تهذيب الذائقة ، عرض سخي من الشاعرة فواغي القاسمي /وجدان عبدالعزيز

المثقف دوما يهضم ثقافة لغته أي لغة أمته ، ويحاول تمثل الآثار الكبيرة التي جاءت على أكتاف هذه اللغة مثل القرآن الكريم (فقد يتأثر الشاعر بالبيان القرآني ، صياغة وفكرا وشعورا ، فلبنات شعره تستمد جرسها العذب من المعجم القرآني ألفاظا وتراكيب) كون هذا الكتاب حمل الكثير من الأوجه البلاغية من جانب وحمل المضامين الأخلاقية والتوجيهية من الجانب الآخر ، والتي حملت نواهي وأوامر الذات المقدسة ، فكانت أساليبه اللغوية مغرية جدا لكل عقل لبيب وعلى مدار الحقب التاريخية التي مرت وظهرت خلالها العديد من النصوص الأدبية المسايرة والمتمثلة للأسلوب القرآني ، ولكن بكل يقين لاترقى لهذا الأسلوب ، ولكنها تحاول مسايرته وهذا دليل على التزام المثقف بتراث أمته الخالد ومحاولة أحياء الروح الرائقة والإنسانية العظيمة لهذا الكتاب الكريم والتناص معه (إذ يقوم استدعاء النصوص بأشكالها المتعددة الدينية والشعرية والتاريخية على أساس وظيفي يجسد التفاعل الخلاّق بين الماضي والحاضر.

وإذا كان لا يوجد هناك نص بريء وصاف ونقيّ لم يعتمد فيه منشئه نصوصاً سابقة فإنّ هذا ملمح مهم من

الملامح التي تكشف عن تناسل النصوص وتكاثرها ولكن ليس المهم براءة النص أو عدم براءته ولكن المعول عليه في هذا المقام هو كيفية توظيف النص الوافد ليصبح جزءا أساسيا من نسيج النص أو لبنة جوهرية من لبناته لا أن يكون نشازا وغريبا على النص المستقبل.) ، وكانت الشاعرة فواغي القاسمي قد حاولت بكل جدية ان تتمثل عوالم القرآن الكريم بأساليبه البلاغية والمضمونية ، لذا جاءت قصيدتها (هيت لك) والمقارنة بين (هيت) وهو اسم فعل بمعنى اقبل التي جاءت في سورة يوسف وبين (هيت) التي جاءت في قصيدة (هيت لك) للقاسمي ، ترتفع هذه المقارنة لوضع هذه الشاعرة موضع المثقفة التي تستوعب مضامين الكتاب المقدس وتقديمها بأسلوبها الشعري الرائق والشفاف وهي محاولة تحسب للشاعرة ، لتحريك الذهنية في استقبال هذه الأساليب وهضمها وجعلها أوعية في استيعاب معاني الجمال ، وان القاسمي حاولت هنا الاستفادة من الأسلوب القرآني في إيصال مضامينها بصورة اقتربت كثيرا من استيعاب هذا المضمون في الاتصال كمحاولة جادة في استثمار ثقافتها الخاصة من اجل التميز ، فكلمات (هيث ، جب ، قميص ، وساهرات الطرف ، ورجيم ) تقترب كثيرا من كلمات الآيات القرآنية ، بيد أن القاسمي وظفتها في مضامينها الشعرية بطريقة خاصة أغرت المتلقي بالقراءة والتمعن لحين الوصول .. ، حيث رسمت مسارات قلقها في خضم الحياة وأحالت الأسئلة المتعلقة بزليخة والنبي يوسف إلى أسئلة تتصاعد وتتوالد كلما توغلنا في تقدم العلم واكتشاف ماهية الإنسان ومعنى اضطراب رغباته وشهواته الحسية وتصارعها مع الاتجاهات الأخلاقية الأخرى التي يقودها العقل ، وهذا الصراع  أزلي يبقى رهين التبريرات والصراعات الجسدية والروحية ،وما جاءت به سورة يوسف من مضامين أصبحت درسا أخلاقيا لكلا الجنسين الرجل والمرأة .. هذه الصور قد استوعبتها الشاعرة القاسمي واستثمرتها في قصيدة (هيت لك) تقول :

(قد هوى في

جب عشق ٍ غائر ٍ

حين قالت :

هيتَ لكْ

فتغشاه ُ اضطرابٌ

و ذهول ٌ

أي شيء قد ملكْ !)

أي أنها وضعت الحالة في صورة الصراع ، حينما يسقط الإنسان في المحظور ويكون على شفى حفرة من النار ويحدث الاضطراب .. والذهول والهاوية والمحظور ، هي مصائر إنسانية لابد من المرور بها ، لكن الخروج من دائرتها الضيقة والتحصن في استثمار دروسها ، يرتهن بالعلاقة الاستيعابية بين الإنسان وربه تقول الشاعرة : (ثم يصحو مستغيثا) أي حينما يدرك الكانسان حدود القبح وحدود الجمال التي تحكمه وعلاقته بالعطاء الإلهي المستمر لهذا الإنسان ، كون ان الله خلقه في أحسن تقويم من جهة ومن الجهة الثانية إن الله تعالى في محكم كتابه قال: (وكتب على نفسه الرحمة) المرهونة والمتعلقة جدليا مع تفهم الإنسان لعلاقته بالذكر لعطاءات الله سبحانه وتعالى ، حيث في محكم قوله : (اذكروني أذكركم) وحينما تستمر سلسلة الذكر  وتنفتح القلوب المؤمنة للحب الإلهي يتسامى الإنسان بهذا الحب .. (قطعت اشطان بئر / عندما الحب / تمادى وامتلك) وهنا نفرق بين حب زليخة في خطوتها الأولى ليوسف ، وكيف تهاوت الى رذيلة الرغبة الحسية التي أشعلت فيها الجانب الحيواني الغرائزي ، ولكن الحب الذي اجتاح زليخة تاليا رفعها من حضيض الحالة الأولى الى تسامي الحالة الثانية ، لتقترب من العشق الإلهي الذي يرتحل من صورة زليخة المعتمة بالقبح إلى صورتها الثانية المضيئة بالجمال والنقاء الإلهي ، وهذه الثنائية التي حكمت قصيدة القاسمي على قصرها ، قد ارتقت بالشعر ، لان يكون بركة من النقاء يغتسل فيها الشاعر والمتلقي في آن معا ، فبين (درب الخلاص / وقميص شاهد) إلى (ساهرات الطرف / في ليل الحلك) كانت رؤية القصيدة التفرقة بين العشق الإلهي والعشق الآخر وهذه صور متحركة لـ(إن الشاعر يسخر كل ما يملك من طاقات فنية في سبيل خلق الصورة ونقلها إلينا بكامل صفاتها وخصائصها ، وبما يتلاءم وواقع تجربته في القصيدة ، فهو “يصور الأشياء كما يراها ، يلتقط ظلالها الهاربة وإشكالها المتغيرة لكي يجعلنا نحس بها كما يحس بها هو” بثباتها وحركتها وفعالياتها المتنوعة والمتعددة وهي تخضع لطبيعة التجربة وكيفية حضورها الشعري في القصيدة) ص98 وان الشاعرة القاسمي قد اتخذت ابيضا ( .. استراتيجيين : إستراتيجية المؤلف (المرسل) وإستراتيجية (المرسل أليه) حيث تكون الرسالة والحالة هذه ليست سوى ارموزة ..” إذ أن القصيدة ليست خطابا مباشرا ، كما أن مضمونها ليس حاصلا مشتركا بين الباث والمستقبل ، إنما القصيدة خطاب إيحائي ، والرمز يمثل حاصلا مشتركا بين الشاعر والمتلقي )ص69 فجعلت القاسمي من صور القرآن الثبوت الذي تنطلق منه إلى صورها الشعرية المتحركة التي جعلتها جسرا بين المرسل والمرسل إليه فـ(النص هو محور الأدب الذي هو فعالية لغوية انحرفت عن مواضعات العادة والتقليد ، وتلبست بروح متمردة رفعتها عن سياقها الاصطلاحي إلى سياق جديد يخصها ويميزها) ص10ـ11 وهنا وضعت الشاعرة نفسها في اتصال دائم ، كي تبث رسائلها كمرسل الى الطرف الثاني كمتلقي وكيف ان القاسمي وضعت رؤية توجه رسالتها عبر سياقات معروفة الى المرسل أليه مع اعتبارات العمق الأخلاقي في الجمالي الباث بإشاراته إلى المتلقي ، وهذا خلق سياقات قصدية مع آن الشعر قد يكون لحظات خيال او غياب لحظة الوعي ، ثم حضورها تاليا هذه العملية خلقت ذائقة مهذبة في دواخل الشاعرة فواغي القاسمي .. ثم إنها تحاول أشراك القارئ  في تهذيب الذائقة ، وهو عرض سخي وليس درسا في الوعظ ، إنما تقرير على شكل شريط سينمائي ، يولد انطباعا واليا بالجمال والحب ..

/ كتاب (عضوية الأداة الشعرية) أ.د.محمد صابر عبيد سلسلة كتاب جريدة الصباح الثقافي رقم 14 2008م ص98

/ كتاب (التلقي وشعر ما قبل الإسلام) د.حسنة محمد رحمة الساعدي / مؤسسة العهد الصادق ط1 2010م ص69

/ كتاب (الخطيئة والتكفير) عبد الله الغذامي / المركز الثقافي العربي الطبعة السادسة 2006م ص10ـ11

Related Posts via Categories