استيقظت الأم ليلا ، وراحت تتوضأ كي تصلى صلاة قيام الليل ، لاحظت أن نور حجرة ابنتها دارين مَضاء ، فاتجهت إليها و دقت الباب برفق ، لكن لم تسمع لابنتها صوت فظنت ألام أن ابنتها غلبها النعاس و نامت دون أن تخفض نور المصباح
فتحت ألام الباب برفق ،، فإذا  بدارين ساجدة تصلى …انتظرت ألام حتى انتهت ابنتها من الصلاة   وقالت في حنو : وفقك الله يا ابنتي وهداك ، و جعلك من الدين يسمعون القول فيتبعون أحسنه ،
• شكرا يا أمي ، أرجوك لا تنسيني بالدعاء
ـ اعتقد يا ابنتي انك أسهبت اليوم في السهر ، ولا بد  أن تنامي حتى تستطيعي أن تستوعبي محاضراتك غدا
• الحقيقة يا أمي أن موعد المحاضرات قد تأخر غدا، وهذا يعطينى فرصة للسهر .
ـ  وفقك الله يا ابنتي.
* لا تشغلي بالك يا أمي ، سوف اذهب إلى فراشي بمجرد أن انتهى من الصلاة
وفى الليلة التالية تكرر ما حدث بسابقتها.
انصرفت الأم ، لكن تحرك في نفسها شعور غريب لم تدرك له تفسير .
بعد أن انصرفت دارين إلى الجامعة ، دخلت ألام حجرة ابنتها كي ترتبها ، فوقعت عيناها على كتاب السيرة النبوية لابن هشام ، فتصفحت أوراقه ، فلفت نظرها أن ابنتها قد دونت في هامش الكتاب سطورا عبرت فيها  بلسان الحال عن بطولة السيدة صفية بنت عبد المطلب ، فقالت ،  ” كنت في فارغ حصن حسان بن ثابت ، و قد كان معنا النساء و البنات، فمر بنا رجل من يهود ، فجعل يطوف بالحصن و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت ، فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطوف بالحصن و إني و الله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود و قد شغل رسول الله عنا ، فانزل إليه واقتله ، قال : يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب و الله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا ،  قالت : فلما قال لي ذلك ، أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن ، فقلت يا حسان انزل إليه فاسلبه فانه لم يمنعني من سلبه إلا إنه رجل ، قال حسان ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب .
اقبلت دارين من الجامعة ، وعندما دخلت حجرتها ، رفعت الأم عيناها من على اسطر الكتاب ورمقتها بحنو ولم تقل شيئا ،وضعت الكتاب مكانه وانصرفت ، سارعت دارين بالكلام
• يبدو يا أمى إنك متعبة ، دعينى أقوم بترتيب كتبي و أترك الحجرة معدة للتنظيف .
تركت الأم ابنتها و لم تزل في حيرة من أمرها ، ولاسيما إن سلوك دارين كان يتكرر كل يوم و بنفس الكيفية
و في ليلة أرّق النوم عينى الأم و قامت كعادتها لتصلى صلاة قيام الليل وكعادتها لا حظ أن نور حجرة ابنتها مضاء ، فاتجهت إليها ، وما كادت أن تصل إليها إلا واستمعت صوت ابنتها  وهى تقرا القرآن و تبكى و تدعو الله أن يجعلها من الصالحين و أن يقبل أعمالها ، انصرفت الأم إلى حجرتها كي تنتظر آذان الفجر  ، وبعد أن انتهت من الصلاة، اتجهت إلى حجرة ابنتها فوجدت الحجرة قد قيض نورها ، و لم تدر  متى عادت دارين إلى فراشها
وفى الصباح الباكر قالت دارين لشقيقتها إنها سوف تذهب لشراء كتاب ، ، ثم عادت بعد ساعات ، وسألتها أختها ابتسام ، عما إذا ما كانت قد اشترت الكتاب فأخبرتها إنها وجدت الكتاب  قد نفذ من المكتبة ووعدها صاحب المكتبة أنه سيوفره لها مساء اليوم .
خرجت دارين و غابت و قتا طويلا ، و في العاشرة من مساء الأربعاء اتصلت بعائلتها لتطمئنهم
عليها وأخبرتهم إنها سوف تعود  بعد قليل . ومضى الوقت ، و لم تعد دارين ،
اتتشر خبر تنفيذ عملية استشهادية بعد أن أنهت دارين المكالمة و بعد أن وعدت أهلها بالعودة ..
تأكدت مشاعر ألام ،التى كابدتها ولم تستطع ان تبوح بها بعد أن عرفت أن منفذة العملية ، ابنتها دارين.
•  وفى صباح الخميس الموافق 28/2 / 2002 زار وفد من الإعلاميين منزل الشهيدة دارين أبو عيشة بقريتها بيت وزن قضاء مدينة نابلس شمال الضفة الغربية أخبرت أسرتها بأن العملية التى نفذتها دارين أمام حاجز عسكري صهيوني في الضفة الغربية أسفرت عن إصابة ثلاثة من جنود الاحتلال و استشهاد دارين مع اثنين من الفلسطنين كانا معها ، و حاول أحد الصحفيين أن يجرى حوارا مع الأسرة حتى يكون على بينة بما ينشره في حق هذه الاستشهادية العظيمة ،فروت الأم ما قد لا حظته أخيرا من سلوك ابنتها التي لم تصرح لها بأي شيء عن أمر هذه العملية ، و عندما راح يسترسل في الحوار حتى يجمع كل المعلومات عن ملامح هذه الشخصية ، لم تستطع الأم أن تستمر واستأذنت في الانصراف إلى حجرتها
استمرت ابتسام في الحديث عن شقيقتها دارين ، و قد سألها المحرر ، هل أعربت لك دارين مسبقا عن رغبتها في تنفيذ هذه العملية الاستشهادية .؟
/ الواقع إن دارين لم تصرح بأمر ما فعلت بأسلوب مباشر، و لم تعرب لنا عن ذلك ، لكنها كما يبدو من بعض تصرفاتها كانت تميل إلي أن تنتقم من الأعداء ، و تود لو تفز بالشهادة ،
كيف أدركت ذلك .؟
كانت دائمة الحديث عن الشهادة ومكانة الشهداء و كثير ا ما كانت تقوم بتشيع جثمان كل شهيد يقتل في هذه الأرض ، و كانت تعد ذلك واجبا  وطنيا .
هل يمكن أن تصفى الحالة التي كانت تعتري دارين يوم أن نفذت العملية .؟
/ الواقع إنها كانت طبيعية جدا كما روت لكم أمي، و لم يبدو عليها أي ملامح تعبر عن ذلك ، ولا سيما إنها إنسانه عاقلة و متزنة تستطيع أن تكتم ما في نفسها ولا تعرب عنه بسهولة وهذا ما حدث بالفعل كما رأينا ، لكنني قد علمت من إحدى صديقاتي أنها قد توجهت إلي الشهيد جمال منصور الذي اغتالته قوات الاحتلال الصهيوني في أغسطس 2001 و طلبت منه الانضمام إلى الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس ، و أعربت له عن عزمها القيام بعملية استشهادية ، لكنها وجدت من حركة حماس صدودا ، و قال لها الشهيد ” جمال ” عندما ينتهي الرجال من وطننا  ، سنستعين بكن للقيام بالعمليات الاستشهادية
لم تجادل دارين جمال ، لكنها أصرت في نفسها أن تتعاون مع من يحقق لها رغبتها في ذلك .
قال المحرر في مرارة ، لقد استطعنا أن نحصل على شريط فيديو لدارين ، قد تم تصويره قبل تنفيذها العملية ، دعينا نطلع عليه .
وضعت ابتسام الشريط  و أدارت الجهاز ، و بدا الصمت على الجميع ،  بدت دارين قوية الإرادة و العزيمة و افتتحت الحديث باسم الله الرحمن الرحيم و الصلاة على خير الرسل و المرسلين ، وتوجهت إلى أمها بالاعتذار على أنها لم تودعها ، فموعد اللقاء في السماء لا بد آت  ثم استطردت  تقول ، أمي ، اقتضت حكمة العاقل أن يدرك أن محاولة الانتصار تحقيق للذات و تطهير لقلب المرء من الإحساس بمرارة الذل و الهوان إذا قهر أو غلب
لا تحزني يا أمي ، فان الله سبحانه وتعالى إذا ما ابتلى عبدا ، فإنما يريد أن يطهره من شطحات العقل و خطرات البال المزيفة ، و أن ينزع منه غرور النفس التي تحجبه عن الحق لترجعه إلى بارئه ليقف على حكمة الله في الاختبار و الابتلاء
أمي ادعى لي يا أمي أن أكون قد تطهرت من نفسي و سموت بروحي لحظة تضحيتي من اجل الأقصى ، من اجل أسرتي من آجل  أخواتي ، من أجلك أنت يا أمي  ومن اجل الأرض الطاهرة .
وداعا يا حبيبتى سوف تتقابل ارواحنا فى السماء

درية توكل

 

 

 

Related Posts via Categories