أصبحت البشرية اليوم تشهد ظاهرة عالمية غربية تسمى بالعولمة و تسعى لتوحّد فكري ثقافي واجتماعي واقتصادي وسياسي، نظرا لكونها تحمل تحدياً قوياً لهوية الإنسان خاصة بما يستهدف توظيف وسائل الإتصال ووسائل الإعلام ، والشبكة المعلوماتية والتقدم التكنولوجي بشكل عام لخدمة ذلك ، فلم يعد هناك أي حواجز جغرافية أو تاريخية أو سياسية و ثقافية ، و أصبح العالم يخضع لتأثيرات معلوماتية وإعلامية واحدة تحمل قيم مادية وثقافية، ومبادئ تتجلى عبر العالم الذي نعيشه اليوم فهو عبارة عن قرية صغيرة بفضل تكنولوجيا المعلومات ، فساهمت التقنية الحديثة في تطور العلم وجعله مختلفا عن الأمس ، فشهدنا في منتصف القرن العشرين تصاعدا في العلاقة بين صناعة السينما وبين أحدث وسائط المعلومات والإتصال، حيث تحمل التكنولوجيا دور القوة والسلطة فتنقلنا إلى عالم مفتوح النهايات يرفض الحدود والمستحيل، ومن هنا يمكننا الحديث عن إنشائية الصورة الرقمية في السينما المعاصرة والتي تنتج لنا عدة مفاهيم أبرزها “الإفتراضي” .
فينقسم الواقع الإفتراضي إلى قسمين ، الأول محاكاة بيئية حقيقية ونعني بذلك التصميم الداخلي للشىئ فيكون أقرب للواقع من الخيال ، أما الثاني فهو تصميم بيئة خيالية والهدف من هذا الأخير هو تحقيق ما لايمكن تحقيقه واقيعيا ، ففرضت التقنية الرقمية نفسها بشدة في السينما المعاصرة، فيتمكن المخرج من اخراج عمله الفني بطريقة إحترافية وبأقل تكلفة فيستغني بذلك عن الديكور الحقيقي ويستبدله بآخر إفتراضي ، هو ديكور خيالي وقع إنتاجه عن طريق الحاسوب، ويكون العمل السينمائي بذلك أكثر إبداعا وإنفتاحا وخلقا لأفاق جديدة ورحبة مما يساهم في خلق “أفلام الخيال العلمي”.
أضافت “التكنولوجيا الرقمية” إمكانيات متطورة في عملية الإنتاج السينمائي، التي أتاحت لصانعي أفلام الخيال العلمي إضافة شخصيات غير موجودة في الطبيعة، وهذا ما يخلق صورة جديدة، فأثرت الصورة الرقمية بشكل مباشر على كل خطوات الإنتاج السينمائي من خلال تجليات الثورة المعلوماتية والتطورات التكنولوجية ، حيث تعتبر الصورة الرقمية وسيلة توصيل وتواصل، و لتصبح بذلك وسيلة فرضت برنامجا مستحدثا في صناعة السينما، فهي وسيلة اتصال جديدة لها تقنياتها وظواهرها الخاصة بها، و ذلك عبر تقديم العديد من الخدمات التكنولوجية و الإفتراضية و التي وظّفت في فن السينما، و لعل هذا ما يتأكد عبر تشكيلات الصوت الرقمي والخدع البصرية والمؤثرات الفنية الرقمية، و ذلك عبر الديكور الإفتراضي الذي تتم صناعته بالأبعاد الثلاثية و هو ما يتجلى في أغلب أفلام الخيال العلمي ، وبالتالي أسست السينما الإفتراضية سيميائيتها الخاصة بها، وارتقت بنفسها الي مستوى أرقى لا يعرف الحدود لتتجلى عبر ” تحليل الخطاب السينمائي سيميائياً ،يستلزم اعتماد ما اقترحه (بيرس) في الصورة المتحركة أو حركية الصورة ،وكذلك قراءة (كريستيان ميتز) في تطويره لعلم العلامات كأسلوب للتحليل السينمائي، وسوف تتم الاستعانة أيضا بأفكار (يوري لوتمان) في مدخله السيميائي للفيلم السينمائي ،منطلقين من رؤية (أمبرتو إيكو) للسيميولوجيا على أنها العلم الذي يدرس سائر الظواهر الثقافية بوصفها أنظمة للعلامات قائمة على فرضية مؤداها ؛ إن ظواهر الثقافة جميعاً ماهي في الواقع سوى أنظمة علامات”
فالصورة السينمائية القائمة بالأساس على تقنيات رقمية إحتلت عقول الكثير من المشاهدين ، بإعتبار أن السينما الرقمية لها جاذبية لدى المتلقي نظرا لعيشه داخل نظام تكنولوجي، يبحث من خلالها عن جمالية جديدة في الصورة السينمائية ، والتي ” تنجز عبر مرحلتين: الأولى ، هي التي يصب فيها المخرج كل طاقاته الإبداعية من أفكار وأساليب تقنية لكي تكون الصورة “الفيلمية” بمستواها الفني المرموق ونصوصها ودقة ألوانها وإشراقها. أما المرحلة الثانية، فهي أن يكون الجمهور حاضرا في ذهن المخرج، بمعنى آخر إن المونتاج حين يصوغ تصوراته بين حجم الفيلم وطوله وعمقه ومحتواه وإيقاعه ، فإنه يفرض تصورا مركزيا للصورة السينمائية واتجاهاتها في مخاطبة الآخر ” .
فالصورة الرقمية الإفتراضية تشكلت في مجال السينما كاتجاه جديد ، بما يسمى بالسينما الرقمية، حيث أنها توغلت في عقل الإنسان المعاصر ، وغيرت مفهوم فن السينما من خلال خلق صورة تفاعلية إبتكارية وذلك عبر أسلوب جديد للتواصل والتحاور بين الإنسان والآلة ، فارتبط العقل البشري بالتكنولوجيا الرقمية للحصول على قدرات حسيّة ومعرفية حديثة ، جعلت من التكنولوجيا قوام المجتمع المعاصر
لقد تميزت الثورة الرقمية بوسائل اتصالية تفاعلية وبانتشار غير مسبوق، الأمر الذي جعل من المجتمع يتعامل أكثر فأكثر مع التكنولوجيا الرقمية ، إنه أسلوب متطور ، فعّال ومستمر ،فيقدم لنا المخرج صورة سينمائية في غاية الإتقان، تعتبر روح جديدة تنبثق من رحم التكنولوجيا عبر قاعات العرض السينمائي، فدخلت عصرا جديدا و تأثرت بالتكنولوجيا الحديثة.
و أصبحت التكنولوجيا الرقمية تشكل أداة أساسية في صناعة السينما العالمية ، هذه السينما التي تتوجه بالأساس الى الشباب ، المتطلع على كل ماهو حداثي ، والذي يبحث عن الإبهار التقني الذي فاق وتجاوز كل الحدود الزمانية والمكانية ، فهيمنت السينما الأجنبية بشكل واضح بفضل الثورة الرقمية، و احتلت عقول الأغلبية من المشاهدين .
فقد حملت السينما في عاتقها دور تثقيف المجتمع ، فهي تقوم بتأريخ أدق تفاصيل حياة الإنسان ومدّه بكل ماهو حديث ليكون بذلك المجتمع معاصر لكل التطورات التقنية ، لذلك ساهم المخرج والمنتج و السيناريست في تطوير الفن السابع والإبتعاد كليا عن المحاكاة الروتينية والتي تحدّ من الخيال ، الأمر الذي جعل من صناع الأفلام ابتكار وسيلة جديدة وحديثة تعمل على تطوير الخيال، أو مايسمى بالخيال العلمي ، الذي يعتمد على تقنيات حديثة على مستوى الصوت، الصورة ، الرسم ثلاثي الأبعاد، رباعي الأبعاد ، وحتى على مستوى اللون الذي أصبح أنقى وأصفى، كذلك اجهزة المونتاج الرقمي والتي تقوم بتحويل الفيلم الى مادة رقمية تعرض المشاهد كلها امام الذي يقوم بالمونتاج ، وهو ما يجعل من العمل سهلا وعملية الإنتاج بشكل أفضل، وبالتالي فإنّ “إبداع التقنية” الذي توفره التقنية الرقمية الجديدة والذي يعدّ بتغييرات جذرية في جمالية الصورة وانتشارها ، بدأ بترك بصمته الأوضح على الصورة السينمائية للألفية الثالثة ، بدلا عن “تقنية المبدع ” في القرن العشرين التي أعطت الثورة التقنية دلالاتها الطبيعية والإنسانية، هذا المتحول الذي سيحمل المشروع الوطني تطورا كبيرا في التقنية لايفقد السينما كوادرها ومبدعيها وإنسياتها.”
فالثورة الرقمية أثرت بشكل مباشر على كل مراحل الإنتاج السينمائي ، حيث تختلف السينما الرقمية عن السينما التقليدية “فالفيلم الرقمي = مادّة مصورة بالتصوير الحي + الرسم+ المعالجة الرقمية للصورة + التركيب+ التحريك 2-D بالكمبيوتر + التحريك 3-D بالكمبيوتر ” فعبر الوسيط الإلكتروني الرقمي يمكن إخراج أفلام الفنتازيا والخيال العلمي والأكشن بشكل أسهل فبحسب رأي “مانوفيتش” ” السينما الرقمية هي حالة خاصة من الرسوم المتحركة تستخدم لقطات التصوير الحي كأحد عناصرها الكثيرة” نظرا لما شهدته السينما من تطور بفضل التكنولوجيا الرقمية ، أصبحت واحدة من أبرز صناعات العصر وأكثرها انتشارا وتأثيرا على المتلقي لما تحمله في طياتها من إبداع وإبتكار ، فالأفلام التي ترتكز بالأساس على التقنيات الرقمية تعتبر هي الأكثر دخلا نذكر على سيبل المثال فيلم “أفاتار”.
فسينما العقد الأخير جمعت بين الإبداع والإبتكار السينمائي والنجاح الجماهيري، و هو ما ساهم في الإرتقاء بهذا الفن الى أبعد الحدود ، هذا الأمر الذي جعل منها فنا قائما بذاته ، فنا جامعا لكل الفنون.

 

 

1) حسن قاسم : سيمياء الصورة السينمائية ، دار الشؤون الثقافية العامة ، الطبعة 2016
2) عقيل مهدي يوسف: جاذبية الصورة السينمائية، دار الكتاب الجديد المتحدة ـ بيروت ، الطبعة الأولى،2001
3) نهلة كامل: السينما تخلق: طقوس الألفية الثالثة، منشورات وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما في الجمهورية العربية السورية، 2001
4) حصاد القرن: المنجزات العلمية والإنسانية في القرن العشرين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،
2008

 

 

 

 

 

Related Posts via Categories