تمثل قصائد ديوان “تدور بي دوائري” للشاعر د. فوزي خضر خلاصة تجاربه الشعرية التي عاشها طوال نصف قرن من عمره الشعري. ومن هنا تأتي أهميته، فالديوان هو العصارة الشعرية والخلاصة الفكرية، وربما الحياتية لفوزي خضر الإنسان والشاعر.

ولو كان الشاعر أرَّخ زمنيا لكل قصيدة من قصائد الديوان البالغ عددها سبعا وخمسين قصيدة، لتحدثنا بتفصيل أكثر عن هذه الدائرة، ولكنه أحجم عن ذلك، حتى أنه عندما أرَّخ زمنيا لبعض قصائده القليلة وضع في نهايتها تاريخ 5 ديسمبر فقط ولم يذكر لنا العام الذي ولدت فيه هذه القصيدة أو تلك، اللهم إلا قليلا.

ومع ذلك فالمتابع لأعمال فوزي خضر الشعرية يدرك أن هذا الديوان ـ الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2015 ـ يمثل حجر الزاوية في مجمل أعماله التي بلغت أربعة عشر ديوانا شعريا ومسرحية شعرية بعنوان “ابن سينا”.

لقد وضع الشاعر في ديوانه هذا كل الأشكال الشعرية التي مرت بها قصيدته سواء القصيدة العمودية (وخاصة في شكلها المنهوك والمجزوء) أو الشكل التفعيلي الذي يشكل أغلبية القصائد، وفي هذا الشكل نجد القصيدة السطرية الطويلة ونصف الطويلة، والقصيدة المدورة، والقصيدة الومضة.

ونلاحظ أن المضمون هو الذي يفرض الشكل على صاحبه، فقصيدة عمودية شجنية مثل “محن” كان لا بد أن تجئ في هذا الشكل:

لا بد أن

تعفو المحن

عني ولو ساعةْ

الذبحُ شن

حربا تُجن

والدمُّ طن

شق البدن

والروح ملتاعة

من لي بكن

فيه السكن

إن الوطن

قد باع مَن

قد ملَّ أوجاعه

هذا الزمن

لم يستكن

لي لحظةً

كي يطمئن

قلبٌ هنا راعه

نلاحظ في هذا الجزء من القصيدة أن قافية النون الساكنة قد أدت دورها في إبراز صورة الأنين والشجن الذي يكابده الشاعر في تجربته تلك، وأن تفعيلة (مستفعلن) في كل سطر على حدة ـ (وهو ما يمثل منهوك بحر الرجز)، مع زيادة تفعيلة (فعلن) في نهاية كل دفقة شعورية ـ قد أسهم في ارتفاع الإحساس بمدى الإنهاك والفداحة الحياتية التي يحياها الشاعر.

يقول علماء اللغة إن حرف النون يعبر عن عفو الفطرة، وعن الألم العميق (أنّ أنيناً). ويقول المقرئ الشيخ عبدالباسط عبد الصمد: إن النون هو الصوت الرنان ذو الطابع النوني (أي ذو المخرج النوني)، الذي تتجاوب اهتزازاته الصوتية في التجويف الأنفي، وهو أصلح الأصوات قاطبة للتعبير عن مشاعر الألم والخشوع.

ويُقال إن النون تحمل دنيا من المشاعر والشعر والموسيقى، لولاها ما اهتدى الإنسان إلى وترٍ يئنُّ وناقوسٍ يرنُّ، ولا إلى ناي أو كمان.

وقد شاهدتُ واستمعتُ إلى الشاعر فوزي خضر يترنم بهذه القصيدة أو ينشدها في أكثر من ندوة ومحفل شعري، بطريقة مؤثرة كأنه يغنيها وهو يقطر ألما، فيطرب لها المستمعون ويتفاعلون معها، وكان لحرف النون أثناء القائه دور مؤثر في آذان المستمعين.

ويكرر الشاعر الشكل نفسه مع إحلال حرف اللام مكان النون في قصيدته “حلك” التي يقول فيها:

الحال حال

والنزف طال

والسور مال

حتى هلكْ

ما من زلال

إن النصال

تأبى الزوال

عن مَنهلك

الطعن صال

والعمر سال

كيف النزال

والقيد لك.

ولعل الملحظ الشكلي هنا أن الشاعر تخلى عن تفعيلة (فعلن) في نهاية كل دفقة أو كل مقطع في “حلك”. ولكن لا بد أن أعترف أن تأثير حرف النون كروي في “محن” كان أبلغ من حرف اللام كروي في “حلك”.

وتأتي دائرة الجندية لتكون من أهم المؤثرات في تجربة الشاعر، وقد سبق أن كتب عنها في أكثر من ديوان، وها هو يعود إليها مرة أخرى في قصيدة “النوافذ مفتوحة في انتظار الحلم” التي يقول فيها:

تدور الطوابير:

ألمح أحذيةً .. خوذًا .. وسلاحا

تدور وجوه الجنود:

أرى في العيون طعام البيوت

أرى شهوة العطلات

أرى صفرة وخياما

فأدخل بين ثيابي

وعلى الرغم من أن الشاعر يؤمن بأن الحرب وشق الجنود الصحارى وتحقيق الانتصار يؤدي إلى أن:

يصحو الطفل من نومه باسما

تُفتح في المدن المشتهاة الملاهي

تُفرش كل القرى بالسنابل

إلا أنه من ناحية أخرى يدعو إلى وقف تلك الحرب، ويكتب للمتحاربين قائلا:

لماذا تفرقنا الحرب؟؟

كنا وكانوا: صفوف خنادق

(يغلفها الحلم والأدخنة)

وكنا وكانوا: صفوف بنادق

(إذا ما شددت الزناد

سأخطفه من حبيبته

وسأخطف من مقلتيه حبيبته

وإذا مد أنمله للزناد

سيخطفني منكِ)

وهو يرى أن وظيفة الأنامل ألا تدوس على الزناد أو تشد الزناد، وإنما وظيفتها أن تدق نوافذ أحبابنا.

لقد وصل الشاعر إلى تلك الحكمة الإنسانية التي ترى أن لا فائدة للحرب، فالحرب تفرق الإنسان عن أخيه، وما من أحد منتصر فيها، لذا فإنه يهتف في الحرب قائلا في نهاية تلك القصيدة الإنسانية الرائعة:

وأهتف في الحرب:

مهلا .. تروي .. وكوني

سلاما .. وبردا

فإني .. إذا مت:

ماتت معي نجمتي

تلك النجمة/الرمز التي كان الشاعر يعانقها ويقبلها ويسامرها فتصطفيه وتمنحه كوب ماء وخبزا وبسمة وتسنده في السنين العجاف.

ومن أجواء الحرب إلى أجواء المدح الذي يأتي في صورة شكوى، والسؤال الذي كان يطرح نفسه عندما كنا نقرأ ونستمع إلى قصائد مدحية مثل بردة البوصيري وهمزيته ونهج البردة لأحمد شوقي ومن سار على دربهما، هو كيف للشاعر المعاصر الذي انغرست كتاباته في الشكل التفعيلي وفي عالم الحداثة أن يعبر عن حبه وشوقه وحنينه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن كاد الشعراء التقليديون أن يغلقوا ذلك الباب أو الغرض الشعري أمام شعراء الحداثة، وأستطيع أن أقول إنني وجدت الإجابة في قصيدة فوزي خضر “الرحلة في مدن الأسماء” التي يقول الشاعر في مطلعها:

وتعود إلينا ..

يا لغة البرعم والأجفان الطفلة

محفوفا بالمسكِ

ونحاول ألا نبكي

ونحاول أن نغرس في الأعماق

بذور الحناء

كيف أتيتَ حنونا ونظرت إلينا

كيف أتيت إلينا

واللهبة تسري حتى الأمعاء؟

  • ستهب الأقمار وقوفا حين يجئ؟
  • وتظل الأنجم من عينيه بعتابٍ
  • كالصخر حزين
  • وسيشرق من بردته ضوءٌ ووضوءوالزمن بكاء؟إنّا نعدو في طرقات رعناءيقذفنا المقعد .. أويتركنا الموكب فوق رصيف الخوفهل تدلي حبلك للجبنحرس بيت المال .. المدن .. الأسماء؟إن الجب الذي عمد إليه الشاعر يعد من أبلغ الدلالات الرمزية التي تشير إلى واقع المسلمين اليوم، غير أن الحبل الذي من الممكن أن ينقذهم هو تمسكهم بقرآن الله والسنة النبوية المطهرة، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: “تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي”.من يسجد لصلاةٍ يُصفعيعرف قول الآهوما بينترتاحين صابحةًيهتز قلبي حين تنظرك العيونتوبة؟أم يا ترى فرح اللقاءقد وصلت بإدراج الأعالي؟ونرى في قصيدة “مكة”: أدراج المعالي، درج المعالي، درج العوالي، أعلى من عليات، أعلى هامة، عالي، رءوس الناس، أعلى الأعالي.ورفعتُ عيني للسماءثم انثنيتُ ..أطلت في الأرض السجودتتعدد دوائر ديوان فوزي خضر وتدور القصائد بشاعرها أو هو يدور بها، ونلاحظ أنه لا توجد قصيدة تحمل عنوان الديوان كما هو متعارف عليه في أغلب أعمال الشعراء المعاصرين، ولكن عثرنا على العنوان ضمن سطور قصيدة “البحث عن ينابيع النور” في قول الشاعر:أحلم بالكواكب التي وعلى مستوى الديوان، بل على مستوى أعمال الشاعر كلها، هناك عدة دوائر تدور به، مثل دائرة الجندية أو دائرة الحرب التي سبق أن تحدثنا عنها، والدائرة النورانية، ودائرة الألوان، ودائرة الأنغام، ودائرة الغربة (وهي من أوسع دوائره) ودائرة المحن والبكاء، ودائرة الحب، والدائرة الأبوية، والدائرة الوطنية، والدائرة الأسطورية، ودائرة الإصرار والأمل.أما عن الدائرة الأسطورية فقد لاحظت أن الشاعر يلجأ إلى ما يمكن تسميته بالصورة الأسطورية مثل قوله في قصيدة “البحث عن ينابيع النور”:يمطر شوكاوعدت مجدبا يجرني جوادفي جسديإنها صور من الممكن أن نراها في الأساطير الأغريقية، حينما يغضب زيوس أو جوبيتر أو اله ما على أنصاف الألهة أو على أحد من البشر، ولاشك أن مثل هذه الصورة في شعر فوزي خضر تأتي نتيجة قراءاته المتعددة في أساطير العالم، وخاصة الأساطير الأغريقية أو اليونانية القديمة.
  • تجرّح العظاما
  • تندفع الأرض مُدًى
  • أو قوله:
  • ويهبط السحاب في عيوني مظلما
  • وبطبيعة الحال فإن معظم هذه الدوائر دوائر متداخلة، فلا نجد دائرة من هذه الدوائر الشعرية تدور بمفردها في القصيدة الواحدة، ولكنها تتداخل مع دائرة أخرى أو أكثر، لكن أيضا هناك قصائد تدور في فلك واحد، مثلما رأينا في دائرة المحن التي عبرت عنها قصيدة “محن”.
  • عشقت في عيونها الندى
  • تدور بي دوائري
  • وعلى الرغم من أن حركة السجود هي انجذاب نحو الأرض، إلا أنها تعني أيضا العلو والارتفاع الروحي، فأنت حينما تسجد لله سبحانه وتعالى، إنما تعلو وتحلق روحيا إلى مقام العرش والتواصل مع الله في أعلى عليين.
  • أطلتُ في الأرض السجودَ
  • سرحتُ في أعلى الأعالي
  • ويقابل ذلك السجود الذي يعني الانحناء إلى أسفل ووضع الجبهة فوق الأرض، حيث يختم الشاعر قصيدته المكية التي ارتفع فيها صوت السرد وغلبة الفعل الماضي، وكأنه يحكي لنا حكايته المكية، قائلا:
  • ويلعب لفظ “الأعالي” ومشتقاته دورا محوريا أو مركزيا في تلك القصيدة، وهو لفظ ذو إيحاءات متعددة في هذا المقام المكي، خاصة أن الأعالي ارتبطت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته.
  • بساحة في الأرض ..
  • ندم؟
  • يسيل منها:
  • بأطراف النهار وفي الليالي
  • الجبال الشمِّ
  • ولمكة المكرمة مكانة خاصة عند الشاعر، ليس لأنها البلد التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب البلاد إلى قلبه، ولكن لأن الشاعر أيضا عمل لسنوات بالقرب منها (في مدينة الطائف)، وكان دائم التردد على مكة المكرمة، فيناجيها قائلا:
  • من يهتف باسمِكَ في أسماع مدينتنا
  • وتمتد الشكوى وتصوير واقع حال المسلمين في القصيدة إلى أن يقول الشاعر مصورا ما هو كائن في بعض البلاد:
  • ويصور الشاعر المسلمين في العصر الحالي وكأنهم في جب لا يعرفون الخروج منه، ويستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ينقذهم من هذا الجب بإلقاء حبله النبوي كي يخرجوا منه.
  • فنخرج ..
  • إنا نقبض حبلا مقطوعا
  • يلفظنا المصعد .. أو
  • يدفعنا المنكب .. أو
  • لقد امتزج المديح النبوي بالشكوى والأنين من حال المسلمين في الوقت الراهن، والشاعر بعد أن قدم ما يليق بالمقام النبوي في بداية القصيدة تتصاعد في قصيدته نبرة الشكوى وتوصيف واقع الحال في قوله:
  • كيف أتيت كما يأتي الماء

Related Posts via Categories