آه مِنّكْ يا زمان الحَمْرَنِهْ / بقلم: آصف قزموز
آه مِنّكْ يا زمان الحَمْرَنِهْبقلم: آصف قزموز13/8/2011في معمان هذا الزحام الحمراني الحيواني بين البشر والحميرْ. والأرض تطفح غصّاصة بما رحبت وطاحَ الاحترام لذات النفس والتقديرْ. حين اعتلى فينا الأفّاك على الجديرْ. وضعيف بات يقاوينا طويلٌ طاوَلَهُ قصيرْ. وفاشلٌ متجبّرً تأبّط شرّاً مستطيرْ. ميزان العدلِ محمومٌ في الصيف نشكو الزمهريرْ. سحقاً لعمي الأرض ممن تباصروا وأينما كانوا، تباً لمن أكلوا مال اليتيم والفقير بلا ضميرْ. فكل الاحترام ليس لمن تحامروا مع التقديرْ، لكم أنتم أحبتي وإخوتي أصدقائي معشرَ الحميرْ.رُحماكَ بمن قضوا وتاهوا بجرائر من شُلّوا وماتوا مقعدين على السريرْ. رُحماكَ أيها الإنسانْ، رويدك يا حصني الأخيرْ. أقر معترفاً إليك بأني المؤمن بالأخلاق وبالضمير وأني في صفّ الحميرْ.زعموا أن حماراً عجوزاً نال منه الكبر عتيّا، عاش في قديم الزمان وسالف العصر والأوانْ، بإحدى الغابات الفسيحة، عيشةً هانئةً رغيدةً مريحة، ولا عيشةِ أخيه الإنسان صانع الثورات وعدو الشبيحة. فكان يجوب أرض الغابة طولاً وعرضاً بلا حواجز ولا احتلال ولا استئذان ولا هوية، ويرتع في خيراتها من الثمار والأعشاب والنباتات الطريّة، مستمتعاً بجمالها ووارف ظلالها من الأشجار البريّة، فينطلق لسانه في الغناء فرحاً مبرطعاً مرحاً. يعني إن غابت عنكو لا هم دنيا ولا عذاب آخرة.وحدث ذات يوم ما لم يمر على خاطر ولا بال، مما يحبس الأنفاسْ ويطيّر السكره م ِ الراسْ. حين التقطت مجسّات أنفه الكالابشويّ إشارة لقادم جديدْ، لرائحة ذئب مقبل من بعيدْ.فجأة يرفع الحمار رأسه مشنّفاً أذنيهْ، يحركها في كل اتجاه محدقاً وجاحظاً عينيهْ، بعد أن جفّ لسانه وشفتاه، صوب ذاك الحامل لقدره وحتفه الأكيد بين أنيابه ومخلبيهْ. ومع أن رائحة الذئب كانت تفوحُ وتزداد اقترابا، في لحظةٍ لن ينفع المرء بعدها لوماً على الزمان ولا عتابا، إن أنكر ما يرى أو جانبه الصوابا، إلاّ أن الحمار كابر وكبّر راسه قائلاً: لا يوجد ذئب ولا ما يحزنون. هذه ليست رائحة ذئب. احتمال كبير إنو يكون هذا مش ذيب والعلم عند الله.ومع أن قلبه قد بلغ من الخوف الحنجرهْ، وفرائصه كانت ترتعد من قُدّام ومن وَرَهْ، باقتراب الذئب المندفع نحوه كالرعد ولا قَسْوَرَه. إلاّ أنه استمرّ يطمئن النفس ويُمنّيها فيعاود من جديد ليقول: آه.. هذا مش ذيب، إن شاء الله ما راح يكون ذيب بإذن واحد أحد فردٌ صمدْ، بعدين ليش بدو يكون ذيب يعني؟! هو في عندنا ذياب؟! من وين بدو ييجي الذيب يا حسره؟! شو بدو ييجي يساوي عندنا من غير شرّ، قولولي؟ أصلاً ما إلو أي مصلحه ييجي، تسلموا من الشرّ، الدار قفره والمزار بعيد. واستمر الحمار في رحلة خداع النفس اللامطمئنهْ، ومع كل عبّةٍ من الهواء كان يزفر ألف أنّةٍ وأنّهْ، فلا هو سابحٌ يسابق الريح فينجو ولا غزالَ رنّهْ. حتى صارت رائحة الذئب فائحة بشكل ساطحْ، وصوت دبيبه مسموعٌ بقوة خمسه واضحْ. فيعود مرةً أخرى ويقول: لا لا لا مش ممكن يكون ذيب، هذا مش صوت ذيب أبداً، شو الدّعوه لا ليش بدو ييجي الذيب هون؟! شو إلو عندي أصلاً تا ييجي هون؟! يعني أنا عمري ما شايف ذيب؟! ما لْنا وَلَوْ؟!اقترب الذئب منطلقاً نحو الحمار بِغَثْبَرَهْ، ولجّة ٌ من الغبار المعسكده في كل صوب حتى وَرَهْ. فأخذ قلب الحمار يسارع في الخفقانْ، وعيناه الجاحظتان رعباً تتحجّرانْ، تترهوَجُ من تحتهما رُكبتان خائرتانْ، وصارت المسائل لـَ الرُّكَبْ حيشاكُم وحيشا السامعين من بني الإنسانْ، “فبأيِّ آلاءِ ربكما تكذّبان” يا معشر الإنس وعِرِّت الحيوانْ. ثم يظهر الذئب واضحاً أمام ناظريّ الحمار فيعود محدثاً النفس من جديد: إلهي وأنت جاهي ما يكون اللّي أنا شايفو ذيب، يفضح ولاياه وِيْهِدْ زواياه معقول يكون هذا ذئب؟! والله كأني مطشّشْ صاير نظري شيش بيش، يعني حتى لو كان ذيب مش واسعتو كل هالدنيا؟! الله أكبر عليه، لا ليش بدو ييجي عندي (ماني عارف، اللّي ما إلو حظ لا يتعب ولا يشقى، بس برضو بعود وبقول هذا مش ذئب).في تلك الأثناء وخلال لحظات، تقاربت المسافات بين الذئب والحمار وأصبحا وجهاً لوجه مع الحقيقة. لكنه ظلّ ممعناً بالقول: أعوذ بالله لا يمكن يكون هذا ذئب ـ خاف الله والله أعلم إنو هذا خروف أو أرنب صحته مْساعِدْتُه شْوَي وطالع فيها، يا سيدي بيجوز يكون فيل، بس ذيب؟! مستحيل،إنسو.بدأ الحمار يتراجع قليلاً بخطواته الواهنة لمواجهة ظروفه الراهنة، برغم إصراره المستمر على أن ما يراه ليس ذئباً. وانطلق الحمار هارباً يُوَلّي الأدبارْ، وهو لا يزال ينكر وجود الذئب المندفع فاغراً فوق ظهره فاهْ، ولا من منقذٍ له سوى الله بسماهْ. فيعاود القول: مالني يا جماعه انجنيت؟ّ شو اللّي صارلي؟! بساعة سماعه صرت أهرب من القط وأنا مفكرو ذيب؟! يا مثبت علينا العقل والدين يا رب العالمين (طبعاً إنتو عارفين إنو الواحد فينا في لحظات الضعف وعند حزّها ولزّها لما بِنزنق بفطن لأ الله وبيصير يدعي ويِتعَرْبَش بِحبال الهوا). نعم، نعم عنزه ولو طارت، بديش أعترف، حتى لو بتدمروني بيت بيت وشارع شارع وزنكه زنكه. فعط الحمار أمام اندفاعة الذئب مُتَدَرْكِماً بِرِجْلَيْهء وانكماشات خِصْيَتَيْهْ، فخارت قواه وهو يشهد أنياب الذئب تنغرس في ظهره بأم عينيهْ، وسقط تحت وطأة الذئب ومحتبس الأنفاسْ، بعد ما وقعت الفاس في الراسْ، وهو لا يقوى على فعل أي شيء بالأساسْ، فما كان منه إلاّ وأن أغمض عينيه كي لا يرى كالنعامْ، والذئب ينهب لحمه قطعه قطعه كالَّلحامْ، فيعاود القول مُتَحَشْرِجاً بعد ما أتى الذئب على نصف مؤخَّرَتِه: نعم يا سيدي، أنا اعرف ومتيقن تماماً أنك لست ذئباً، أرجوك اتركني وبلا مزحْ لو سمحت. لكن حلاوة روحه التي رقصت به ألماً جحظت منه عينيهْ، وربطت لسانه وشفتيهْ، والذئب ينهش من لحمه وهو يصيح مُوَلوِلاً منهُ لا عليهْ، قائلاً: آآه، إنه ذئب، آه هوو.. هاق.. هاق آه هوو.. هاق.. هاق.يقال إنه ومنذ تلك الحادثه ارتبطت ألسُنُ الحمير، فسكتت عن الكلامْ، ونسيت لغتها عن الحب والغرامْ، ولم تعد تنطق أبداً إلاّ بلغة الأحلامْ، ومن غير كلامْ: آه هوو.. هاق.. هاق، آه هوو.. هاق.. هاق، وهاق قطبها من يومها يا حفيظ العُمُرْ والسلامْ.وبذلك لم يكن الكاتب الجاد في سخريته وجده عزيز نيسين، قد فاته شاردة أو وارده في أمر الحمير وحكاياها مع بني البشر، الذين سخروها واستعبدوها وأذلّوها لصالحهم وفي خدمتهم، فأصبحوا اليوم في العصر الحموري، يطاولونها بعدما انحطت المقاماتْ، وسحقت القيم والأخلاق الإنسانية تحت أقدام الجنود وجنازير الدباباتْ، فتماهت إلى حدٍّ كبير مع القيم والأخلاق الحيوانية الأصدق والأنقى على ما يبدو منا جميعاً، بعدما استحال الأسد حملاً وديعاً، والفيل طفلاً رضيعاً، والثعلب واعظاً شفيعاً.علشان هيك الرئيس المخلوع حسني مبارك تجاهل حركة الشعب المصري وأنكر وجودها، رغم ما كان يراه من جسامة الحدث وضخامة حجم المشهد بالعين المجرّدة أوضح من صورة الذئب الذي التهم الحمار!!في ليبيا نرى العقيد القذافي رغم تدمير البلاد وقتل العبادْ، وهدر الثروات واستخدامه لكامل العدة والعتادْ، يصرّ على إنكار ما تفعله يداه وتراه عيناه، وأن ما يرى ما هو إلاّ مجموعة من الجرذان يريد تحرير البلاد منها!!وفي سورية يتكرر ذات المشهد، حين يرى النظام الحاكم أن الشعب السوري الذي يتظاهر في طول الشارع وعرضه ويستباح دمه تحت أزيز الرصاص وجنازير الدباباتْ وهدير المدافع والطائراتْ، ما هو إلاّ مجموعات وعصابات مسلحة تستهدف ترويع المواطنين ولا تستهدفه. فيقتل ويدمر في وضح النهار وتحت عدسات التلفزة، ثم يشكو القتيل، ويتعامى ويفتري على الله والناس كذبا، حد تصديق هذا الكذب المحمّل على جناحي الخيال والرغبة، بأن سورية عفيّة وعصيّة، والشعب ما هو إلاّ مجموعات مسلحة خارجة عن القانون وعميلة للإمبريالية!!الأمر لم يقف عند حدود الوطن العربي والعرب، فها هو نتنياهو يقابل حركة الشارع الإسرائيلي الاحتجاجية، بذات العبط والتعامي، من خلال تجاهل الحقائق وتسطيح الأمور والاستخفاف، مع أنه يهرب في وضح النهار باتجاه رفع رواتب الشرطة والسجّانين بنسبة 40% خشية تمردهم وانضمامهم إلى جمهور المحتجين المطالبين بالعدالة الاجتماعية.أما ديفيد كاميرون راعي الديمقراطية البريطانية العريقة، لم يشأ هو الآخر أن يقر بما يرى فاعتبر جميع سكان حي توتنهام من المجرمين، واعتبر قائد شرطته من جانبه أن هؤلاء المحتجين لا توجد لديهم أية أسباب للتظاهر والاحتجاج وقد قيل: “وجعلنا لكل شيءٍ سببا”.نعم، لقد قيل إن الإنسان، ومنذ غابر الأزمان، ظل يتقدم على الحمار مرتبة بين البشر، ويعلو عليه علوّاً كبيرا، لا لأحقيّته ولا لأهليته وتطوره الحضاري على الحمار، بمقدار ما ظل الأمر يتعلق إما بسطوة الأول واستغلاله اللاإنساني لصبر وطيبة الثاني وبقائه بوضع اليد عنوةً مثلما هو الحال في عالمنا المعاصر، بل ولربما لأن الديمغرافية البشرية قد فاقت وتفوقت تاريخياً على ديمغرافية الحمير مع حفظ الألقاب للأخير على الأول. لا بل ربما لأن الحمير قد استسلمت وسلمت أمرها للإنسان، الذي طغى وتجبّر بحقها، باعتباره قد نجح منذ البداية في تكريس نفسه الوصي والمطعم الكاسي لهذا المخلوق اللّي الله قال فيه. فما أكثر الذين استطالت آذانهم وتحجّرت عيونهم وتقدمت أبوازهم فصارت جهنم لهم حصيراً،وساءوا مُستقراًّ ومصيرا،فانتَموا لمعشرالحمير تَحَمْرُناً وصاروا بين الحميرِ حميرا.asefsaeed@yahoo.com           

Related Posts via Categories