تولَّى الكلبُ عن نفسي الجوابا / بقلم: آصف قزموز

قالوا في الكلاب كثيراً مثلما قالوا في البشر وغيرهم. ولكن للحقيقة والإنصاف، فإن الكلبَ لهُ ما لهُ وعليه ما عليه،ما حدا أحسن من حدا، خصوصاً عِنْد ما بِدُّو يِتْكَلْبَن ويِنْسعِرْ ويْطيح عَضْ في الرايح والجاي عمّال بطّال. بَل ودَخل هذا المخلوق منذ القِدم عالم الشعر العربي. فقالوا:

لو كل كلب عوَى ألقمته حجراً   لأصبح الصخر مثقالاً بدينارِ

فغضّ الطرفَ إنك من نُمير      فلا كعباً بلغت ولا كلابا

لكن علي بن الجهم الشاعر العربي البدوي أبرز أهم صفات الكلب حين أنشد مادحاً الخليفة بالقول:

أنت كالكلب في حفاظك للوُدِّ          كالتَّيْس في قِراع الخُطوبِ

ومع كل هذا لا يمكن للمرء أن يلغي أو يغير الصفات المتأصّلة في النفس والمكونة لها، إذ تبقى الكلاب كلاباً والأسود أسوداً. فقد عَوَت الكلاب ونَبَحَت أيضاً حتى على ذاتها، أي لأجل ذاتها وليس لأجل الآخرين أو عليهم، وهو ما يحصل غالباً في الأزمات والزنقات غير القابلة للتصدير والإلقاء بها على كاهل الآخرين، ذلك لأنه، الكلب طبعاً، لا يملك براعة الإنسان في ذلك ولا عقلهِ.

القصة يا سادة يا كرام، تُروى على أن مجموعة من الكلاب قد عقدت عزمها وحزمت أمرها، وقرّرت عقد اجتماع عاجل لبحث إمكانية الاتفاق فيما بينها على وضع حد لحالة النباح الدائم الذي بُحَّت به أصواتها، وسهر الليالي الطويلة، الذي أضناها وأثقل كاهلها، فضاقت بالأمر ذرْعا.

عقدوا الاجتماع في المكان والزمان المحدّدين، تحت إجراءات كلبية أمنية مشدّدة، فعَلَتْ أصوات نابحة متعددة، مع أن القضية واضحة ومحدّدة، وبعيداً عما حلمته الألسُن والأفئدة. حسم الجميع أمرهم بقرار قاطع يحظر على جميع الكلاب في أي زمانٍ أو مكانْ، النباح والعواء أو الجهر بالصوت على كائنٍ من كانْ من إنسٍ أو جانْ أو قردٍ أو سَعدانْ، بِلا استثناء ولا دستور ولا إحِم  ولا استِئذانْ، مهما تعددت الظروف والأسبابْ وحجم الظلم والطغيانْ، وتحت طائلة القانون وشديد العقابْ بأيِّ آنْ.

ساد الصمت الرهيب والهدوء ولا صمت القبور، بعدما غادر كل منهم قاعة الاجتماع فرحاً بالراحة والسكينة التي سيهنأ بها، وناموا تلك الليلة بجانب حظائرهم المعهودة إليهم بالحراسة، بلا نباح ولا عواء على الزمان ولا المكانْ، مستغرقين في نوم عميقْ لا على بالهم همّ من عدوٍّ ولا صديقْ.

وفي إحدى الليالي الحالكة بجانب إحدى حظائر الأغنام، كان  أحد الكلاب مستغرقاً بنوم عميقْ يقرب من حالة اللازفير ولا شهيقْ، وإذا بأحد اللصوص يقبل على الحظيرة وهو يقترب من الكلب لسرقة إحدى الأغنام. لكنه سرعان ما التفت إلى جانب الحظيرة وإذا بالكلب النائم بجانب البوابة، فقرر على الفور اختصار المسافات والزمن وحمل الكلب وولى به هارباً، معتقداً أن الكلب هو إحدى الأغنام الضالّة خارج الحظيرة. وخوفاً منه أن يكون عرضة للمحاسبة والمساءلة إذا خرق القرار، ظل الكلب صامتاً لا ينبح ببنت شفهْ، واللص يَغُذّ الخطى مسرعاً بعيداً عن الحظيرة في عتمة الليل البهيم، حتى وصل مكاناً آمناً، فاستل سكينه من جيبه بعدما طرح ضحيته الملتبسة على الأرض ليذبحها. في تلك اللحظة من ساعات الليل البهيم لم يعد في احتمال الكلب صبراً، ويا روح ما بعدك روح، أطلق الكلب العنان لصوته بالنباح المزلزل من شدة الخوف، وفرّ اللص هارباً يولي الأدبارْ، تاركاً الكلب وشأنه يعوي حرّاً طليقاً بصوتٍ هدَّارْ،يوم لم ينفع مالٌ ولا بنون ولا صديق ولا جارْ. لكن، ما إن سمعت الكلاب نباح الكلب الخارج من الموتْ، حتى تقاطرت جميعاً نحو مصدر الصوتْ. فتحلّقوا حوله يكيلون له اللوم والتوبيخ لخرقه القرار المشفوعْ، مطالبين بأقصى العقوبة لإطلاق صوته بالنباح الممنوعْ. لكن الكلب المعذور سارع للدفاع عن موقفه المتينْ، قائلاً إن نباحه كان على ذاته لا على الآخرينْ. ومنذ تلك الحادثة يا إخوة يا كرامْ، ويا مِسْتِمْعين الكلامْ، دخلت مقولة “نباح الكلب على حالُه” مثلاً في الموروث الشعبي العامْ، بفضل ذاك الكلب الذي نامْ، فأصبح بطلاً هُمامْ ، بعد ما تجشَّى خَوْفهُ من وَرَا وْمِن قُدَّامْ.

نعم، يا سادتي، يأتي على الكلاب مثلما يأتي على الإنسان حينٌ من الدّهر يعوي على حالِهِ، وليس بالضرورة أن يظل نباحه دوماً على الآخرين. لكن يا جماعة مش كل مرّة بْتسْلَم الجرّة، وإذا كان المرّة لَحَّق حالو ونَبَحْ عالسَّريع بعلو الصوت ومَزَط بِجِلْدُه، المرّة الجاي وحيات لِحْيِتْكُم عالطَّيِّب بيجوز تكون أصعب وأعقد وما راح يِسْعفُه الحظ في النباح في الوقت المناسب، وراح توكِل السِّكينة من جلْدُه قراريط ومن مؤخرتُه راكاتْ وراكاتْ.

فأخيراً باضت لنتنياهو وليبرمان الله وكيلكُمْ في القفص، ويمكن كمان راح تُرْقُد لُه عليهِن ويْفقْسُوا لُهْ صوصان وزغاليلْ وِقرود وسعادين إذا بِدُّو.يعني إشي بيحُط العقِل بالكَفّْ وبِيقَعِّد السَّعدان عالدَّفْ، تماماً وفي التوقيت المناسب يُفتَح أمامهم مَسْرِب الهَرَب الجاهز عبر بوابة العنف والإرهاب التي اعتاد نتنياهو وسلفه سلوكها نحو المواقف الآمنة من خلال تصدير الأزمات ودحر الاستحقاقات والالتزامات كما في كل مرّة على امتداد المسار السياسي والتفاوضي الذي أعيا الشعب الفلسطيني بين ياريتْ وما ياريتْ، وجاوز حدود قصة إبريق الزيتْ وفضيحة ووتر غيتْ.

فما أن أطلقت صافرة البداية لإعادة دوامة العنف وأجواء ما سموه بالتوتر الأمني، الناجم في ظاهِرِه عن العملية العسكرية ضد حافلة الجيش الإسرائيلي في مدينة إيلات، حتى هلَت أولى البشائر لنتنياهو وحكومته المتطرفة، بإلغاء الفعاليات الاحتجاجية الإسرائيلية التي كانت مقررة في القدس، وذلك حتى انتهاء ما سُمي الأحداث الأمنية. وسرعان ما انبرى ايهود باراك مجدداً ليدق طبول الحرب على غزة، مستهلاً ذلك بردٍّ عنيف على العملية التي حصدت سبعة قتلى وأكثر من 26 جريحاً إسرائيلياً، إضافة لما تلا ذلك من قصف واشتباكات وما نجم وسينجم حاضراً ولاحقاً من وبال ودمار وخراب ديار.

وعندما يتحدث نتنياهو عن استعداده لتغيير توجه حكومته إزاء اقتصاد السوق الحُرّ، فإن في ذلك ما يمكن أن يؤشر إلى ثمة إمكانية للتغيير في المنحى السياسي الإسرائيلي، وذلك انطلاقاً من حقيقة أن السياسة في كل الأحوال تعبير مكثف عن الاقتصاد. وها هو يثبت مع إطلالة كل يوم من فوق الصفيح الساخن الذي يغلي بالأزمة الداخلية والخارجية، إنه حين يبالغ في التّيه وتوسيع الاستيطان المتسارع على حساب سرقة الأرض والشعب الفلسطيني، إنما ينطلق من منطلق أزماتي مضاف لمنطلقاته وثوابته السياسية والعقائدية، ويقوم بوضوح على تصدير الأزمة الشاملة وضواغطها وتنفيس الأزمة الاجتماعية وأزمة الإسكان على وجه التحديد، لتضع كامل أحمالها وأثقالها على كاهل وحساب الفلسطينيين أرضاً وشعباً، شمساً وسماءً وهواءً.

لكن نتنياهو يقف اليوم على حدّ السيف وكف عفريت أمام عدة احتمالات في اللحظة الساخنة الراهنة، لا بل ربما يكون ثالثها قد بدأ، فإما أن يعيد الاصطفاف السياسي من جديد ويغير تحالفاته ليذهب نحو التحالف مع بقايا حزب العمل وحزب “كاديما” المولود من خاصرته أصلاً، أو الذهاب باتجاه انتخابات مبكّرة في حال أخذته العزّة بالإثم تحسباً من اعتبار مثل هذا الخيار بمثابة نصر لسياسات “كاديما” على “الليكود”، أو الذهاب نحو جحيم الحرب لتصدير الأزمة وإدارتها من خلالها، وهو ما بدأت مؤشراته تبدو مع ما نشهده اليوم من بدايات الرقص والحَنْجلة على أطراف غزة وعمقها في السموات والأرض.

وسواء نبح الكلب طُرّاقه أم سُرّاقَهُ، فإن ثمة حقائق وسماتها وتجلياتها. فلعل في توسع مكونات ومديات الظاهرة الاحتجاجية في إسرائيل وأهمية خروجها من شرنقة العنصرية والتطرف التي استبعدت إلى حد كبير الشارع العربي في إسرائيل من هذا الحراك، مع أن أسبابها ودوافعها وأهدافها تتسم بالمطلبية الاقتصادية والاجتماعية التي تطال الجميع بلا استثناء ولا رحمة. ما يفتح الباب واسعاً على أهمية إعادة الحسابات والاصطفافات في الساحة الإسرائيلية وضرورة تناغمها في فعلها ونشاطاتها مع الفلسطينيين في الساحة الفلسطينية نحو إيجاد الحل السياسي. ذلك لأنه وفي مطلق الأحوال تبقى للسياسة أسس وجذور راسخة في الاقتصاد، ولا بد من خلق قواسم ومصالح مشتركة تؤمن الجميع وتساعد على قيام الدولة الفلسطينية التي ستساعد على قيام السلام الشامل الضامن والآمن، الذي سيحفظ مصالح الجميع، باعتباره مُخْرجاً ونتاجاً قوياً وراسخاً من مخرجات توازن المصالح بين الشعبين، ما يمكن أن يفتح الباب جدياً أمام فرص نقل صورة الصراع الذي عمل المتطرفون الإسرائيليون في جميع المستويات على إبقائه محصّلةً لتوازن مصالح سياسية بحتة بين الحكومات المتعاقبة ومراكز القوى المعنية، لكي يتحول إلى توازن مصالح وقواسم جدية واسعة بين شعبين، تقوم على أسس اقتصادية واجتماعية أولاً، وهو الأمر الذي سيقرب الحل السياسي المنشود. فها هو نتنياهو يواجه الحركات الاحتجاجية في إسرائيل بذات اللغة والمنطق التي تتعامل بها النظم العربية الآيلة للسقوط في مواجهة شعوبها، ولكن في ظل بقاء الحبل على الغارب وانفتاح الأمر على المجهول.

ولعل ما يسعف سالف القول ويعززه، هو أن النظام العربي الرسمي الذي تهاوى مترنحاً أمام ناظري الحكام وتحت وطأة الحراك الشعبي والاجتماعي، لتصبح توازنات مصالح الشعوب وقواسم الهموم والمشاكل المشتركة، هي الأساس الصالح، الذي ستقوم وتتأسس عليه النظم التي ستحكم هذه البلدان. وبالتالي هو الذي سيعيد صياغة النظم السياسية من جديد، برؤىً جديدة، تكون أكثر تقارباً بين الشعوب وتوازناً بين المصالح.

27-8-2011

asefsaeed@yahoo.com

Related Posts via Categories