل من تطورات تكنولوجية .

ففي عالم الفن الرقمي نجد سحر وجمال وإبداع متجدد ، وبالتالي أصبح الفن الرقمي بمثابة الفرشاة الأساسية للفنان ” لرسم مجموعة واسعة من العمليات الإبداعية التي تستخدم تكنولوجيا الحاسوب” [5] ففي أعمال Miguel Chevalier تتراوح الأشكال الفنية بين الهندسية المنتظمة والموضوعة بشكل مدروس وأخرى منحنية بشكل عفوي وفوضوي، كذلك على مستوى الألوان جعلها الفنان تحاكي روح المتلقي، و إنّ ما يريده الفنان هو إدراج المتلقي في العملية الإبداعية وكسر تلك القيود المتعارف عليها ، حيث أن كل هذا الإبداع متأتي بالأساس من مادّة إفتراضية شكّلها وطوّعها الفنان حسب إرادته، فلن ” يكون الفن الرقمي تقليد ما هو موجود ، وقد يصبح الواقع الإفرتاضي فيه أيضا إضافة جديدة لقماش إبداع يتجاوز المعروف والمألوف، وقد يتسق أو لايتسق مع ما يبدو لنا في الوقت الحاضر، حتى وإن كان العالم الرقمي أو الواقع الإفتراضي فيه صورة من العالم الحقيقي اللذي نعيشه ، فهو متغير ومتطور وبإمكانات جديدة “[6] .

تتطلب العميلة الإبداعية التخيل والإبتكار والإبداع والإنتقال من الواقع إلى الخيال عن طريق المخيلة، فتعدّ الأخيرة قلب الإبداع بالنسبة للفنان، ومن هذا المنطلق تعتبر المخيلة والخيال أساس العمل الفني ، وهذا ماجعل من الفنان مبدعا للوحاته الرقمية حيث أصبحت التكنولوجيا الرقمية عنصرا أساسيا في أعماله الفنّية، فتتميز لوحاته بحضور تقنية عالية ، متفاعلا في ذلك مع الحياة الواقعية المعاصرة وهذا مايسمى بالواقع الإفتراضي، حيث يختصر هذا الأخير عدة مسافات ويسهل على المبدع عملية الإنتاج، مخرجا لنا بما يسمى بتفاعل الرسم والتصوير بأحدث التقنيات الرقمية والبرمجيات الحديثة.

من جهة أخرى أدّت التكنولوجيا الحديثة إلى حدوث جدل كبير بين من يستعمل هذه التقنية لأغراضه ويوجهها حسب رغباته مستفيدا منها في ذلك وبين من يرفض هذه التقنية بتعلّة أنها تغيّب روح وإحساس الفنان، ” فكان هناك العديد من النقاد عندما ظهرت أدوات الفن الرقمي لأول مرّة على الساحة. لم يرغب الفنانون التقليديون وصالات العرض أن يعترفوا بالفن الرقمي بأنّه شكل صحيح من أشكال الفن. كانت فكرة خاطئة مفادها أن جهاز الحاسوب، وليس الفنان، مسؤولا عن خلق الصور”[7].

ومع هذا يجب على الفنان مواكبة عصره و مواكبة التطورات التكنولوجية والتقنية في مجال الفن فيعبّر بذلك عن وجهة نظره، فهذا التداخل بين عالم الفن وعالم التكنولوجيا أصبح أمرا ضروريا ولابدّ منه، مبتكرا لنا الفنان رؤية حديثة في عالم الفن التشكيلي

 

المراجع

 

 

  • نهلة كامل، السينما تخلق طثوس الألفية الثالثة، منشورات وزارة الثقافة، سوريا 2001
  • حسن عبودة النخيلو، خطاب الصورة الدرامية، أكادمية الفنون الجميلة، جامعة البصرة، الطبعة الأولى، 2013
  • عبد الحميد بسيوني، تكنولوجيا الواقع الإفتراضي، دار النشر للجامعات ،القاهرة، مصر، 2013
  • راقي صلاح نجم الدين، مدونات في الفن والتصميم، دار مجدلاوي،بغداد، 2016
  • عبد الحميد بسيوني ، كيف تعيش الحياة الثانية في العالم الإفتراضي، دار النشر للجامعات، القاهرة، الطبعة الأولى، 2015

 

: نهلة كامل، السينما تخلق طثوس الألفية الثالثة، منشورات وزارة الثقافة، سوريا 2001، ص13[1]

[2] : حسن عبودة النخيلو، خطاب الصورة الدرامية، أكادمية الفنون الجميلة، جامعة البصرة، الطبعة الأولى، 2013، ص73

[3] : ميغيل شوفالييه  : (مواليد 22 أفريل 1959 في المكسيك) هو فنان فرنسي،  وهو من رواد الفن الرقمي، يستخدم ميغيل شوفالييه أجهزة الكمبيوتر كوسيلة للتعبير في مجال الفنون البصرية.

[4] : عبد الحميد بسيوني، تكنولوجيا الواقع الإفتراضي، دار النشر للجامعات ،القاهرة، مصر، 2013، ص126

: راقي صلاح نجم الدين، مدونات في الفن والتصميم، دار مجدلاوي،بغداد، 2016، ص201[5]

[6] : عبد الحميد بسيوني ، كيف تعيش الحياة الثانية في العالم الإفتراضي،  دار النشر للجامعات، القاهرة، الطبعة الأولى، 2015، ص116

[7] : راقي صلاح نجم الدين، مدونات في الفن والتصميم، دار مجدلاوي،بغداد، 2016، ص
201

Related Posts via Categories