( إلى أمير ناصر في طعنات أليفة )

لم أخبرْ النهرَ عنكَ وأنتَ ترشقُ تأملاتَهُ بحزنكَ المُعتق.

أنا مثلُكَ تورطَ الليلُ بي،
وكذلكَ خيوطُ الفجرِ التي ضجرتْ مني كلَ صباحٍ وهي تفتحُ عيونَها أمامَ مرآة نُعاسي!

لاتحزني أيتُّها الوردةُ فأنا وصديقي ـ كلانا ـ فصولُ الحربِ ومزاجُ الرئيس!

ذاتَ يومٍ يكشفُ القمرُ أسرارَ اللعبةِ ـ لاتحزني أيتُّها الوردةُ ـ.

قلتُ لي:

وأنا أقذفُ برغبتي أمامَ ـ طعنات أليفة 1 . ـ

لماذا هذا الشاعرُ الشطري يُريدُ أنْ يُعلمني ما قالَهُ الرملُ للجنودِ حينَ أبتسمتِ الحربُ وهي تلونُ شفاهَها وأظافرَها بالدم!

قلتُ لي:

ذلكَ الشاعرُ المجنونُ يدخلُني بعكازتينِ هما خاصتي!

وقبلَ أن تلتفتَ لي كلماتٌ جاءني صوتُ الشاعرِ ـ أمير ناصر ـ أخي في الشعر وفي الحرب، قالَ لي:

( أخفِ آثارَ أحلامَكَ

كي لا تفشي للأرصفةِ عُجمة الأبتهاج

وكن سعيداً ولو لمرةٍ واحدةٍ في العمر

لابأس من ملاقاة أحصنةٍ مذعورةٍ

وبلادة مُعبأة ببنطلونات

نفايات مثلا

أو مطر قذر ومُباغت) 2 .

هلْ هناكَ أكثر قسوة من أنْ نخفيَ آثارَ أحلامنا كي لاتكشف جراحَنا الأرصفةُ!؟

هلْ هناكَ أكثر قسوة أمامَ أمنيةٍ يتيمةٍ تجعلُنا سعداء ولو لمرةٍ واحدةٍ في العمر؟

وهلْ هناكَ …

وتبقى البلادُ في النفايات، المطرُ القذرُ يباغتُنا ونحنُ مازلنا بلا أثواب!

نعم يا صديقي ..

لم أخبرْ النهرَ عنكَ وأنتَ ترشقُ تأملاتَهُ بأحزانَنا جميعا.

قلتُ لي:

لماذا أقدامُنا تركضُ قبلنا من الخوف؟

قالَ أصبعي الصغير وهو يسخرُ مني:

ربما أنتَ لا شيء ..أو شيء يتسلقُ ألـ لا.

ضحكتُ مني حتى أدركني البُكاءُ!

 

يقولُ الشاعرُ:

(درِّبْ ذراعَكَ على الإمساكِ بالسيدة

ويخيّل محيطاتٍ هائلةً أمامكَ ونوارس

ومن طرف شارعٍ بعيد

ألتقطْ سحابةً صغيرةً لعينيكَ

وكنْ سعيداً ولو لمرةٍ واحدةٍ في العمر) 3 .

 

قبلَ أنْ أصلَ إلى ذلكَ الحلم وألتقطُ سحابةً صغيرةً إلى عينيّ وأمسكُ بسيدةٍ تُعيدُ لي توازُني وأكونُ سعيدا ولو لمرةٍ واحدةٍ ، عليّ أنْ أُضمدَ جراحَ النخيلِ وإلّا لن أكونَ.

لم تنتبهْ لي نوارسُ الشاعرِ، ولا محيطاتهُ الهائلة!

بل رأيتُ بينَ قدمي ـ أمير ناصر ـ مقبرةً تسألُ عن قوافلَ الشهداء حين أخبرتْها الحربُ أنهم قادمونَ ..ولكنْ ..!

نعم يا صديقي ..

لم أخبرْ النهرَ عنكَ وأنتَ ترشقُ تأملاتَهُ ببياض ظلكَ على قلبي!

قلتُ لي:

لن أكونَ مثلكَ، وأنتَ تُفجرُ سنابلي بنورِ فصولِكَ ..طريقكَ للانهائي!

حركَ رموشَهُ الحبلى بالغبارِ ، ثمَ صرخَ بي وهو يقولُ:

 

( لا تتحدث عن أعاصروخسارات

أو رجلٍ فقدَ ساقه في حرب

ولا عن قمرٍ يتسؤّلُ في سماء

كن مثلي

وأنا أحصي أيامَ الطحين

على أطراف أصابع زوجتي ) 4 .

هنا شعرتُ بنظراتٍ تُحيلُني إلى خنادقَ تغصُ بالجوع

تذكرتُ حدائقي التي هربتْ من الخوفِ ولم تتركْ لي أُغنيةً

أو حتى لونَها الأخضرَ!

وهنا ركبتُ مع صديقي الشاعر إلى ذلكَ القطار ـ وكلانا ـ بلا قبعتينِ يشهدان إلينا أننا نمتلكُ رأسينِ ..أو قُلْ ـ تشهدُ فقط .

نعم صديقي ..

لم أخبرْ النهرَ عنكَ ..

وعني ..وعن تلكَ المسافةَ.

قالَ لي أمير ناصر:

( تأمل شمساً مائلةً للغروب

وهي تحصي شجرةً باسلةً

وكن سعيداً ولو لمرةٍ واحدةٍ في العمر )5 .

 

 

قلتُ لَهُ:

وأنا أمضي بعيداً ..بعيداً جداً عن هذا الكفنِ الأسود الحالم بذلكَ النهر ..

يا أمير ..

الساعةُ الرابعة ُ

والشايُ يكتبُنا

ـ وكلانا ـ

رمادٌ يتطايرُ!

ـــــــــــــــــــــ

هامش

1 . ( طعنات أليفة ) مجموعة شعرية للشاعر أمير ناصر ـ دار الحضارة للنشر ـ القاهرة 2009 م .

2 .3 .4 . 5 . مقاطع من قصيدة في تلك المجموعة بعنوان ( شاي الساعة الرابعة )

Related Posts via Categories