مجلة صدانا الثقافية تفتح شراعها في هذا اللقاء مع الكاتب والناشط الحقوقي أحمد عصيد المناضل و المفكر في قضايا تهتم الشأن المغربي

من مواليد عام 1961 بتارودانت حصل على الإجازة في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بـ الرباط سنة 1984، وفي سنة 1988 أحرز على شهادة التخرج من كلية علوم التربية. اشتغل في حقل التعليم وله العديد من المقالات المدافعة عن القيم وحقوق الإنسان في عدة منابر .

مع هذه الشخصية العصية كان لها هذا اللقاء الشيق .

تعتبر من الشخصيات المثيرة للجدل فهل تعتقد أن جرأتك في تناول المواضيع هي السبب أم لأنك فكريا تختلف عن قطيع ما ؟

 

يتعلق الأمر في الواقع بسوء فهم دور المثقف، الذي هو دور نقدي أساسا، حيث يفضل المجتمع أن يسمع ما يرضيه، ونفس الشيء يقال عن السلطة التي لا تقبل النقد إلا في حدود ضيقة جدا ومحدودة، والطرفان معا السلطة والمجتمع ينزعجان على وجه الخصوص من نقد المنطلقات والجذور والأسس التي قام عليها الوعي العام الجمعي الذي يؤطر الأغلبية، مع الإشارة إلى أن هذا الوعي العام هو في النهاية نتاج السياسات العمومية المتبعة، وليس طبيعة ثابتة في المجتمع، لأنه لا توجد طبيعة معطاة وثابتة، بل كل شيء يبنى على أساس منطلقات واختيارات تتبناها الدولة وتؤطر فيها مواطنيها عن قصد. هذا ما جعل المثقف يتواجد في وضعية صعبة، فهو لا يجد جمهورا كبيرا وراءه أو بجانبه في معاركه التي يخوضها من أجل التغيير، كما لا يجد السلطة متعاطفة مع آرائه لأنها تهدم الأساطير المؤسسة لشرعية السلطة نفسها. ومن تم فالمثقف مزعج لأنه يطرح الأسئلة حول أمور يعتبرها الناس بديهية، بينما هي بحاجة إلى إعادة تفكير وقراءة، كما يثير الجدل بسبب نبشه في المفارقات والتناقضات وإبرازها، وهو ما لا يطمئن إليه الناس كثيرا في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط على وجه الخصوص، من جانب آخر فكل قضايا المجتمع والدولة تجدها مرتبطة بشكل أو بآخر، ومن قريب أو بعيد  بالدين وبالنصوص الدينية، والسبب في ذلك كثافة استعمال الدين في المجال السياسي سواء من قبل السلطة أو التيارات المحافظة، مما يؤدي إلى خلطه بمجالات تدبير الشأن العام، وهذا يجعل مهمة المثقف أكثر تعقيدا وصعوبة حيث يعمد خصومه إلى اتهامه تهما دينية بغرض إيقافه وإسكات صوته، مما يؤدي إلى غوغائية التحريض والتشهير المعهودة.

فمشكلة المثقف ليست في الموضوعات التي يثيرها بل في منهجية النظر التي يتبناها ويعمل بها، لأن نفس الموضوعات قد يثيرها كثيرون بطريقة تقليدية مداهنة للوجدان العام، مما يؤدي في الغالب إلى بقاء الحال على ما هو عليه، لأن أساليب التفكير التقليدية تنتهي دائما بتبرير الواقع عوض العمل على تغييره، بل إن الكثير من المقاربات تنتهي إلى تزكيته،  خذي مثلا مشكلة العنف ضد النساء المثارة هذه الأيام، فتناولها بالطريقة التقليدية الشائعة تنتهي دائما إلى تكريس الواقع والإبقاء عليه لأنها تتوجه أساسا إلى الرجل بتقديم النصح له والاعتماد على مزاجه من أجل الرفق بزوجته وأخته إلخ..، وهذا ضرب من التضليل لأن العنف في الحقيقة سلوك إجرامي لا يمكن أن ينتهي أو يتراجع بمجرد إسداء النصح أو الوعظ والإرشاد، كما أن الرجل لا يعترف بأن الكثير مما يمارسه عنف غير مقبول مثل الاغتصاب الزوجي مثلا، بل يعتقد بأنه أمر مشروع يدخل ضمن حقوقه وواجباته، ومن تم يقتضي الأمر قانونا زجريا صارما من أجل عدم الإفلات من العقاب، كما يقتضي توفير ضمانات للحماية والوقاية من العنف، وهذا كله يعتبره المجتمع وجزء من السلطة إجراءات غربية بعيدة عن تقاليدنا، والنتيجة أن الوضع بقي على ما هو عليه حتى تضاعفت حوادث العنف ضدّ النساء وبلغت مستوى يُندر بالكارثة.

 

في العديد من اللقاءات نجدك تحاول تصحيح روايات الأحداث التاريخية الماضية، فهل يمكن القول إن تاريخ المغرب يحتاج إلى أعادة صياغة ؟

 

بالطبع هذا موضوع أساسي لأنه يتعلق بموضوع الشرعية السياسية، فالسلطة في بلادنا ـ في غياب الشرعية الديمقراطية ـ تعتقد بأن مصداقيتها قائمة على رواية رسمية للتاريخ  وللماضي، ولهذا تحرس تلك الرواية وتضعها تحت المراقبة ولا تسمح بإعادة النظر فيها، كما تفرضها في التعليم ووسائل الإعلام، والنتيجة أن الناس يجهلون تاريخهم لأنهم لا يعرفون منه إلا تاريخ الدول وأنظمة الحكم والسلاطين، بينما هم بحاجة إلى معرفة  التاريخ الاجتماعي الذي يؤرخ لحياة المغاربة وثقافتهم وحضارتهم. من جانب آخر نجد أن الكثير من القضايا التي تثار في المجتمع المغربي اليوم ذات صلة بالتاريخ، أي أن لها جذور ينبغي أن يعرفها الناس، فبما أن المثقف هو باحث عن المعنى ومهمته الرئيسية أن يجعل الناس يفهمون ما يجري من حولهم، فلابد أن يحتاج المثقف إلى القيام بزيارات متكررة لأحداث الماضي في كل مرة من أجل التفسير، وهذا يجعله يصطدم بالرواية الرسمية التي لا تتحدث من قريب أو بعيد عن تلك الأحداث، بل على العكس تخفيها أو تعطيها تفسيرات بعيدة عن الأسباب المباشرة والحقيقية. وبما أن السلطة ليست وحدها من يستفيد من الرواية التاريخية  الرسمية بل هناك أطراف أخرى حزبية ولوبيات اجتماعية تستفيد من تلك الرواية وتحرص على بقائها لرعاية مصالحها الخاصة، فإن مهمة المثقف تصبح أكثر صعوبة لأنه يواجه عدة أطراف في نفس الوقت. وبالنسبة لي شخصيا فبحكم تواجدي في خضم النقاش العمومي منذ 38 سنة، يمكن أن أؤكد لكم على أنه من المستحيل إنجاح الانتقال نحو الديمقراطية في بلادنا بدون إعادة قراءة تاريخ المغرب وتحريره من الأوهام والأساطير، وربطه بالوثائق والمصادر والبحث العقلاني. أنظري مثلا كيف كان المغاربة يعتقدون بأن تاريخهم بدأ فقط مع مجيء العرب أي قبل 14 قرنا، بينما تثبت الحفريات اليوم بأن المغرب يضم رفات أقدم إنسان عاقل على وجه الأرض يعود إلى أزيد من 000 300 سنة، وقد علمتنا المدرسة بأن تاريخ المغرب متجه نحو الشرق الأوسط وأن هذا الشرق يمثل المركز بالنسبة للمغرب،  واليوم يجد المغاربة أنفسهم بصدد اكتشاف انتمائهم الإفريقي الذي ظلوا يجهلون الكثير عنه، وذلك فقط لأن الدولة غيرت بعض توجهاتها في السياسة الخارجية، كما غيرت بعض حلفائها.

 

ما هي أهم الأحداث التي ينبغي الوقوف عندها من أجل التصحيح في نظرك ؟

 

هناك خمسة أسئلة قلقة في تاريخ المغرب علينا الوقوف عندها، السؤال الأول يتعلق بالماضي الما قبل إسلامي، حيث قيل لنا في المدرسة بأن ما قبل الإسلام لم يكن هناك في المغرب سوى “ظلمات الجهل”، كما حدثتنا المدرسة والتاريخ الرسمي عن الأجانب الذين غزوا بلادنا كالرومان والوندال والبيزنطيين والعرب الأمويين، أكثر مما حدثانا عن المغاربة، بينما يكشف البحث التاريخي النزيه عن وجود حضارة عريقة كانت تضم حواضر مزدهرة وعلوما وهندسة زراعية ومعمارا متميزا وتفاعلا وتبادلا غنيا مع بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، لكن هذه الاكتشافات لا تدرج أبدا في المقررات الدراسية ليعرفها المتمدرسون.

السؤال الثاني يتعلق بتأسيس الدولة المغربية في الفترة الإسلامية حيث يرى التاريخ الرسمي بأن البداية كانت بمجيء شخص عربي قدم إلى المغرب فارا من مذابح العباسيين بالمشرق،  وهو إدريس بن عبد الله الذي اعتبره التاريخ الرسمي مؤسس الدولة بالمغرب، بينما هذه من الأساطير التي تفندها الوثائق والوقائع المؤكدة في مصادر تاريخ المغرب، فعندما جاء إدريس المذكور إلى المغرب جاء وحيدا ولم يجد فراغا سياسيا، بل جاء بعد خمسين سنة من تأسيس إمارات مغربية قوية منها “سجلماسة” بالشرق و”النكور” بالشمال و”برغواطة” على المحيط الأطلسي، ولم يقم إدريس إلا بتزعم إمارة “أوربة” وليس بتأسيس الدولة المغربية. ولن تتوحد الدولة إلا تحت راية المرابطين.

السؤال الثالث يتعلق باستيطان القبائل العربية بالمغرب خلال العصر الموحدي وكذا بعد سقوط الأندلس، والتغيرات التي نتجت عن ذلك سواء المتعلقة بالتركيبة السكانية أو بتشكل الثقافة الوطنية من خلال روافدها المتعددة، فالمغاربة مثلا يتحدثون بنسبة 90 في المائة الدارجة المغربية، لكنهم لا يعرفون كيف تشكلت ومن أين جاءت خصائصها الصواتية والمعجمية والتركيبية.

السؤال الرابع يتعلق بأسباب انغلاق المغرب وسقوطه بين أحضان الزوايا والتقليد الذي عاقه عن تطوير أجهزة الدولة والجيش والإدارة، مع العلم أنه صمد في وجه العثمانيين وكذا الإسبان والبرتغال لقرون طويلة.

أما السؤال الخامس فله صلة بالمرحلة الاستعمارية وما حدث فيها من تطورات مباغتة تم تفسيرها بأشكال لا تخلو من تأويلات متعسفة، حيث عمدت الرواية الرسمية إلى إخفاء العديد من الوقائع والسكوت عنها وفبركة روايات مصطنعة لتعويضها، والهدف لا يتعدى  إخفاء أخطاء الحكام وإرجاع أسباب التدهور إلى أطراف أخرى خارجية أو داخلية.

إن هذه الأسئلة تجيب في الواقع عن سؤال محير طالما طرحته شخصيا منذ أيام دراستي الجامعية وهو : لماذا يعرف المغاربة عن الأجانب أكثر مما يعرفون عن أنفسهم ؟

 

الإبداع الأمازيغي تم تهميشه بشكل كامل لمدة طويلة بزعم أنه لا وجود له أساسا، كيف تعاملت مع هذا الموقف الرسمي ؟

 

بالفعل هو إبداع غير موجود داخل منظومة الثقافة الر سمية لأنه كان يمثل لمدة خمسين سنة الشكل اللارسمي للثقافة، أي صوت الهامش الذي لا تعترف به المؤسسة، ولهذا تعرض معظمه للضياع بسبب عدم وجود أية إرادة سياسية خلال عهد الملك الراحل الحسن الثاني لرعاية هذا التراث والعناية به والحفاظ عليه. ويعود هذا التهميش والإقصاء أساسا إلى نموذج الدولة الوطنية الذي تبناه المغاربة بعد الاستقلال، وهو النموذج الفرنسي القائم على مبدأ “التأحيد” وخلق التجانس المطلق، أي اعتماد العنصر الثقافي واللغوي الواحد وإقصاء بقية العناصر وعدم الاعتراف بالتنوع الذي كان يعتقد أنه يضعف الدولة المركزية، وهكذا اعتقد المغاربة لمدة طويلة بأن تنوعهم الخلاق والغني هو عامل تفرقة يهدّد وحدتهم، واعتقدوا بأن اللغة الواحدة والدين الواحد يمنحهم القوة والاستقرار، ليكتشفوا في النهاية العكس تماما، أن لا وحدة حقيقية مع الإقصاء الذي ينتج ثقافة الميز وعدم الاحترام بين المواطنين بسبب غياب المساواة، وأن التنوع إغناء للشخصية الوطنية وتقوية للنسيج الاجتماعي عندما يكون مدمجا في المؤسسات وفي المشروع التنموي الوطني.

طبعا تغيرت سياسة الدولة بعد حوالي 45 سنة من النقاش العمومي الذي تمحور على الخصوص حول إشكالية الهوية الوطنية، وأثمر نتائجه الإيجابية في مرحلة الملك محمد السادس الذي اعتمد نهجا مخالفا لوالده في هذا المجال، حيث أقر بوجود الأمازيغية وبضرورة النهوض بها في التعليم والإعلام والشأن المحلي والجهوي، وأنشأ مؤسسة خاصة لهذا الغرض هي المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، هذا المعهد الذي قام عمليا بين 2001 و2011 بمعيرة اللغة الأمازيغية وتقعيدها وتدقيق منهجية تدريسها وجمع وتدوين تراثها وإعدادها للاعتراف الدستوري الذي تحقق فعلا في سنة الحراك الديمقراطي 2011، لكن هذا لا يعني أننا تجاوزنا عنق الزجاجة، فما زالت الأمازيغية عرضة للميز بسبب استمرار العقليات القديمة، وتردد الدولة، وعدم وجود ترسيخ ديمقراطي نهائي يضمن حقوق الجميع بشكل لا رجعة فيه.

ولعل أهم إيجابيات المرحلة الحالية أن مسلسل مأسسة الأمازيغية قد مكن من جعل المغاربة  أكثر اعتزازا بثقافتهم الأصلية، كما سمح بإزاحة الستار عن مجهول التاريخ والثقافة المغربيين، حيث تبين أنه بدون الأمازيغية لا يمكن لأحد أن يزعم بأنه يعرف المغرب بكامله حق المعرفة.

 

يحاول الفقيه ـ الشيخ الهيمنة على عقول الناس باستعمال السلطة الدينية، لماذا ظلت هذه السلطة الدينية قائمة رغم أن مسلسل التحديث قطع أشواطا هامة منذ أزيد من قرن ؟

 

هو تحديث تمت عرقلته وتأخير وتيرته لأسباب عدة، أولها أنه مسلسل انطلق في عهد الحماية، فظهر للناس بأنه من آثار الاستعمار فاعتبروا بأن ثمرات الحداثة ثقافة غربية مخالفة لتقاليدنا، وقد غذت التيارات الدينية المتشدّدة هذا الزعم وعمقته في النفوس رغم أنه غير صحيح، لأن ثمرات الحداثة تضم الكثير من القيم التي ساهمت الحضارة الإسلامية في إرسائها، وكانت موجودة في الثقافة الإسلامية خلال عصور الازدهار التي  مضت وتم نسيانها جراء غرق المسلمين في عصور ظلماتهم خلال القرون الوسطى. ومن بين الأسباب كذلك حلول أنظمة استبدادية محل إدارة الاستعمار بعد الاستقلال، هذه الأنظمة التي أدت إلى فشل الانتقال نحو الديمقراطية والحداثة الثقافية والفكرية، بينما أنجحت التحديث المادي مثل بناء العمارات وشراء الطائرات والسيارات والمعدات التكنولوجية الحديثة، وهي أنظمة إلى جانب ذلك عملت بشكل كبير على تكريس عيوب الماضي عبر الاستمرار في استعمال الدين في السياسة، مما ساهم في نكوص الوعي وتراجع قيم التحديث والدمقرطة بشكل كبير في مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط. كل هذا أدى إلى استمرار السلطة الدينية في الحياة السياسية ووصاية الفقيه على المجتمع، مما عرقل انتشار المعرفة العلمية وقيم المجتمع الديمقراطي. وتجدر الإشارة إلى أن المفارقة التي عرفتها هذه المرحلة هي أن إقامة بنيات الدولة الحديثة وخاصة منها التعليم النظامي العصري تقتضي تراجع دور الفقيه والسلطة الدينية لصالح مفهوم المواطنة وسلطة القانون، غير أن هذا لم يحدث بسبب وقوع خلط بين بنيات الدولة الحديثة وبنيات الدولة السابقة على مرحلة التحديث، مما أنتج لنا دولة مزدوجة بوجهين: تقليداني متجذر وحداثوي سطحي. وهذه الازدواجية بالطيع لا تسمح بنجاح الانتقال نحو الديمقراطية كما تعرقل مشاريع التنمية الدائمة والشاملة.

 

واقع العالم العربي كما تراه حاليا ؟

 

لا أرى عالما عربيا بقدر ما يمكن الحديث عن دول تربط بينها بعض الخصائص المتقاربة  كما تختلف في تاريخها وسياقاتها ومكوناتها عن بعضها البعض، لكنها كلها تواجه معضلة حقيقية هي عدم القدرة على الحسم النهائي في اختيار الانتماء إلى العصر الذي نحن فيه، مما جعلها مشدودة إلى ماضيها المليء بالسلبيات، والذي تقدمه للأسف في كثير من الأحيان على أنه ماض براق وإيجابي. هناك صعوبة في إنجاح تجارب الانتقال السياسية، حيث رحل زعماء مستبدون ليعوضهم آخرون لا يقلون استبدادا، وإن غيروا بعض أساليبهم، كما أن هناك عودة رهيبة للتدين المتشدّد الذي جعل مجتمعات شمال إفريقيا والشرق الأوسط أقلّ تسامحا بكثير مما كانت عليه، وهناك حاليا للأسف مؤشرات كثيرة تدلّ على الاستعداد لمزيد من الحروب التي قد تؤدي إلى مزيد من الخراب، دون أن ننسى عجز هذه البلدان عن الخروج من وصاية القوى الدولية الحريصة على مصالحها المادية بالمنطقة.

 

هل أنت راض عن دور الفكر في إرساء ثقافة الحياة والقيم الإنسانية النبيلة، أم تراه مكبلا إلى درجة تجعله مشلولا ربما ؟

دور الفكر في البلدان التي ذكرناها هو دور ذيلي وتابع، حيث يُراد للمفكر أن يستجيب لميول المجتمع عوض نقدها، كما أن الصدارة للسياسي على حساب المثقف، وهذا ما يدفع بالمثقف إلى نوع من العزلة أو المجازفة الغير مأمونة العواقب، لكن هذا لا يعني أنني متشائم، بل على العكس أعتقد أن الفكر لا يموت عندما يكون صادقا وعميقا وإنسانيا، فالقيم الانسانية تنتهي دائما بأن تنتصر وتسود، والفكر هو حامل تلك النزعة الإنسانية التي وحدها تستطيع إنقاذ الإنسان وجعله في مستوى ماهيته التي تحدده بوصفه كائنا عاقلا.

 

أنت مارست تدريس الفلسفة، لماذا يخاف معظم الناس من الفكر الفلسفي في البلدان التي ذركناها ؟

 

الفلسفة تخيف أصحاب العقول الراكدة لأنها قلق دائم يسائل الأوهام المزمنة، كما تخيف الحكام الذين يسعون إلى تكربس أخلاق الطاعة والولاء على حساب الفكر النقدي، نتذكر كيف قام الحسن الثاني بإغلاق شعبة الفلسفة السوسيولوجيا مرتين بالجامعة المغربية، لقد كان يعتبر أن هذه المواد هي التي توقظ المعارضة ضد نمط حكمه، هو الذي كان يريد أن يظل سلطانا تقليديا بأقنعة حداثوية خارجية. نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى الفلسفة لمواجهة العنف المتصاعد واللاتسامح والجهل الزاحف على العقول.

Related Posts via Categories