المقامة المغاربية / عمارة صالح

 حدّثني أحدُ الفِتيان فقال:

ذاتَ صيفٍ حَمَتْ رأسي، فحملتُ في صمتٍ جوازَ سَفَرِي و بعضَ لِبْسِي، و قرّرتُ أنْ أعبرَ الحدودَ و أنْ لا أعودَ، و لمْ يكنْ معِي منَ المالِ ما يكفينِي سُوءَ الحالِ، و ليسَ لي سوابقُ خَوْضٍ في الأسفارِ، و كنتُ

أَلْيَسَ لا أبرحُ دارِي. حينَ أتيتُ مركزَ الشرطةِ الجزائريةِ، ثم مركزَ الشرطةِ التّونسيةِ، سَألونِي عنْ وِجهتِي، فقلتُ: إلى فِرْياَنةَ أُحضرُ بعضَ الأدويةِ. و لمّا دخلتُ فِرْيَانَةَ وقتَ الهَجِيرَةِ في إحدى السّيارا تِ الأجيرةِ، سألتُ أهلَها عمّا بعدَها، فقالوا: و هلْ مُنتهَاكَ هُناكَ؟ قلتُ كيْ يتّضحَ اللُّبْسُ: إنّمَا وِجْهَتِي طرابلسُ. قالوا: شيءٌ بسيطٌ! تسافرُ قَفْصَةَ ثمّ قَابُسَ ثمّ طرابلسَ على التّوالي، و بأيسرِ مبلغٍ منَ المالِ. قلتُ: شكرًا أسيادِي على حُسْنِ الإرشادِ، و عجّلتُ بالرُّكُوبِ إلى قفصةَ عاصمةِ الجنوبِ. بعدَ أقلَّ من ساعةٍ وصلنا إلى المَحطّةِ، أينَ الْتقيتُ جزائريًّا لا تبدُو منْ أسنانِه المُنحطّةِ مظاهرُ الغِبْطَةِ، أخبرني أنّه منْ تُجّارِ الشّنْتَةِ، و أنّه احْترفَ تجارةَ الطّريقِ الّتي أخرجتْه منَ الضّيقِ، و دَعانِي بِلَباقةِ اللّسانِ أنْ نُشَكّلَ ثنائيين يترافقانِ، و ادَّعَى أنّ دراهمِي و دراهمَه سِيّانِ، فعرفتُ منْ كلامِ هذا الرّجلِ الفَلِيقِ أنّه سيحتالُ عليَّ في منتصفِ الطريقِ، غيرَ أنّي أضمرتُ شُعورِي، و انطلقنا أحدّثُه بِكلامٍ أحلى منْ دِبْسِ التّمورِ، حتى بدتْ قابسُ المشهدِ الجميلِ وسْطَ غاباتِ النّخيلِ. نزلنا و كانَ الدّيجورُ قدْ حلَّ علينا، فقالَ صاحبِي المخبولُ: ننظرُ خانًا في الجوارِ يروقُ فيه النّزولُ، نتعشّى و ننامُ و غدًا يكونُ كلامٌ. قلتُ: ولكنّنا عابرانِ لا سائحانِ، و المالُ ينفدُ إنْ بدأناهُ منَ الآنَ. نبقَى في المحطّةِ يقظينِ باِلمَرّةِ، و نُكملُ السَّمْتَ عندَ الْغُرّةِ. قالَ: ننامُ فوقَ الكراسِي، و نفطنُ واحدًا واحدًا لِلعَسَاسِ. قلتُ: إنّ بطنِي تُقرقرُ منَ الدَّيْقُوعِ، فَأْتِنا بشيءٍ نأكلُه قبلَ الهُجُوعِ. فرأيتُه يهمُّ إلى الحانوتِ، و قدْ شَحُبَ لونُه مثلَ الحوتِ يخرجُ منَ الماءِ. و بعد هنيهةٍ، عادَ بِلُهاسٍ طيبِ اللّوَاسِ، أنهيناهُ و تظاهرتُ بالنُّعاسِ، و كانَ منْ فَيْنَةٍ لأخرَى يجسُّ إحساسِي. قلتُ: باتَ ليلُنا طويلا، فنَمْ أنتَ قليلا. و اسْتنامَ، و استنمتُ، و عسَّ و عسستُ، حتى أطلَّ الصّباحُ. قالَ: سياراتُ طرابلسَ عند البابِ، تنادِي على الرُّكابِ. قلتُ: اُحجزْ مقعدين على حسابِي يا أعزَّ الأصحابِ. قالَ: هيّا بنا للصعودِ. قلتُ: مهلا، أغسلُ وجهِي ثمّ أعودُ. قالَ: لا تبطئْ، و هاتِ متاعَك أسدُّ به مكانَك. قلتُ: إنّ – في الحقيقةِ- بَشكيرِي داخلَ الحقيبةِ، و مشطِي الّذي تحلُو به تسريحتِي. قالَ: لا بأسَ! لكنْ عليكَ بالانتباهِ لدورة المياهِ، فللرّجال بابٌ و للنساءِ بابٌ. مشيتُ أمتارًا، تنهّدتُ بُخارًا، جعلتُ الحقيبةَ على كِتْفِي، و نظرتُ خَلْفِي، و قلتُ: أوانِي للتّخلُّصِ منْ هذا الأنانِي. سألتُ في شارعٍ آخرَ عنْ موقفِ الحَافلاتِ، فأشارُوا عليَّ بالبنانِ، و انتهيتُ إليهِ في بضعِ ثوانٍ. شكرتُ الله إذْ نجّانِي، و وجدتُ حافلةً بالمَجّانِ، تُقِلُّ جماعةً منَ الشّبّانِ يهتمُّونَ بدراسةِ الآسَانِ في المغربِ العَرَبِي. قالَ الرئيسُ: نأخذُكَ حتى مركزِ الحدودِ بينَ تونسَ و الجماهيريّةِ، و تكملُ المَسَافةَ المُتبقيّةَ في السّياراتِ العُموميّةِ. مَضَتِ الحَافلةُ للطّريقِ فورَ الْتِمَامِ الفَريقِ، فكانَ الشّبّانُ يُغَنّونَ و يَمِيدُونَ على وقْعِ الأنغامِ، و كنتُ جالسًا في الأمامِ، بينَ اليَقْظَةِ و النُّوَامِ، لأنّني  تَعْبَانٌ و جوعانُ و تيهانٌ.

 لمّا بلغْنا مركزَ الحُدودِ ابنِ غردانَ، ودّعتُ الشّبّان، ثمّ نحوتُ نحوَ الجُمْهورِ، أستتِمُّ إجراءاتِ العُبورِ، و ما كانتْ إلا لحظاتٌ و دخلتُ التّرابَ اللّيبيَّ. نظرتُ طويلا منَ السّيارةِ، و قلتُ في نفسِي: هذه الصّحراءُ المُتَرَامِيةُ، و هذا الرّيفُ، فأينَ تمضِي أيُّها الْعِسِّيفُ?! قالَ السَّائِقُ الْعَرِيفُ: لا تَشْغَلْ بَالَكَ أيُّهَا العُمُدَّانِي، و اتْرُكْ حَالَكَ لِلرّحْمَانِ. و حِينَ انْتَهَيْنَا إلى طرابلسَ في الْمَسَاءِ، كنتُ قدْ هلكتُ منَ الْعَيَاءِ، فحَملتُ قدميَّ بِجَهْدٍ جَهِيدٍ، و جُلْتُ بِعَينَيَّ بعضَ الأزقّةِ، فمَا رأيتُ غيرَ فُندقِ السّلامِ، و مكثتُ فيهِ خمسةَ أيّامٍ، أنامُ بِاللّيْلِ و أبحثُ عنِ الْعَملِ بِالنّهارِ. طرقتُ دكاكينَ الحِرفيّينَ و مَحلاتِ الْبَاعةِ و المَقاهيَ و المَطاعمَ و الفَنادقَ و المِيناءَ و كلَّ مَكانٍ، دُونَ جَدْوَى، و كَأنّ فِي جَنَبَاتِي عَدْوَى! أحسستُ بالإفلاسِ الدّاهمِ، فقرّرتُ العودةَ قبْلَ نَفَادِ دَراهمِي. و أثناءَ الطّريقِ، لَمَحْتُ صديقِي – الّذي سبقنِي إلى هنا- جالسًا أمامَ مقهَى، واضعًا مِرفقيْهِ على دَفّتَيِّ الْكُرْسِيِّ، مُتأمّلا السّياراتِ الذّاهبةَ و الآيبةَ. صرختُ مذهولا: قفْ يا سيّدِي، أريدُ النّزولَ. قالَ: هُنا! قلتُ: نعمْ، طريقِي انتهَى، و شُدَّ عندكَ ما بقيَ. أتيتـُه، حتى إذا دنوتُه، ابتسمَ و قالَ: لَحقتنِي أيُّها العَجيبُ! و مَلأ وجهَه البِشرُ و التّرحيبُ. قلتُ: و أينَ تذهبُ منّي أيُّها الجِنّيُّ؟ و مَا هذِي المَدينةُ الرّمضاءُ؟ و مَا هذا الْعُثْنُونُ الْعَتُونُ عليكَ؟ قالَ: هذهِ صَبْراتَةُ، و ذاكَ حالُ غَريبٍ لمْ يَظفرْ بِنَصيبٍ. قلتُ: ألا تعملُ؟ قالَ: بلى، و لكنْ لا أكسبُ. قلتُ: و ما ضربُ العَملِ؟ و أين المَضرِبُ؟ قالَ: نادلٌ في مطعمٍ قريبٍ منْ هنا، فهيّا بنَا. قلتُ: لِمَ لمْ تُهاتفْنِي يا أحمقُ؟ و قدْ وعدتُك أنّي سَأدبّرُ المَالَ و ألحقُ. قالَ: و اللهِ أنتَ دومًا على بالِي، لكنّ الهَاتفَ غَالٍ. و دخلنا الفُندقَ. قالَ صاحبِي: هذه غرفتِي التي سنقيمُ فيها. قلتُ: و هلْ أنت مُكتريها؟ قالَ: لا، إنّما المَالكُ أعطانيها. فعلمتُ فيما بعدُ أنّ تقشيرَ البطاطا و غسلَ الصُّحونِ عملٌ يبعث على الجُنونِ. قالَ صاحبِي: إنّ هناك فندقًا في طريقِ السّاحلِ، يبحثُ صاحبُه عن أحدِ الرّجالِ، يُمسكُ له مكتبَ الاسْتقبالِ، فإنّ شِئْتَ رأيناهُ غدًا. قلتُ: و هلْ يقبلُ بي؟ قالَ: طبعًا، فأنتَ الخطَّ و القراءةَ  تُجيدُ، و ذاكَ ما يُريدُ.

في الْغَدِ استيقظْنا باكرا، و مشينا الْعُجَيْلَى في طريقِ السّاحلِ، حتى بدا نزلُ الهناءِ، فقالَ صاحبِي: اسْتعِدَّ لِلّقاءِ، قلتُ: أتَمَّ الاسْتعدادِ. دخلنا مكتبًا أشبهَ بِمُسْتودعٍ، فسلّمنا على عجوزٍ نُلْنُلٍ أشْمَطَ، و شابٍّ أسْمَرَ بِجانبِه. فحدّثهما صديقِي عنْ سِيرتِي، و بَدوتُ أنا منْ حِيرتِي شابًّا وديعًا أملدَ. تأمّلتُ عجلاتِ السّيارةِ و الخِزانةَ و السّريرَ، و قلتُ في سَريرتِي: يا لَغرابةِ المَكتبِ، جمعَ بينَ المَطّاطِ و الحَديدِ و الخَشَبِ! قالَ الْعَجوزُ: حَسَنٌ ما سمعتُ، و قد قبلتُ. أمّا عملُك فجدُّ بسيطٍ، تبدأُ السّابعةَ في الصّباحِ، و تُتِمُّ السّابعةَ في الْمَساءِ، و لك أنْ تأخذَ خمسَ دقائقَ لِلغداءِ. و النّازلونَ عندَنا أغلبُهم جزائريّونَ أو تُونسيّونَ، تَستقبلُهم أحسنَ اسْتقبالٍ، ثمّ تأخذُ جَوازاتِهم و تُسجّلُ كاملَ البَياناتِ، تُسلّمُهمُ المَفاتيحَ و تُرشدُهمْ إلى الحُجُرَاتِ، و لا أحبُّ أبدًا أنْ تغفلَ عنِ المَكتبِ لحظةً منَ اللّحظاتِ. و أشارَ إلى الشّابِّ الأسْمرِ: هذا ابْنِي حَكيمٌ، يَستلمُ عنك العملَ عندَ السّابعةِ في المَساءِ، فتُحاسبُه بِجُنَيْهَاتِ منْ غادرُوا، و جوازاتِ منْ بَقَوْا. قلتُ في نفسِي: كلُّ شيءٍ يَجوزُ عندَ هذا الْعَجوزِ ما عدَا حُقوقِ الإنسانِ! أمّا أجرتُك، فأعْطيكَ ما أُعطي ابْنِي، و مَا أعطيتُ قبلَك العَاملينَ، مائةً و خمسينَ جنيهًا في الشّهرِ. و أمّا حجرتُك، فهيَ كلُّ حُجرةٍ لا يَنزلُ فيهَا مُسافرٌ، و إنِ امْتلأتْ جميعًا، فلكَ سريرُ الْمَكتبِ دومًا شاغرٌ. أمّا الْمَأكلُ، فلكَ الْمَطعمُ، تأكلُ حتى تَتخمَ، و لَيتَك تَشترِي طَنْجرَةً  و قُوَيرِيرَةَ غازٍ، فتطبخَ طعامَك كيْ لا تَخسَرَ. حرّكتُ الرّأسَ! و قلتُ: لا بأسَ! و متى  أباشرُ العملَ؟ قالَ: من غدٍ.

عملتُ لدَى هذا الْعَجوزِ الحِصْرِمِ ستًّا و عشرينَ يومًا، فرأيتُ منْ شُحِّـه ما لمْ يُحْكَ في قصصِ الْعربِ، و ما لمْ يُدوَّنْ في الْكُتبِ. مَلبسُه جُبّةٌ عليهَا فَرْوٌ، و نَعْلُهُ خُفٌّ مَطّاطِيٌّ بَاسِمٌ، و مَأكلُه سَلاطةُ فُلْفلٍ و بَصَلٍ، و مَشربُه شايٌ أحمرُ، فكانَ لا يُبقِي فُتاتًا في الصَّحنِ و لا قطرةً في الْفِنجانِ، و لا يَدعُو أحدًا إلى الْخِوانِ. و كانَ يَشكُّ أنّي أسرقُه، فسمعتُه يُحدّثُ ابنَـه أنْ لا ثقةَ في إِنْسِيٍّ، و أنّ دينارًا خيرٌ منْ وجهِ عربيٍّ. و الْحَقيقةُ أنّ ابنَـهُ هوَ اللِّصُّ، لأنّـه مغرومٌ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، و سَهَرِ اللّيَالِي الْحُمْرِ. أمّا أنا، فمَا كنتُ آخذُ إلا بَرْضًا منَ المالِ، أُدَبِّرُ بهِ أحوالِي، فلا يُمكنُ أنْ تكونَ أُجْرَتِي في الشّهْرِ مائةً و خمسينَ، و أَصْرِفُ في  اليومِ عشرين!

سَئِمْتُ عَمَلِي أيّمَا سَأَمٍ، و غَدَوْتُ منهُ في سَدَمٍ، فحدّثتْنِي نفسِي أنْ آخذَ إحدَى حصائلِ اليومِ و أهربَ، لكنّنِي اسْتعذْتُ بِاللهِ منْ هَسَاهِسِ النّفْسِ و وَسَاوِسِ الشّيْطَانِ، و اسْتأذنتُ الْعَجُوزَ ربَّ الْخَانِ، فانْتَفخَ وجهُه الْمُطْبِقُ منَ الْكِبْرِ، و قالَ: انتظرْ خارجًا، فانتظرتُ حتى عِيلَ صبْرِي، ثمّ نادانِي و أعطانِي أجرةَ ما عملتُ منَ الأيّامِ، و قالَ: هيّا اُغرُبْ منْ أمامِي، فغربتُ منْ أمامِه، و عُدتُ إلى الْبلادِ معَ خِلِّي الْمَحبوبِ، و  أنشدتُ في العَتُـــــوبِ:                

أفِرُّ بِجِلْدَتِي مثلَ الْحِمَـارِ             يَفِرُّ مِنَ الْمُعَـانَاةِ الطّوِيلَهْ

فألْقَى مَنْ يَزِيدُ عَلَيَّ هَمًّا             و يُرْهِقُنِي بِأحْمَـالٍ ثَقِيلَهْ

يَمُصُّ دَمِي طَوَالَ الْيَوْمِ مَصًّا        وَ يَصْرِفُ لِي مُكَافَأةً هَزِيلَهْ

يُحَدِّثُ سَامِعِيهِ عَنِ الْمَبَادِي         عَنِ الْأَخْلَاقِ وَ الْقِيَمِ النَّبِيلَهْ

تَظُنُّهُ وَاعِظًا حَسَنَ النَّوَايَا            وَ أمْرُهُ غَارِقٌ وَسَطَ الرَّذِيلَهْ

كَذَا حَالُ اللِّئَامِ بِأَيِّ أرْضٍ            كَأنَّهُمُ طَحَالِبُ في خَضِيلَهْ

كِرَامُ النّاسِ في الدُّنْيَا رِجَالٌ          تُعَلِّيهِـمْ فِعَالُهُـمُ الْجَمِيلَهْ

وَ شِيمَةُ كُلِّ ذِي كَرَمٍ تَرَاهُ            يُعِزُّ أَذِلّةً عَدِمُوا الْوَسِيلَهْ

وَ يُتْمِمُ عَنْ رِضًى حَقًّا عليهِ         وَ تِلْكُمُ أَعْظَمُ الرُّتَبِ الْجَلِيلَهْ

بقلم: عمارة بن صالح عبد المالك

شاعر و كاتب جزائري

مقيم بالسّويد

Related Posts via Categories