الموسيقى في الرسم أو الفن تخريبا للثقافة ، جان ديبوفي نموذجا – سلاف عباس

    ( لوحة جاز باند – ديرتي ستايل بلوز –   1944 – زيت على قماش – 97  x130 –  مجموعة خاصة  )

جان ديبوفي – جاز باند – ديرتي ستايل بلوز –  1944 – زيت على قماش – 97 – 130 – مجموعة خاصة 

 

 

 

 

 

 

«  Je porte , quant à moi , haute estime aux valeurs de la sauvagerie : instinct , passion , caprice , violence , délire . »

Collectif , L’ Aventure de l’ art au 20 siècle ,

 éd.du Chêne – Hachette livre , 1995 p . 579

«  Seuls les flux sont l’ objectivité du désir …Le désir est révolutionnaire parce qu’ il veut toujours plus de connexions et d’ agencements . »

Gilles Deleuze ,

Dialogues avec Claire Parnet

(1995),éd. Flammarion, coll.

 « Champs », 1996, pp. 96-97.

 

« Ce qu’il y a de plus profond dans l’homme, c’est la peau. »

Paul Valéry,

L’Idée fixe , La Pléiade,Œuvres II ,1931 , p. 216 .  

 

 

 

«  Un art sage : quelle sotte idée ! L’ art n’ est fait que d’ ivresse et de folie ! »

 Collectif , L’ Aventure de l’ art au 20 siècle ,

éd.du Chêne – Hachette livre , 1995 p . 579

 

 

« … l’œuvre d’art est machine désirante elle-même. »

Gilles Deleuze et Felix Guattari ,

L’Anti-Œdipe : Capitalisme et Schizophrénie

T.1 , , éd . de Minuit , 1980 , p . 37

 

 

« L’idée, qu’on rencontre aujourd’hui souvent, que la culture digère tout, s’approprie les productions subversives qu’elle ainsi désamorce et qui deviennent après cela un nouveau chaînon d’elle, cette idée est fausse. »

 

Jean Dubuffet,

 Asphyxiante culture,

 éd de Minuit, 1986 , p. 23.

 

 

 

 

 

لوحة جاز باند – ديرتي ستايل بلوز التي رسمها جان ديبوفي        Jean Dubuffet    1901 – 1985 . وجوه وأجساد وآلات موسيقية محفورة في اللوحة ، في جدار . لوحة ذات بعدين . أجساد موسيقيين جازمان محشورة بطولها في الجدار . في الخلفية تمتد آلة البيانو  عازفها حشر بينها و بين الجدار . الجدار الخلفية البيضاء . لا يعمي بياضه المشاهد .

 

 يسحق الرسام الجدار ، يجرشه ، يدقه بخطوط  و ألوان ليجعل بياضه متسخا . الخلفية البيضاء تتناقض مع البقعة السوداء المستطيلة التي يشكلها البيانو ، التي تمتد في يسار اللوحة و تتناقض مع أجساد الموسيقيين السود .  إذا كان جاكسون بولوك يضع لوحته أرضا ليسكب عليها الألوان و يلقي عليها لطخات و نقاط و سيلانات سوداء خاصة و ملونة فإن ديبوفي وجوه محفورة ، فيها عيون و أنوف و أفواه على شكل دوائر و مثلثات . لا تفاصيل كما هو شأن الرسم الكلاسيكي . خطوط تجرح الجدار ، تمزقه ، تخدشه ، تحفره ، تخمشه ، تخربشه ، تجلفه  . خطوط رسمها مجنون أو إنسان بدائي . إنسان خارج الثقافة .

“يجب علينا أولا أن نمحو , وننظف , و نصفح , و حتى نمزق ,  لنمرر تيارا هوائيا متحدر من الفوضى التي تأتينا بالرؤيا . “(1) ستكون الرؤيا تخريبا للثقافة .

أجساد نحيلة سوداء . فرقة جاز مختبلة . هشاشة و تمطط . أجساد تملأ اللوحة طولا . أجساد ممدة ، إلى الأعلى . هكذا يهرب ديبوفي من قبضة التمثيل  و عبوديته . ليست المرة الأولى التي يمدد فيها الرسامون الأجساد . فالغريكو

El Greco  مثلا أطالها و رققها و جعلها تنساب  . و لكن إذا كانت أجساد الغريكو تتمطط أو تمتد سعيا إلى الأعلى ، إلى العالم الروحي للتخلص من المادة و الشهوة و الرغبات ، لتتخلص من ” القبر ” الذي سجنت فيه ، الموت الذي يشدها الى ” الكهف ” على حد تشبيه أفلاطون للجسد و للعالم الحسي . فإن أجساد ديبوفي تمتد و تستطيل و تذوب شهوة و رغبة ملتهبة في أن تحيا و هما و حزنا لأنها سجينة مؤسسات مغربة تفتك منها انسانيتها ، في حفلة يقدمها لنا الرسام .

 أجساد ممططة كتمطط الجاز . مد ، استطالة الأجساد كما تمتد موسيقى الجاز .  

الجسد الموسيقي جسد تشوهه الموسيقى و تكتسحه و تبتلعه . من ذا الذي يستطيع الانفلات من الصوت ؟ لا أحد .  و هذا ما يرسمه الرسام            

أصابع متساوية الطول ، أصابع كائنات قادمة من خيال منفلت من كل رقابة . كل الأطراف لم ترسم على شكلها الطبيعي . كل مكونات الجسد مشوهة ، محرفة . أجساد متآكلة مجذومة .

رسم خطي للأجساد و الآلات ، إنها مرسومة بخطوط  واضحة و لكن دون تفاصيل كتلك التي تميز الرسم الخطي الكلاسيكي . خطوط ، خدوش لا تحاكي الواقع . صادرة عن لحظة أولى بدائية تبدو كذلك لكن الرسام اختارها مسبقا عن وعي و حرية . رسم لحظي كموسيقى الجاز . لا يتناقض مع حالة الجنون التي عليها أجساد اللوحة . كل الأجساد و الأجسام تتضور جوعا و شبقا . هائجة . مصابة بلهفة و ذعر و توحش . حتى الآلات مسعورة .

الخلفية البيضاء تحترق فيها أجساد بدائية و تخترقها . الأجساد حبر أسود على ورقة بيضاء . الحياة تهيمن على الموت . و الموت يهيمن على الحياة . إنه الصراع الأبدي . الموت ليس السواد بل هو البياض حيث لا شيء ، حيث تذوب الألوان . السواد حياة راغبة مرتعبة مهمومة ، حمى حمى حمى .  

جدار ديبوفي تخرج منه حياة مرعبة . الحياة الحقيقية . يصطف العازفون . الرسام يصففهم . فرقة من المجانين . أقنعة الشهوة . أقنعة القتل .

هناك تناظر في اللوحة : عمودية الأجساد و معهم آلة الكنترباس تتقابل مع أفقية آلة البيانو مما يعكس تقابلا يشد انتباه المشاهد .

 مع عمودية عازف الكنترباس على اليمين و عمودية عازف البيانو على اليسار نلاحظ وجود تناظر .

هذه اللوحة يهيمن عليها لونان متقابلان بقوة و شدة . هما الأبيض خاصة و الأسود . الأبيض و الأسود لونا الجاز . موسيقى التقابل و الاختلاف . أسود الضغط و الشد و أبيض الاطمئنان و الاسترخاء و الانبساط . و لكنهما ليسا لونان صافيان بل مخلوطان بألوان حارة : الأحمر و الأزرق و البرتقالي و الأصفر بكميات قليلة تضيء الأسود و الأبيض ، تضيء اللوحة . الأسود في هذه اللوحة ليس أسود الحزن و الاكتئاب و الموت . إنه أسود الرغبة الجامحة و لون الفوضى . من هذا اللون تأتي طاقة كبيرة . إنه أسود الحياة و الحب و الجنون ، إنه أسود الجاز . الأسود الذي تنبعث منه القوة و السلطة : الرغبة . الجاز تنويعات على الرغبة . ذلك هو دور الفن ” تحرير الحياة مما يسجنها . ” ( 2 )

هذا الأسود يجعلك تشعر أنك في كهف أو مغارة أو هوة يأخذك إلى أحشاء الأرض ، إلى أحشاء الحياة . يأخذك إلى مكان الطفرة و منبع الطاقة . ليس كهف أفلاطون الذي يجب الخروج منه للتخلص من ظلمات الجهل . بل إنه كهف اللذة و المتعة و الجنون . ديبوفي يفضل الحياة على كل مبالغة في التعقل و العقلنة و إعادة كل شيء إلى العقل و النظر من خلاله فحسب :l’intellectualisme

يتقابل اللونان مع نقاط ملونة ذات ألوان حارة ، وزعها الرسام على الآلات و أصابع العازفين لتكون في اللوحة حركة و لتنجذب عين المشاهد و تنشد إليها .

  بياض الخلفية يقابله سواد أجساد العازفين و أجسام الآلات

 ألوان الأجساد و الآلات ليست ألوانها ، فالرسام لا يحاكي الواقع

الألوان الحارة الموزعة على أجسادهم ، تتوزع منها موسيقى جاز تأكل في المشاهد خوفه  و جوعه و بلاهته . تأكلك وجوههم في حفلة هوجاء ، مستعرة ، ماجنة . ستة وجوه ، ستة أشباح ، ست جماجم . كعادة وجوه ديبوفي – في هذه المرحلة الأولى من فنه – ، وجوه جماجم ، إنها ليست وجوه عرائس كوجوه رنوار أو وجوه إلاهية كتلك التي رسمها ميكالانجلو أو وجوه رفائيل الرخامية أو وجوه دافينشي التي لا تعرف لها جنسا و ليست وجوه بيكاسو المنفصمة و لا وجوه بيكن المتعددة . إنها وجوه لتوها خرجت من القبر إلى الحياة . لعله الجاز هو الذي فعل فيها فعل السحر . العازفون حيوانات ليلية .  ليل غامض و متناقض و محير .

ما الذي يستطيع فعله الجسد ؟ سؤال دولوز . هنا السؤال المطروح : ماذا يستطيع الجسد أن يفعله عندما تأخذه الموسيقى ؟؟؟ موسيقى الجاز تصنع أجسادهم . أجساد الموسيقيين لا تبقى ذاتها تحت تأثير الموسيقى . الآلات التي تلتصق بالأجساد و الصوت الموسيقي الذي يجري مع الدم أثناء العزف لا يبقيا العازف الموسيقي على حاله الطبيعي بل لا بد أن يأخذاه معهما . رحلة يتحول خلالها الجسد و يعبر إلى الهنالك .

 من اليمين إلى اليسار :

عازف الكنترباس ثم الساكس فالكلارينات والترومبيت ثم الغيتار . وراءهم عازف البيانو حشره هناك الرسام في غير مكانه الأصلي . الآلتان الأضخم  وضعهما الرسام على طرفي اللوحة . الكنترباس الصوت الخفيض بل الأكثر خفضا بين الآلات الوترية . أما البيانو فهو الألة التي تملك أوسع مدى في السلم الموسيقي بأصابعها الثماني و الثمانين و التي تجعلها الأقدر على عزف كل الألحان . هكذا يحد الرسام لوحته موسيقيا فهي بين الأكثر درامية و الأكثر تنوعا

 و تعددا و ثراء و قدرة على التعبير . ذلك هو الجاز ، ذلك هو الفن . تلك هي الحياة ، تجربة درامية ثرية و متنوعة و متعددة و مختلفة و متجددة

عازفي الكلارينات والترومبيت و الغيتار أرجلهم منفرجة . أما عازفا الكنترباس و الساكس فرجليهما واقفة ثابتة . يقصد الرسام من هذا الاختيار إضفاء حركية على اللوحة لجلب انتباه المشاهد و ليمنعه من الشعور بالملل و ليجعل الأجساد تتنفس موسيقى فتتحرك و تميل أو تتصلب أو تهتز أو تطير أو تغلي أو تنصعق … تأخذها الموسيقى . تتعارض أرجلهم الحية مع ساقي البيانو الخشبيتان القصيرتان الثابتتان اللتان توجدان في الخلفية الثانية .

الضوء لا يأتي من مكان محدد –  كما هو الحال في الرسم الكلاسيكي – بل يحدده اللعب باللون الأبيض : أبيض الخلفية  و الأسود : أسود أجساد العازفين و أجسام الآلات . و في وسط اللوحة تضيء آلة الساكس و آلة الغيتار اللوحة بلونيهما المخضر . و لكن التقابل واضح جدا بين الأبيض و الأسود . إنه عنف الجاز ، عنف الرغبة و التمرد . عنف صراع الحياة مع الموت . عازفون يقاومون الخضوع .  

عازف الكنترباس عينان بل نقطتان مضيئتان ، ذلك ما يبدو من وجهه . يد يمنى تتمطط و تستطيل حتى تصل إلى الأوتار . الرسام يضع أصابع اليد اليسرى على الأوتار ، يضعها وضعا فيجعلها عاجزة عن العزف . يد أقصر بكثير من اليمنى . يدان صغيرتان ذات أصابع طويلة . كأنهما يدا كائن فضائي أو يدا أصابتهما إعاقة فلم يتحقق النمو لتصبحا يدا كهل قادر على العزف على آلة ضخمة كآلة الكنترباس . يدان لا تتناسبان مع جسد العازف . جسد نحيل متضخم الجمجمة . حجم الرأس هو أيضا لا يتناسب مع الجسد . لكن هذه المرة ليس أصغر  بل أكبر . سواد يغرق فيه العازف كأنه يخيفنا أو يحرضنا أو يهيجنا .

عازف الساكس صليب على جبينه و أنف في شكل مثلث مفتوح القاعدة . وجهه يواجهنا و لكن الجهة التي تدخل منها آلة الساكسوفون إلى فمه لا يمكن أن تسمح له بعزف موسيقى الجاز إلا إذا طلب منه عزف موسيقى أخرى ، و لكنه في فرقة جاز . أي موسيقى سيعزفها هذا العازف و هو يضع آلته بطريقة خاطئة ؟ أي أذن ستسمع موسيقاه ؟ طريقة وضع فم الآلة على الفم و استخدام الشفتان لها يحددان مدى النجاح في العزف على الآلة . يحتاج العازف إلى ساعات ليتدرب على طريقة وضع الفم ، يحتاج إلى الوقوف أمام مرآة ليصحح الوضعية . يجب على العازف أن ينفخ في الساكسوفون و كأنه يؤجج جمرا هكذا ينصح المدرسون . مرة أخرى يشوه الرسام آلاته ليبتكر موسيقى أخرى . هكذا لا تتناقض مكونات اللوحة فيم بينها . كل شيء في هذه اللوحة لا يخرج عن البدائية .  

عازف الكلارينات يفتح فمه و عيناه ، الموسيقى تشربه . هذا ما قرره الرسام ، يفعل فيه ما فعله في العازفين الآخرين . الفم دائرة تستقبل الكلارينات في وضعية فجة ثابتة . جسده يبدو الأكثر هشاشة من بين كل الأجساد .   

 

عازف الترومبيت يستدير برأسه إلى الجهة اليمنى . بل الرسام يديره و يجعله في وضعية جسدية صعبة . وجه اقتطع ليهندس الرسام عينا مفتوحة حولها إلى مجرد دائرة حدقتها هي أيضا مجرد دائرة . فم مفتوح لا للعزف بل للأكل و النهش و القضم و القطع … عازف الترومبيت وجهه يبدو جانبيا مع عازف البيانو و هو ما يجعلهما مختلفين عن العازفين الآخرين الذين تواجه وجوههم المشاهد .  

عازف الغيتار أكثرهم نحافة . رجلاه أكثر انفراجا . فم عريض مفتوح تبدو منه أسنان . وقوف هش كأن ريحا تأخذه . ريح الموسيقى . 

وفي الخلفية وراءهم عازف البيانو . لا يبدو جالسا على كرسي كعادته بل إنه واقف يستند إلى الجدار ، رجلاه لا يوجد تحتهما كرسي كعادة عازفي البيانو . 

. إنه محشور بين البيانو و الجدار في وقفة غير مريحة . يده اليسرى أكبر من اليمنى و هذا لن يساعد العازف على استخدام أصابعه للعزف بطريقة محكمة فحجم اليدان مقياس لإمكانية العزف الممتاز على هذه الآلة . مرة أخرى يغير الرسام و يحرف الواقع فأي موسيقى سيعزفها هذا العازف ؟؟؟

يلعب ديبوفي بالأجساد ، يخترعها . يقول لا للثقافة التي سعت و تسعى دائما و أبدا إلى تربية الجسد و صقله و تهذيبه ليكون صالحا للاستعمال و الإنتاج و المنفعة و المردودية . جسد الفعالية ، الجسد المعقلن ، الجسد المصلحة . الذي يحكمه مقياس الربح و الخسارة . جسد السلطة تطبعه و تستثمره على حد تعبير فوكو . أجساد خاسرة ثقافيا . كلما يقطع الفن مع الثقافة كلما يتأسس كفعل حر فيبدع . لوحة ديبوفي أجساد تصنعها يد الرسام . أجساد مكثفة فيها شدة و قوة . أجساد بين الـ crescendo  يأخذها الرسام ، يزيد في الصوت تدريجيا أي يطيل مدته فتمتد رغبات أجساد العازفين و المشاهد . و الـ rinforzando يقوي الصوت تدريجيا فيزداد صوت الرغبة في العازف و المشاهد و المستمع ، و الـ sforzandoيقوي صوت نوتة أو  accord  فيقطع مع الثقافة السائدة و يعمق التوحش ، يزيد في جرعة الحرية .

più forte  دائما نحن في الـ più forte  أقوى  ثم أقوى ثم أقوى …

أجساد تصدر أصواتا ، إنها جسم صوتي . كل جسم يسمى صوتيا إذا كان قادرا على إحداث أصوات . إنها آلات موسيقية .  إنها أجساد موسيقية صوتية تقول الرغبة . الأجساد نحيلة – أليست أجسادا راغبة ؟ – و الآلات أيضا نحيلة . أحجامها ليست أحجامها . لقد أكلتها الموسيقى .

على يمين اللوحة تقف الكنترباس نحيلة على غير العادة . فقدت ضخامتها التي كانت تهيمن بها على العازف . الآلة ” الأثقل من بين كل الآلات ” على حد تعبير برليوز في كتابه بحث في التوزيع الآلي . جعلها ديبوفي نحيلة فصارت أخف مما هي عليه . جعلها أكثر جوعا . هذا يعني أنها ستكون تحت سيطرة العازف .

 

 

حارة في جزئها السفلي . باردة في الأعلى ، لونها أزرق . أي صوت ستصدره الآن بعد أن جعلها الرسام نحيلة ؟ الكنترباس تصدر من لوحة ديبوفي أصواتا لا تصدرها في الواقع لأن حجمها تغير في هذه اللوحة و اختلف عن حجمها الحقيقي المعروف .

الساكسوفون أبيض مصفر . أو ما قد يعرف أنه الساكسوفون لأن الرسام غير من شكله و شوهه . لونه مخضر ، فقد لونه الأصفر المعتاد . إنه النحاس و قد تقادم و لم يتم صقله و تنظيفه . هذه الآلة التي جعلها أسلوب ديوك إلنتنDuke Ellington  الموسيقي  تصدر صوتا حقودا ، خشنا تتلفه تقنية الـ      growl نخير غاضب فيه تذمر و تأفف يحركه فيبراتو vibrato يعبر عن فقدان الصبر.  

الكلارينات هذه الآلة التي تقوم – عادة بوظيفة التطريز حول الثيمة الموسيقية . لا شيء يبدو من تفاصيلها . إنها قطعة طويلة يمسكها العازف خالية من كل ما يجعلها قادرة على عزف الأصوات التي تخرج عادة من آلة الكلارينات . و التي تجعل هذه الآلة قادرة على عزف ثلاث دواوين و نصف من السلم الموسيقي و هذا يعني أنها من أكثر الآلات الموسيقية ثراء و تنوعا . فلا فيبراتو واسع أو ضيق يخرج منها و لا انزلاقات و لا ديناميكية تتجلى من خلال الفورتيforte  أو البيانيسيمو pianissimo و لا قراول  growl  يعبر عن التأفف أو الاستياء أو التذمر … و هو ما يتناقض مع ما يبدو عليه وجه العازف . تناقض يقصده الرسام فهو يخرج بنا من الرسم الواقعي إلى رسم يحرف الواقع و يأتي بما لا يقبله العقل . الرسام يطيح بالتمثيل و يصرعه و يميته . الرسام يفعل ما يشاء و ليذهب الواقع إلى الجحيم .    

الترومبيت لا شيء يبدو منها غير دائرة فتحتها . هذه الآلة التي يسند لها – عادة – وظيفة عرض الثيمة الموسيقية التي ستعزفها الجاز باند . لم نعد نعرف هل هذه آلة يعزف عليها عازف من القرن العشرين أم هو أحد العازفين الأستراليين البدائيين . يعزف على الديدجريدو   Didgeridoo ؟ آلة عمرها يعود إلى عشرين ألف سنة ماضية .  

الغيتار أبيض رمادي مصفر، مع قليل من البرتقالي حيث توجد يد العازف . 

حجم الغيتار أصغر من حجمه الأصلي . الزند أقل طولا مما هو عليه عادة و هو طول لا يتناسب مع حجم الجسم كما هو في اللوحة . و هو ما يختلف مع الغيتار

 الذي يستخدم في الواقع . الزند جزء أساسي في آلة الغيتار كما هو الحال في كل الآلات الوترية فهو الذي يجعل العازف قادرا على تحديد النوتات التي سيعزفها و بأي طريقة يكون العزف . مرة أخرى يشوه الرسام الآلات التي لا بد أن تعزف موسيقى مغايرة لما تعزفه أصلا .

ديبوفي عازف بيانو و هذا يعني أنه يعرف جيدا هذه الآلة البوليفونية – الآلة التي لها قدرات ميلودية و هارمونية و هي أيضا آلة إيقاعية و لذلك فهي قادرة على تعويض الأوركسترا . و لكن ماذا فعل ديبوفي بآلة البيانو لقد غيرها للتناسب مع لوحته أي مع القيم التي يريد التعبير عنها في هذه اللوحة .

فأصابع البيانو السوداء ليست مرتبة الترتيب المتعارف عليه . أصابعه ليست ثمانية و ثمانين إصبعا . فأي موسيقى سيعزفها البيانو و هو على هذا الشكل ؟

بيانو تنقصه المداوس pédales و هي وظيفتها إضفاء قدرة تعبيرية أكبر للبيانو . فالمدوس الأيمن – و هو الأكثر استخداما – وظيفته تلبيس و تغليف النوتة و تغطيتها – كما تلبس الأدوية حتى يستسيغها المريض فيحد الصيدلي من مرارتها أو قسوتها و حدتها و يجعل المريض قادرا على الاستمرار في تناول الدواء المدة الكافية حتى يشفى –  يغطي المدوس على قصر جودة الصوت sonorité . فالبيانو – و رغم قدراته البوليفونية فهو الأقدر من بين كل الآلات الغربية على تقديم موسيقى متنوعة جدا و ثرية و ذلك بفضل أصابعه الثمانية و الثمانين و لذلك فهو الأكثر استخداما عند الملحنين فهو قادر على عزف كل الأشكال الموسيقية – إلا أنه يعاني من قصر مدة الصوت و هو أمر مزعج للأذن ، لذلك يحتاج العازف بالضرورة إلى استخدام المدوس – خاصة الأيمن –  حتى لا تكون النوتات منفصلة بعضها عن بعض بل يشعر المستمع بارتباطها و انسيابيتها . ( 3 ) لا يريد ديبوفي ليونة و لا رقة و لا تصنعا و لا تكلفا . يريد استخدام الآلة الموسيقية دون إضافات تجملها ترققها تجعلها أكثر استساغة في أذن العازف و المستمع . يريد صوتا مباشرا و نيا و حامضا و مرا و كاسرا . موسيقى بدائية متوحشة . اذا كان الجازمان يعزفون على البيانو دون استعمال الدواسات و هذا اختيار منهم و قد يختار غيرهم استعمالها فإن الرسام حذفها مباشرة من لوحته .

كل الآلات غيّر الرّسام شكلها . هذا يعني أن الموسيقى التي تنبعث من هذه اللوحة تختلف عن الموسيقى العادية المتعارف عليها التي نسمعها من فرق الجاز . موسيقى لا يمكننا الاستماع إليها إلا من خلال هذه اللوحة . موسيقى لم تسمع من قبل . غريبة عن الآذان . غريبة عن عازفي و مطربي الجاز . موسيقى ديبوفي الخاصة به . الجاز الخاص به . مفاتيح الآلات غير واضحة ، بل غير موجودة . آلات الباروك كانت بلا مفاتيح و لكن هذه فرقة جاز .

أجساد الآلات تقشر الجدار . تجعله ينطق بموسيقى الرغبة التي لا تشبع . تنحت الموسيقى زمنها في الجدار . تقهره . وحدها الموسيقى تقهر الجدران . تخترق جمودها ، تعاليها ، سطحيتها … صارت الجدران مساحة تكتب عليها النوتات . نوتات الرغبة و الرعب . كل شيء في هذه اللوحة مشوّه ، محرّف …

الأحجام أصغر مما هي عليه في الواقع . كأن الرسام قام بحشرها في الجدار . أو كأن الجدار لا يستقبل أو لا يسجن إلا أجسادا مشوهة ، مسجونة . محشورة فيه :

الكنترباس و الغيتار و البيانو ، إنها الآلات الوترية .

من وجهة نظر كلاسيكية هناك تعذيب يمارسه الرسام على هذه الفرقة . و لكن في حقيقة الأمر كما تتعرض النوتات في الجاز إلى التحويل والتغيير والتحريف و التشويه تتعرض الأجساد والوجوه و الأشياء في تشكيل ديبوفي إلى تلاعب مرعب . 

يبدو فن ديبوفي مرتجلا ، لايسبقه فكر ولا تخطيط كما هو حال الجاز . فالارتجال في الجاز خاصية من خصائصه . وهي خاصية لا توجد في الموسيقى الكلاسيكية ولا توجد في الرسم الخطي الكلاسيكي ، حيث كل حركة محسوبة بدقة . الفنان مطالب بالالتزام بقواعد صارمة عند الرسم أو عند التلحين .

أفضل موسيقى تناسب فعلا ديبوفي لا بد أن تكون الجاز . إنها موسيقى اللحظة .

الجاز ؟ إنها الحمى المرتفعة . الجاز  ؟ إنها الموسيقى المرتبطة بالصدفة .

الجاز ؟ إنها القيم المتوحشة . إنه البحث عن البدايات . بدائية أسلوب ديبوفي وبدائية الجاز . لا تهذيب ولا تشذيب ولا تثقيف .إنها اللاعودة إلى الأنا ، إلى الوعي . ليس خلاص الإنسان – كما اعتقد فرويد – يكمن في العودة إلى العقل . ألم يقل فرويد في كتابه محاضرات جديدة (1932 ) : “Wo Es war, soll Ich werden” ، ” حيثما وجد الهو ، يجب أن يوجد الأنا . ” حيثما وجدت الرغبات يجب أن توجد القوانين و الثقافة . فرويد الذي اعترف بالرغبة و لكنه في الوقت ذاته احتقرها و اعتبرها عيبا أو نقصا أو عارا أو وصمة يجب التخلص منها و ذلك بإعلائها  أو إخفائها و كبتها بمعنى قمعها  و اذا انفلتت الرغبة من رقابة العقل فإنها تتجلى من خلال أمراض عصابية أو ذهانية او أفعال ناقصة كزلات اللسان و الأخطاء الكتابية … الخ من الانحرافات .

 العازفون و الموسيقى في حالة اشتداد و تفاقم و احتداد و هيجان و ازدياد . حالة رعدة وذعر و رعب و و روع . الانفعالات تأخذهم و الرغبات ، لا تشذيب و لا تهذيب و لا إعلاء .

في الثلاثينات إستقدمت أوروبا الكثير من الموسيقيين : النغتن ، كولمان  هاوكينز … فرصة سمحت لديبوفي بحضور عروض فرق الجاز .

 

يقول ديوك النغتن : “By and large, jazz has always been like the kind of a man you wouldn’t want your daughter to associate with.”

(4)  

للجاز معاني كثيرة . (5) يقال إن كلمة جاز كلمة افريقية مشتقة من malenke jasi  والتي تعني سلوك فيه شطط  و إسراف و هوس ،   و خروج عن المألوف . أن تحيي على نسق سريع ، تحت ضغط  و دون نهي أو منع أو كبت . في الأصل – و من معاني كلمة جاز أنها كلمة قبيحة . إنها سبّة .  الجازمان هامشي و لا متأقلم و صعلوك … نشأ الجاز في نيوأورليانز نهايات القرن التاسع عشر . إنه التقاء الموسيقى الإفريقية مع البلوز و الغناء الإنجيلي gospel  و موسيقى الكاريبي و المسيرات العسكرية و الأغاني الإسبانية و رقصة الكدريل الفرنسية . (6)  ” في الحانات و المواخير يبتكر الموسيقيون الجاز , صهارة تغلي ذات التأثيرات المتعددة  . ” (7)

خصائصه تجلعه مختلفا عن الموسيقى الكلاسيكية .

الجاز يعني السوينغ أي إبراز الأوقات الضعيفة – الثاني و الرابع – عكس الموسيقى الكلاسيكية التي كانت تسعى إلى إبراز الأوقات القوية . السوينغ يؤرجح الموسيقى فيجعلها ديناميكة و حية .

الجاز يعني القوة التعبيرية  بفضل :

   – الأصوات المستفزة ، المذهلة.( خفتت قوتها عندما أصبح الجاز أكثر تحضرا أي تمدنا )

   – الاهتزازvibrato  . ارتعاش متقطع ، متسرع ، أو أقل ضغطا و لكن ذو سعة متزايدة ، أو ذو امتداد ضعيف و تردد صغير .

– الانحناءات : المرور من نوتة إلى أخرى دون توقف عند الوسطى و ذلك بإصدار صوت فوق أو تحت الارتفاع الذي يريد أن يوصله إليه . مما يجعل اللحن قلقا مهموما و شهوانيا .

– تغيير الرنين الذي تحصل عليه ملحني الجاز باستخدام الصرخات المنبجسة من استغلال التوافقياتharmoniques

   – تشويه الطوابع timbres  باستخدام اكسسوارات تغير جودة الصوت و رنته : استخدام الخفاتة مثلا ، تغليف آلة الكلارينات بأكياس ، سد فتحات آلة البوق باليد …

   – إنها ” النوتات الوسخة ” التي تمتلئ انفعالا ، منزلقة ، مدفوعة ، مهتزة ، مرتعشة ، متأوهة ، صامتة ، فيها حفيف أو هدير أو ضجة مخنوقة .    

   – إنها  ” النوتات الزرقاء ” blue notes السباعية و الثلاثية تتراوح بين المقام الكبير  majeur و الصغيرmineur  . نوتات غامضة ، غير مستقرة حائرة بين هذين المقامين . مما يؤدي إلى تغييرات في الألوان ، لا في المقام ، خاصة في البلوز . إنها ” الشياطين الزرق ” التي تستحوذ على روح الذوات المكتئبة .

  – الأوف – بيت off-beat . حيث يقوم الملحن بكل التعديلات على الزمن القوي – و هو الزمن العادي – كتأخير النبرةsyncope . إلى أشكال أخرى من التأخير و الإبطاء المرهفة . الأوف – بيت هو الذي يصنع السوينغswing و الدرايفdrive  المميزان للجاز .  

  – التحويلات  altérations. استخدام كل ألوان الهارموني .

 – البوليفونية حيث تتنوع الآلات الميلودية كل حسب نطاق صوته tessiture  و طريقة لعبه و مزاجه ، مما يؤدي إلى البوليفونية أي تعدد الأصوات و الوحدة في الوقت ذاته . 

 – استخدام مبدأ :” نداء – استجابة ” بمعنى تناوب – على الطريقة الإفريقية بين نداء المغني و إجابة الفرقة الصوتية أو الكورس أو آلة البيانو أو آلة المترددة .

الجاز يعني الارتجال . في الموسيقى الكلاسيكية الارتجال نادر جدا . أما في الجاز فهو أحد خصائصه المميزة . عادة ما تكون بنية اللحن المرتجل في موسيقى الجاز على هذا النحو :  الثيمة – الارتجال – الثيمة . في أغلب الأحيان يتعلق الأمر من الانطلاق من لحن أو أغنية ستاندرد  standard ثم المجموعة أو السولو تقوم بالارتجال بالاعتماد على شبكة هارمونية تمثل إطارا له . يقوم السولو بالعزف في حين يعزف الموسيقيون الشبكة الهارمونية بصوت خافت mezza voce  . أو يرافق البيانو وحده السولو . و قد يتم تنويع المرافقة حسب رغبة العازفين . (8)

في الجاز الزمن مقطع ، ممزق ، مجرح ، مشرم …  إذا كان العازف في الموسيقى الكلاسيكية يسعى دائما و أبدا إلى عزف النوتة كما هي فعلا دون أدنى تغيير ، ذلك أنه يجب عليه أن يكون عزفه صحيحا و مهذبا و مؤدبا . يعزف ما كتبه الملحن بكل أمانة . فإن النوتات في الجاز تعزف في بعد أدنى من البعد الصحيح . الجاز تحريف و انحراف مبدع .

 في الجاز إسراف في استخدام الآلات و الموسيقى . الجاز موسيقى التهييج و التحريض و الإثارة . موسيقى الالتهاب و الاشتداد و التفاقم . موسيقى الاختلاج و الصراع الذي يخلق تشنجات . الصوت الحامي . ألم يطالب بياترو ماسكانيي 

 

الحكومات ” بحظر الجاز كما تحظر المورفين و الكوكايين ، هذه الموسيقى القادرة على إفساد ذوق الجمهور و أخلاقه . ” ؟ (9)

يشبه النغتن العزف و التلحين بـ ” فعل القتل . كنت ألعب مع النية في ارتكاب شيء ما . ” (10) هذا يعني أن العمل الفني فيه من الكثافة و الشدة ما لم نجده في التجارب الإنسانية المغايرة .

يقول النغتن : ” من  خلال التجوال في غابة  ” الأووهات ” ” oohs ”  و ” الآهات ” ” ahs ” باحثا عن ضجيج رخيمagreeable noise . أنا أحيا حياة البدائية بفكر طفل و عطش جامح للدياز و البيمول . ” (11)

نعرف اهتمام الرسام بالجاز منذ سنة 1943 و إعجابه خاصة بديوك النغتن . أحد أهم المبدعين في مجال الجاز . عرف الغنتن بصفته أحد صناع فرق الجاز الكبرى big band . و عرف بأسلوب خاص في الجاز ما يسمى أسلوب الدغل أو الغابjungle style – و هو جنس من أجناس السوينغ  swing – أسلوب فيه  فظاظة و عنف ، قاحل و غير مزخرف و مع ذلك مؤثر . أسلوب يذكرك بإفريقيا ، يدعوك إلى الرقص بجنون و إلى الحنان في آن . إنها الأدغال الإفريقية و المدينية هارلم خاصة . العزف بفظاظة و شراسة و خشونة ، العزف بصلابة و قساوة و شدة . العزف بأقصى الجهد و الإنفعالات . العزف بخبث. مقابل العزف الجميل في الموسيقى الكلاسيكية .

أسلوب تميز باستخدام تقنية الـ « growl » أو التذمر ، ذلك الصوت الحلقي ، الحنجري الذي يذكرك بزمجرة الحيوانات . صوت وسخ “dirty” فيه زعيق و صياح و صراخ . باستخدام البوق أو المترددة مع إضافة خفاتة . أسلوب عرف به ديوك النغتن – الجازمان المفضل عند ديبوفي – و استخدام المؤثر الصوتي الذي يعرف باسم ” وا وا ” WA WA حيث يضاف للآلات النحاسية خفاتة كالخفاتة المطاطية .

تقنية أخرى عرف بها أسلوب الدغل و هي تخص آلة الكنترباس و هي السلابينغ slapping   و يتمثل في ضرب الأوتار على صندوق الآلة الموسيقية بحيث نتحصل على أثر إيقاعي تصدره الكنترباس . من هنا جاء عنوان اللوحة . من القطع الموسيقية التي لحنها النغتن و التي تنتمي إلى هذا الأسلوب :

THE MOOCHE (12) التي صدرت سنة 1928 و KO –  KO(13) صدرت سنة 1940

أسلوب الدغل يعتبر أول أسلوب ابتكره النغتن ، استمر من سنة1926 إلى سنة 1932 و لوحة ديبوفي تنتمي إلى المرحلة الأولى في مسيرته الفنية . غابة افريقية بمعنى أنها عالم متوحش منفلت من كل رقابة ثقافية .

 و لكن أين عازف الإيقاع ؟ لماذا غيبه ديبوفي ؟

 في فرق الجاز تنقسم الآلات الموسيقية إلى ثلاثة أصناف :

  –  الآلات الميلودية كآلة الترومبيت أو النفير trompette و السكسوفون و الترومبون أو المترددة trombone …

  –  الألات الميلودية و الإيقاعية كالبيانو و الكنترباس و الغيتار .  

  –  و أخيرا الآلات الإيقاعية كالباتري أو الدرامز تلك الآلة الموسيقية التي أبدعها الجاز من أجل الجاز ، التي تضمّ مجموعة من الطبول الصغيرة والكبيرة والصنوج . الآلة التي تنظم الميلودي و تؤكدها و تجليها فتجعل الموسيقى أكثر تأثيرا . كما تنظم علامات الوقف – كالنقطة و الفاصلة و الأهلة … – في الجمل المكتوبة . هذه الآلة الايقاعية غائبة في لوحة الرسّام .

الجاز هو الدرامز .

هل من الممكن أن توجد موسيقى من دون إيقاع ؟ طبعا لا . هل نسي ديبوفي الإيقاع ؟  والإيقاع ينظم الزمن والمسافة في الموسيقى . هل ارتكب الرسام خطأ دون وعي منه ؟ هل كان يقصد فعلا حذف الإيقاع ؟ هل تناسى الإيقاع ؟ هل كان يقصد فعلا تشويه الموسيقى ؟

لا وجود لموسيقى من دون إيقاع .

بتر وحذف وتشويه و إقصاء و إزالة و تحريف … هكذا يواصل ديبوفي انحرافاته و يزيد من حدتها .

من دون إيقاع تصبح الموسيقى فوضى ، فهل هذا ما أراده ديبوفي فعلا ؟

هل أراد القضاء على النظام الذي تتضمنه الموسيقى و تمثله ؟ أليست الموسيقى فن النظام ؟ أليست الموسيقى فن التحكم و السيطرة ؟ أنظر استخدامها في المصانع و المحتشدات لخلق أجساد طيعة منتجة .

من دون إيقاع تصبح الموسيقى مملة غير ذات أهمية ، فهل هذا ما أراده الرسام ؟

من دون إيقاع تفقد الموسيقى قدرتها على التأثير و الفعل في الذات بأخذها إلى الهنالك و تغييبها عن الزمان الحقيقي و ذلك بخلق زمان آخر يرتاح إليه المستمع .

ما مدى تأثير اللاوعي على ما أنجزه الرسام ؟ ما مدى مساحة الوعي في عمل ديبوفي ؟ كان عليه أن يحشر الآلة وعازفها – ربما – وراء العازفين قريبا من البيانو . و لكنه لم يفعلأو يفسح له مكانا بينهم . و لكنه لم يفعل . لماذا ؟ هل كان جنون ديبوفي الإبداعي المتوحش المخرب مطلقا إلى حد انه حرّف الجاز ؟

نعرف أن الرسام –  في لوحة أخرى انجزها سنة 1944- وهي لوحة

 

 Grand Jazz Band (New Orleans). December 1944. Oil and tempera on canvas, (114.6 x 146.7 cm).

 تشبه كثيرا هذه اللوحة – لم ينس عازف الإيقاع . وضعه بين عازف الترومبيت و عازف الكلارينات . هذه اللوحة سابقة عن اللوحة موضوع دراستنا التي رسمها سنة 1945 . و هي لوحة أقل جمالا من جاز باند –  ديرتي ستايل بلوز .

إذن لوحتنا جاءت بعد لوحة  Grand Jazz Band (New Orleans) . لعل هذا يجعلنا نستنتج أن ديبوفي قصد محو عازف الإيقاع .

هل كان الرسام ممجدا للفوضى إلى حد أنه شوّه الجاز و هو أساسا فن التشويه .

يريد ديبوفي أن يبدع فنا أكثر وحشية من الجاز . أكثر تخريبا . أكثر تأكيدا على الرغبة و ليس تعبيرا عنها . ديبوفي الذي كان رافضا لكل نسق و لكل مجموعة و لكل نظام اجتماعي ، لا بد أن يكون حذفه لعازف الإيقاع ليس إلا محوا للرابط و حذفا للحبل و القيد الذي يسجن هؤلاء العازفين و هو العقل . العقل جملة من المبادئ التي تنظم الفكر و السلوك فتمنعهما من الانحراف إلى الباطل و الشر و القبح و السقوط في الحيوانية . ديبوفي يخرج عن القواعد و عن النظام . يحطم لغة ليبني لغة أخرى تتعارض مع ما يمليه العقل و الواقع . إنه خارج الثقافة . يمارس” اعتداء المبدع ضد كل لغة . ” (14) أي ضد كل نظام .

فردية ديبوفي ( أليست الفردية سمة الفن ؟ الفردية وليست الفردانية . الفردية بما هي استقلالية و قدرة على الخلق و رفض للتبعية ) جعلته يقصي الموحد . يقصي القائد . يقصي الديكتاتور . عازف الإيقاع .

” أن نبدع لا يعني أن نتواصل بل نقاوم . ” (15) لا يريد ديبوفي تواصلا فيحضى باعتراف و قبول المتلقي فيقدم له ما ينتظره . ما يريده هو مقاومة السائد و الخروج عن المعتاد و المتكرر و المألوف بمعنى الخروج عن الثقافي .

صحيح أن الجاز جذوره إفريقية . فيه الكثير من البدائية ، أي التلقائية و الإحساس المتدفق و الحرارة و الخروج عن النظام السائد . غير أنه ليس إلا نتاجا ثقافيا أمريكيا دخل السوق التجارية . بل هو في بنيته فن مغرب غارق في النظام و الوحدة . رغم تعدده و تنوع أساليبه . و رغم رفض الكثيرين لموسيقى الجاز و اعتبارها موسيقى لا تضاهي الموسيقى الكلاسيكية ، فإن الجاز ليس إلا موسيقى خاضعة لقواعد صارمة شأنها شأن الموسيقى الكلاسيكية و ذلك أثناء تقدمه في التاريخ . الجاز ليس إلا نتاج تلاقح الموسيقى الإفريقية مع الموسيقى الغربية . الموسيقى الأولى الأصلية تلوثت بالثقافة الخانقة أي الغربية . ألم يِؤلف  ديبوفي كتابا عنوانه الثقافة الخانقة ؟ الغرائزي تحول إلى ثقافي بمرور الوقت . أصبح الجاز بورجوازيا . ألم يلحن إلنغتن ألحانا في شكل سويت ؟ ذلك الشكل الكلاسيكي الذي لحن فيه باخ ، شوبان ، تشايكوفسكي ، شونبرغ ، ديبوسي …

الجاز ليس إلا مؤسسة ثقافية . نحن نحتاج إلى موسيقى أخرى .  

دي بوفي موسيقى لا تعبر عن الرغبة بل تنتجها . 

لوحات ديبوفي ليست استعادة للواقع . إنها لا تحاكيه . يضع الرسام في لوحته ما يشاء و يمحو ما يشاء . ذلك هو العمل الفني اختيار ذاتي خالص . حتى نظام فرق الجاز غيره . ذلك انه لا تخلو فرقة الجاز من عازف الإيقاع . هكذا لا يخرج ديبوفي عما يتميز به الفن من كونه مجال الخلق و الإضافة و الخيانة و الذاتية . فعلا كان الرسام وفيا للرسم والجاز ، كان وفيا للفن بما هو إنشاء ذاتي خلاق يتجاوز كل الحدود . لقد خلق الرسام عالما آخر . العالم كما يراه هو . جاز خاص به . موسيقى من إبداعه هو تحديدا . موسيقى من دون إيقاع . وهي موسيقى لا وجود لها في الواقع . موسيقى لا توجد إلا في لوحة ديبوفي . هذا هو جنون ديبوفي . هذا هو فعلا l’ art brut الأسلوب الفني الذي أضافه إلى الفن منذ سنة 1945 سنة انجاز هذه اللوحة . انه إبداع مجنون . إبداع الجنون . ديبوفي فعل ما لا يعقل ، ما لا يقبل . رسم خارج الثقافة ، خارج الوعي السائد . ديبوفي مخربا للنظام .    

 هل كان رسم ديبوفي خارج المعايير الجمالية مطلقا ، في حين كان الجاز  خارج المعايير الجمالية الكلاسيكية فحسب ؟ ديبوفي لا يريد موسيقى تدجن و تستعبد القوى المتوحشة في الإنسان و هي قادرة على ذلك أكثر من أي فن آخر .

 نعرف أن ديبوفي مارس العزف الموسيقي منذ طفولته . عزف الموسيقى الكلاسيكية على البيانو عشرين سنة . ثم اهتم بالعزف على الأكورديون منذ سن الخامسة والثلاثين . ثم منذ الأربعينات من القرن العشرين أصبح مهتما بالجاز . عزف المقطوعات الموسيقية Gريبرتوار ديوك النغتن . ليبتعد في المرحلة الموالية عن الموسيقى الغربية – على حد تعبيره –  ويستمع إلى الموسيقى الشرقية .

أما عن ممارسة ديبوفي للموسيقى في حد ذاتها – أي إبداع آثار موسيقية –فتلك متاهة أخرى . في شتاء سنة 1960 التقى الرسام الدانماركي أسجر جورن .

هل نسي ديبوفي الإيقاع أو حذفه عندما قام بتلك التجارب الموسيقية ؟

يقول ديبوفي عن تلك التجارب الموسيقية أنها كانت تسعى ” إلى نسيان كل تشريط ثقافي . إنها تسعى إلى مسح كل مااسمه موسيقى و الانطلاق من بداية أخرى . […] – موسيقى يسحبها ديبوفي –  من المغني الذي يعبر عن أمزجته العاطفية و الغرامية ليرجعها إلى الهمهمات الكونية التي تهب ضجيجها المتوحش . “   (17) كان الرسامان يعزفان و في الوقت ذاته يسجلان ما كانا يرتجلانه على آلات مختلفة كالبيانو و الكمان و آلات صنعها آلان فيان صاحب متجر للآلات الغريبة و النادرة . يستحضران الإنسان البدائي الذي لا معرفة له بالحضارة الغربية . موسيقى بدائية مسموعة ولكن غير مكتوبة . أليست الكتابة ترويضا للقوى المتوحشة في الإنسان ؟ واصل ديبوفي التجربة في حين تخلى عنها الرسام جورن ، حتى انه خصص غرفة للعزف و التسجيل .

صدر لديبوفي اسطوانة بعنوان تجارب موسيقية ، الموسيقى الصلعاء 1991 .

بعض الأعمال الموسيقية لديبوفي نجدها في موقع أوبو  (16)

بينما كان ديبوفي يجرب موسيقاه بعيدا عن كل تشريط ثقافي ، كان الجاز في سنة 1961 قد ابتعد عن بدائيته و دخل في ثقافة السوق الموسيقي و الشوبيز . لقد تحضر و تمدن و تثقف  .

Notes

1 – Gilles Deleuze et Felix Guattari , Qu’est-ce que la philosophie ?, en collaboration avec Félix Guattari, Les éditions de Minuit (coll. « Critique »), Paris, 1991, p . 192

2 – Ibid , p . 195

3 – http://pianoweb.free.fr/pedales-piano.html

4 – http://www.worldjazzscene.com/quotes.html

5 – http://www.lamediatheque.be/dec/clj/q01_02.htm

6 – Philippe Hucher , Le Jazz , Collection :DOMINOS FLAMMARION , 1996 , p . 25

 

7 – Ibid , p . 26

8 –  http://www.lamediatheque.be/dec/clj/q02_02.htm

9 – ورد في كتاب

André Schaeffner , Le jazz , éditions jean michel place , PARIS , 1988 , p. 115   

10 –  http://www.brainyquote.com/quotes/authors/d/duke_ellington.html

11http://thinkexist.com/quotation/roaming_through_the_jungle_of-oohs-and-ahs/203141.html

12 –

http://www.youtube.com/watch?v=CDVZdZMCc0w&feature=related

13 – http://www.youtube.com/watch?v=O3R11NaEiW4&feature=related

 

14 – Michel Thévoz , Le Langage de la rupture, Paris, P.U.F, 1978 , p . 11 – 12

 

 15 – Gilles Deleuze et Felix Guattari , L’Anti-Œdipe : Capitalisme et Schizophrénie T.1 , , ed . de Minuit , 1980 , p . 196

16-         http://ubu.clc.wvu.edu/sound/dubuffet.html 

17 – Collectif ,Jean Dubuffet ; expériences musicales , éd Nbc , 2006

18 – Lucien Malson , Histoire du Jazz et de la Musique Afro-   Américaine . Editions du seuil , mai 1994

–         – 19المعجم الموحد لمصطلحات الموسيقى ، المنظمة العربية للتربية و الثقافة و العلوم ، تونس 1992

 

 

 

 

 

 

Related Posts via Categories