امرأة لا تشبه بقية النساء  جعلت من زليخة يوسف ثوأما لها في الإعتزاز بكينونتها التي جعلتها مثقفة تحتاط منها الكثير من العقول المتحجرة التي دخلت معها في صراعات فكرية وصلت بهم إلى درجة التهديد بالتصفية الجسدية وهو الحوار المعروف لذوي العقول المتجمدة على فكرة وأن كانت خاطئة , فهي المناضلة المدافعة عن حقوق المرأة ضد الفكر الذكوري الذي لا يرى منها إلا جسدا وعورة بلا عقل ولا شخصية وهي الأديبة التي استطاعت أن تضع لها بصمتها الخاصة من خلال العديد من المؤلفات والكتابات الشعرية , في هذا اللقاء تستضيف فاطمة بوهراكة مدير عام مؤسسة صدانا الثقافية ضيفة من عيار خاص إنها المثقفة المشاكسة الأديبة القديرة الدكتورة زليخة أبو ريشة فأهلا وسهلا ومرحبا .

  1. زليخة ابو ريشة اسم لامع في سماء الإبداع العربي اشتغل في التدريس ومارس الصحافة والنقد وكتب الشعر في أجمل تجلياته، مسار طويل انتهى بتهمة التمرد والاختلاف عن الآخر الراغب في جعل صوة المرأة المشرقية مجرد امرأة تقليدية تابعة للرجل … كيف يمكنك شرح شعورك لنا لهذا – العقوق – المجتمعي ؟

 

  • سأسمّيهِ عقوقاً مجتمعيّاً لو أنّه ابتدأ عند عامة الناس وانتهى عندها، لا بل سأسمّيه سوء فهمٍ مجتمعيّ؛ فمع انتشار الأميّات وتدهور مكانة المرأة وصورتها، سيكون من نافل القول أنَّ ثمةَ ما يقفُ حائلاً دون الإصغاء إلى صوتِ المنطق والكرامة الذي أزعمُ أني أنتمي إليه. ولكنه عقوق النخبة التي لا تتجرّأ أن تقتربَ من نتاجي أصلاً، خشيةَ أن توصَمَ بالدفاعِ عن أفكاري. إنها نخبة تثبتُ كلَّ يومٍ مُمالأتَها للتيار الإخونجي الجارف من الجهل ونشدان الخلاص عبر تأجير العقل للقادة منهم، يوجّهون القطيعَ أين أحبّوا. فأربعون عاماً ويزيد من الكتابة والنضال الحقوقيّ والوقوف (في بوز المدفع) وحدي أغلب العقود الأربعة الفائتة، لا يمكن تلخيصها في صيغة تمرّدٍ فحسب؛ فالتمرّد ردةُ فعلٍ، ولعلي تجاوزتُ ذلك منذ السنوات الخمس الأولى لاستقلالي الاجتماعي والفكري، على أملِ أني تمكنتُ من تقديم رؤية حداثيّةٍ، تعتمدُ العقلَ والفكرَ التنويري الحرّ، لعدد من عناصر الأزمة: الدين، والإسلام السياسيّ، والمرأة، والمواطَنةِ، ودولة القانون، والعلمانية، والتحول الديموقراطي وسواها. وهي حقولٌ حساسةٌ باتت النُّخَب اليوم حذرةً من مقاربتها، خوفاً من الاستبداد المجتمعي الجاهز للتكفير والتعهير والوصم بالعمالة والخيانة، والذي كان نهايةً طبيعيّةً لهيمنة الإسلام السياسيّ وعمليات غسيل الأدمغة التي مارسها ويمارسها عبر المساجد ومؤسسات الوعظ والإرشاد والدعاةِ ومراكز تحفيظ القرآن والجمعيات الموجّهة والفضائيات وسواها. بل إنَّ النُّخَب الثقافية التي عليها معوَّل التغيير والوقوف في وجه أشكال الانحطاط، باتت شيئاً فشيئاً جزءاً من هذه الحالة المخيفة من الانهيار. فهل نسمي ذلك عقوقاً لي؟ أم أنه خيانةٌ جليّةٌ لمبادىء التنوير التي هي جوهر كلِّ ثقافة؟

 

-2 ما سر كل هذا التألق في مسارات إبداعية مختلفة مع تراكمات فكرية راوحت النصف قرن من الزمن ؟

 

  • شكراً لهذا الثناء. ولكنَّ الشعر يبقى لي الخدينَ والخليلَ. ويجعلني والحبَّ في دنياي السحريِّة التي تُعيدني إلى صفائي الروحيّ، ونضارة إحساسي وتصالحي مع العالم والحياة. فالشعرُ عندي هو جوهرُ الجمال، ولولاه لكنا حجارةً أو حصىً أو خشباً على قارعةِ حدَثٍ.

 

  • -3 هل هناك اختلاف بين الإبداع النسائي أيام الشباب والإبداع النسائي الحالي الذي عرف كثرة كمية عن سابقاتها ؟

 

  • ابتداءً، كان البحثُ عن الذات الكاتبة عبر ألوانٍ من الكتابة الإبداعيّة. وإذ بدأتُ بالشعرِ كشأن معظمِ أطفال العالم، وبحكمِ تأثُّري بوسطي العائليّ الشعريّ والصوفيّ، إلا أن أول ما نشرتُ في كتابٍ كان قصةً للأطفال (الماستان، 1985، دارة الحمائم، عمان)، ثم مجموعةً قصصيّةً (في الزنزانة، 1986، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة). فقد لمستُ في السرد حاجةً لتوصيف الأزمة الشخصيّة التي كنت أعايشها، وهي الزواج السلطوي وقمعُ المرأة باسم الدين. وكان ذلك إيذاناً بإعادة قراءة النص الديني، والبحث في تضاعيفِه عن وضع المرأة، حيثُ توصَّلتُ إلى أن هذا النص كائنٌ حيٌّ غيرُ ثابتٍ ولا جامدٍ، نستطيعُ من خلالِ تحري حيويته، أن نوقف العمل بما يتعارضُ مع روح العصر والقيم الإنسانيّة العليا. وإذ عبّرتُ عن هذا في مقالاتي، فإنه قد أورثني عناءً شديداً، حيث انتُهِكَتْ سمعتي، وتم اغتيال شخصيّتي، وصرتُ موضوعاً مفضَّلاً للشتم على المنابر، بل إن تهديدات بالقتل حملتها إليَّ وسائط التواصل الاجتماعيّ مؤخراً. ومع ذلك أجد أنَّ عليّ أن أستمرَّ في الكتابة، برغم الأهوال والمخاطر المحيطة بي.. وأن أستمرَّ أيضاً في الحراك السلمي الذي أقوده أحياناً وأنقادُ إليه أحياناً أخرى.
  • الإبداع النسائي أيام شبابي كان قليل العدد، محصوراً في عدد من رموز الشعر والرواية والقصة القصيرة؛ ولذا كانت متابعته يسيرةً، ولكن دراسته حسب المزاج الذكوري. ثم صرنا إذا ما أردنا أن نعدَّ لندوةٍ علميّةٍ نقديّة في أحد فنون الأدب، وجدنا مشقّةً في الحصول على عددٍ من النساء يغطي الدول العربيّة. وكنتُ في مهرجان جرشٍ أناضل كي أقنع اللجنة بدعوة أسماءٍ جديدةٍ من الشاعرات اللواتي بدأن يظهرنَ في أفق الأدب، بعُدّةٍ متينةٍ وطازجة وذات إيقاعٍ مختلف. كان هذا في تسعينات القرن الماضي. أما الآن فمتابعاتي في الصحافة الثقافيّة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أكثر منها في الكتب المطبوعة، تقودني إلى غثٍّ كثير، ولكن أيضاً إلى أصواتٍ متميّزة، ذات نَفَسٍ مختلف يَعِدُ بقطافٍ جميل. لقد انفتح البابُ الذي كان موارباً، على مصراعيه لكي تقدّمَ المرأةُ إبداعَها دونما وجلٍ من أبٍ أو أخٍ أو زوجٍ أو عشيرةٍ. وهي حريّةٌ متاحةٌ للجميع، ولربما أنَّ الزمن سيتكفّلُ بتعشيب الطالح من الصالح.
  • -4 حسب اعتقادك هل تخدم التقنيات الحديثة المبدع والإبداع أم أن نتائجها ستكون عكسية ؟
  • من المؤكد أنَّ ثمة فوضى نشر، وأزمة نشر طاحنتان. إذ بينما تجد كثرةٌ من الأقلام الطريقَ متاحةٌ للنشر الألكتروني، في حريّة لم تشهدها البشريّة من قبل، خارج عين الرقيب، إلا أن الإبداع الرّصين يضيعُ وسط هذه الفوضى العارمة التي سبّبتها التقنياتُ الحديثة. ويتيح المجالَ لسقطِ المتاعِ أن يتفيهقَ بنتاجه الضّحل، ويتوهّمَ الأهميّة بحصد اللايكات، وهذا منه الشيء الكثير. ومع ذلك فإنَّ سرعة التواصل التي وفرتها تكنولوجيا الاتصالات جعلت حتى من الطباعة الورقيّة أمراً لا يحتاجُ إلى سفرٍ ومقابلة شخصيّةٍ للناشر وعقد لقاءاتٍ واتفاقات؛ فكل ذلك يتمُّ خلال ساعاتٍ قليلة على جهاز الكمبيوتر.

-5 استطاع مبدعو الأمة خلال العصور الماضية من خلق أسماء راسخة لهم في الأدب العربي الورقي فهل تعتقدين أننا سنحافظ على نفس ظاهرة الرمز في زمن العولمة ؟

  • الحقّ أنَّ الفرزَ الآن أعسرُ من أيِّ وقتٍ مضى، حيثُ الأقلامُ بالآلاف المؤلّفة. ويكفي أن نعلمَ –على المستوى الورقي- أنَّ 500 رواية نسائية صدرت في السعودية في إحدى السنوات.. لنعلمَ حجم المعاناة التي سيواجهها مؤرخو الأدب والنقاد. ومن المؤكَّد أنَّ أصواتاً جادةً ستضيعُ في هذا الزحام، وأن أقلاماً خفيفةً ستظنُّ في نفسها القيمةَ الأدبية. كلُّ ذلك والنقدُ غائبٌ تماماً عن المتابعة وعن الفرزِ والتمييز. يمكننا بكلّ بساطةٍ أن ننعى النقد في اللغة العربيّة.

-6 ما الشيء الذي ندمت عليه كمبدعة قدمت الكثير للثقافة العربية ولو عاد بك الزمن للوراء لما فعلته أبدا ؟

  • أندمُ أني لم أناضل بما يكفي لأنشرَ كتاباتي في وقتٍ مبكّر. لقد قيدني الزواج روحياً وبدنيّاً عن أن أرتادَ آفاق المعرفةِ والفن بحريّةٍ وكما ينبغي له. ومع أني تداركتُ ذلك فيما بعد بما يُسمى “حرق المراحل”، إلا أنها ما تزالُ غُصّةً أني انقطعتُ زمناً ليس بقليلٍ عما كنتُ أعِدُ به وأنا طالبةٌ في الجامعة. ولا أكتمك أني حتى الآن ما تزال روحي غضّةً، وأكتب كما لو كنتُ في عشريني، فأنا لم أستهلك الوقود الذي في داخلي بعد.

-7 كلمة لجمهورك

  • أيها الجمهور الكريم! الحريّة مقدّسة، فاستعملها بما لا يُتيحُ ابتذالَها. وإن العقلَ الحُرَّ هو صنو الروح الحرة، فلا تسمح لكائنٍ من كان أن يعملَ وصيّاً على عقلك، ولا وصيّاً على روحك.

Related Posts via Categories