يعتبر التصوير الشرقي تشكيلا فنيا نتأمل عبره جمالية المنمنمة التي تمثل فنا توضيحي وتشمل عدة خصائص مميزة تقنية أسلوبية ووظيفية, و بالبحث في معناها تعتبر المنمنمة إطار مصغر يحتوي مجموع أحداث تعبر عن واقع معيشي عرفته الأمم السابقة و تناوله الفنان برؤية تشكيلية تراهن على البعد الحكائي للأحداث, و من أشهر فناني العالم العربي الإسلامي نجد “يحي بن محمود الواسطي(1) الذي شكل مقامات الحريري و أدمجها عبر النص المكتوب.

فالمنمنمة فن عرفت به المخطوطات العلمية و الأدبية على حد السواء و رؤية تعبر عن إستثمار فني لأحداث تجمع بين الواقع و الخيال وتعتبر أداة خلافة لعالما مبتكرا يستثمر كل الأبعاد الفنية, وهي أيضا إنتاج فني صغير الأبعاد يتميز بدقة في الرسم و التلوين و هو إسم يطلق على مجموع الأعمال الملونة و غيرها من الوثائق المكتوبة, حيث تمثل المنمنمة أسلوب فني يحتوي على خط جمالي موحد لها وفق إشارات فنية تشكيلية, ” ففن المنمنمات (…)، صوّر أعمالا فنية في شكل مصغّر، حيث تشكل جرعة كاملة أو زخرفة مطليّة على شيء ذو قيمة (غلاف الكتاب، مسطح)، وفي هذا المعنى فإن فن المنمنمات يستخدم الألوان المائية، والأكوارال على الورق أو العاج، مواد شفافة قليلا، وأحيانا تكون مصوّرة على النحاس.(2)

لتحتوي بين طياتها أحداث و معاني تقوم بها عبر زخرفة تعطيها حرية في التصوير و التشكيل, و رؤى تتحقق داخل السطح الورقي و تجلب إليها المشاهد ليبحث في أبعادها الفنية, كما تعبر عن مشاهد الفروسية و تحاكي أحداث خيالية وظفها الفنان عبر إبتكار أشكال تكون فيها القصص الحربية بمثابة نسيج فني يتجلى عبر المنمنمة وقد تعددت المدارس الفنية للمنمنمة فهناك‌ المدرسة‌ البغدادية‌ و المدرسة‌ المغولية‌ و المدرسة‌ التيمورية‌، ثم‌ المدرسة‌ الصفوية‌ و المدرسة‌ المملوكية‌ و المدرسة‌ التركية‌ و المدرسة‌ الهندية‌، ثم‌ المدرسة‌ المعاصرة‌.

و قد عرف‌ هذا الرسم‌ اهتماماً واسعاً في‌ إيران‌ ، وكان التطور الفني للمنمنمة الإيرانية أداة مؤثرة لظهور المنمنمات التركية التي وظفت نفس الأسلوب كأداة تشكل علامة فارقة لظهور تصوير تركي حربي عرفت به المدارس على إختلافها وتميزت بظهور أشكال وظيفية تحاكي براعة الفنان “بهزاد” عبر مزج لوني وشكلي يكشف عن تعبيرية وجمالية فنية, “فبهزاد إمتاز ببراعة عظيمة في مزج الألوان وتفهم أسرارها وفي التّعبير عن الشّخوص وحركاتهم، وعن الحالات النّفسية المختلفة لهم، كذلك إمتاز بمقدرة على رسم العمائر (…)، كما تميزت أعماله بإبداع التركيب فيها ودقة الزخرفة وإنسجامها مما يشهد بأن بهزاد كان مصورا بارعا، إنتهى على يده تطور التصوير الإيراني في عهد المدرستين الإيرانية المغولية ثم التيمورية”(3)         

فكل من المنمنمات التركية والإيرانية تحاكي نفس الأبعاد ونفس المعاني ونفس المواضيع، وكلّها تحاول بلوغ الصورة الحربية عبر رحلة تشكيلية تستحضر أحداث و روايات حربية جعلتنا نعايش الحدث من خلال إعتماد المنمنمة كمرجعية فنية نلامس عبرها أحداث هذه الصراعات، حيث يمارس الفنان دورا تشكيليا فيه أحداث تاريخية ضمن زخرفة لونية ربطت ما هو حربي بما هو جمالي تشكيليي ليجعل بذلك من الظاهر أداة للوصول إلى الباطن.

ان التشكيل الفني للمنمنمة الإيرانية و التركية يكشف عن العلاقة التكاملية بينهما فكلاهما منفتح على الآخر بإعتبار أنهما يتميزان بطاقات تعبيرية تمثل إنفتاح خيالي يستلهم من بواطن الروح الخصائص الفنية و التشكيلية للمنمنمة الإيرانية التي تجسدت ضمن طيات المنمنمة التركية, فقد نقل المئات من المصورين من إيران ليرتكزو في الدولة العثمانية مند أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر لتكون بذلك مدرسة “هراة” هي الكاشفة عن الأبعاد التأثيرية مع المدرسة “التركية” فكلاهما مزج الألوان القوية وجعلها المكونة للصور الحربية وذلك عبر الكشف عن وحدة قوية تجمع بين الروح الإيرانية و التركية وتكشف عن نشئة مراكز فنية عديدة كان الملوك يحكمونها, فهو ما يظهر لنا تأثر السياسيين بالفن ضمن رؤية إنسجامية تنم عن صناعة إيرانية تركية تزداد قوة وهيمنة في كل المجالات.

فالحروب أنتجت تلاقح حضريا تجسد في المنمنمات التشكيلية لتكشف عن » توحيد بين المألوف و الغريب ، وبين الواقعي و غير الواقعي (4), فالفنان يصنع الرموز اللونية والتشكيلية ليكشف عن مكانة الموضوع ومدى علاقته بالواقع و اللاواقع وكذلك عبر قدرته على التشكيل والخلق ضمن جمالية تؤكدها العلاقة الفنية بين المنمنمات الإيرانية والتركية التي تستلهم أبعادها وتصوراتها ضمن رؤية منفتحة على النص الشاعري الحكائي والمروي مشافهة والمنقول تشكيليا, فالقارئ و المتفرج ينفعل مع التأثيرات الأسلوبية و الفنية التي ترسم مشهدا دلاليا يستقي مكوناته من الأبعاد التأويلية للصورة الحربية وعبر إنطباعات وجودية تتشكل فيها المنمنمة الإيرانية والتركية على حد السواء.

فهنا نرى أن التصوير التركي للمنمنمة وليد للفن الإيراني الفارسي  و ينبع منه حيث حافظت هذه الأخيرة على دلالاتها التي تتجاوز الألوان و الأشكال, إلى معان ورموز ودلالات عميقة لا يمكن إدراكها, فما يبدو لنا من ألوان و أشكال يطرب لها المتفرج تكتنز على العديد من المعاني و الدلالات التي لا يمكننا إدراكها إلا بالبصيرة وهو ما يدفع للتأمل في المعاني الخفية خلف التشكيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع:

(1)  http://newsabah.com/content

(2)  Etienne Souriau . Vocabulaire d’esthétique , Presses Universitaires de France 1990, p 101 .

 

 

(3) د.زكي محمد حسن، الفنون الإيرانية في العصر الإسلامي، دار الكتب المصرية القاهرة، 1964

(4) كوين جان ترجمة أحمد درويش ،بناء لغة الشعر، مكتبة الزهراء, 1985

 

 

Related Posts via Categories