بعد فترة ليست بالقصيرة حاولت أن أخطو باتجاه الدراسة الموضوعية لنصوص شعرية احتواها ديوان ( ألم المسيح ردائي ) ، هذه النصوص تحاول أن تضع لنفسها مكانا متميزا وأن تتجلى وتتضح على أنها إنتاجا يجب فحصه والنظر إليه أي بمعنى الاتصال بهذه النصوص بوصفها ثقافة ذات طبيعة اتصالية كما قال ( كلنر ) : ( الثقافة تحدث بالاتصال والاتصال يحدث بها ) . من هذا المنطلق حاولت الاتصال بقراءة ديوان الشاعرة فواغي القاسمي ، لأجد أن قصائد الديوان قد بنيت على الجملة النحوية ذات الدلالة الصريحة تقابلها الجملة الأدبية ذات القيم البلاغية والجمالية المعروفة وهناك جملة ذات بعد نقدي نسقي تهيمن على سلوك الأفكار عند الشاعرة ( فاذا كانت الدلالة الصريحة تستند إلى الجملة النحوية والدلالة الضمنية تنشأ عن الجملة الأدبية ، فلا بد لنا من تصور خاص يسمح للدلالة النسقية بأن تتولد ) ،  وهي حالة تتعلق بهيمنة النسق الثقافي كوجود لابد منه  ، مما جعلني أتردد طوال هذه الفترة من الدخول إلى أعماق الديوان ، لأني أجد ذلك محاولة نقدية في أن تكون أو لاتكون ، فهناك شواطئ وهناك أعماق لنهر المعاني التي تتدفق لإيجاد ذات الشاعرة المتوهجة بالبحث في مساحات الجمال والوجود ، ومن مدخل العنونة الرئيسية للديوان ( ألم المسيح ردائي ) نجد الألم دالة ، والمسيح دالة ، وهناك حكم تملكي صادر من الشاعرة بجعل هذا الألم الذي يحمل هالاته المقدسة بمروره بالسيد المسيح ، ليكون رداءا لها ، وبهذا حركت أعماق التدفق للمعنى وتركت المتلقي يتردد على شواطئ النهر لأطول فترة ممكنة ، وهو يتحسب الدخول أو العوم أم يكتفي بالمشاهدة ويبقى على الشاطئ بنمطية معروفة كأن تكون هي الخوف من الغرق …
هذه الرؤى تجلت حينما قرأت النصوص كاملة وبتمعن وحتى الفراغات والرسوم ولوحة الغلاف ولا أدعي اكتمال الرؤية لديّ لـ ( أن الأنظمة العقلية واللاعقلية غير قارة وتمر بعمليات تشكل وتحول مستمر وتظل تبدل مواقعها وحدودها ، فأننا لا نحصل منها على صورة متناغمة وموحدة كمسلة بارزة للعيان .. ) ( ومن هنا الممارسة الفعلية للتحليل ستكشف عن أنظمة عقلية ولا عقلية ذات سمات متضاربة كأن تبدو متماسكة ومفككة في الوقت ذاته ) بهذا عليك وأنت في الشاطئ أن تنظر الى الأعماق بنية خالصة وتأنٍ بأخذ لبوس المكوث وليس عابر سبيل له بنية الاجتياز فقط ، وقد نقترب مع الشاعرة بـ ( تسابيح القرب ) ابتداء من ( أيها القدوس ) إلى ( اجعل الكون سلاما لعباد هم تقاتك ) إذن هي تنشد الاطمئنان في اتصالها بالذات الإلهية ليقينها أن ذاتها قلقة تسندها بهذا الاتصال وتقف في حالة استنهاض دائم ، فهنا لوحة الغيب التي تُستدعى بجانب لوحة الحياة الدنيا المعلومة ، وهذه النقطة بالذات مفتاح الدخول لأعماق النهر بالنسبة للمتلقي لا بالنسبة للشاعرة ، فمنذ البداية تعلن قائلة :

( رأيت بقلبي أسرار ذاتي
فأدركت معنى الأسى والتأسي )

خلاصة الموضوع وجدت الشاعرة ذاتها ولكن كيف ؟ وعبر أي الوسائل ! فهي أيقنت ثم ذابت بذات الإله …

( وأيقنت أنك في الكون كل
فذاب بذاتك روحي وحسي )

اذن الركيزة الأولى هي الذات الإلهية ثم الركيزة الثانية هي بلادها الأمارات فهل يوجد بلد أحلى من الأمارات تقول :

( بلادي الأمارات أنت التي
تأزرت مجد العلى والعظم
وسطرت ملحمة للخلود
تغنت بها في الزمان الأمم
تملكت مني جوارح نفسي
وروحي فقلبي عليك أنختم )

وهنا تبنت قدرتها على مطاولة الزمن وهي ترتدي ألم المسيح قائلة :

( فصنعت من جور الزمان قلادتي
ونسجت من ألم المسيح ردائي )

ولكي تثبت ذاتها وتمتلك قدرة البحث تقول :

( وبقيت أبحث عن سلام علّني
أجد اليسير يصير بعض عزائي )

وبين كل مسافة تجتازها في الحياة ترجع إلى ركيزتها الأولى وهي التمسك بالله كونه مصدر رضاها وقناعتها …

( أسلمت أمري للذي هو واحد
وقد ارتضيت بقسمتي وقضائي )

ومن الركيزة الأولى / الله / إلى الركيزة الثانية / الإمارات / الى الركيزة الثالثة / الحبيب / هذه الأنساق تشكل بمجملها البحث الحقيقي عن الذات ، فبدون الله لا توجد ذات القاسمي المتحررة في عوالم قدسية وبدون الأمارات لا توجد ذاتها المستقلة المتحررة من قيود الاستعمار وبدون الحبيب لا توجد حالات التمسك إلى حد التضحية والفداء الذي أكدته في قصيدة ( لماذا وحين ) وعمقته في قصيدة ( يا عذابي من غرامي ) الذي أختلط فيها الألم بالحب ، فتكون القوة المتعاظمة للتعلق بالذات الألهية والتمسك بالوطن والحبيب كقولها :

( لا تسقني كأس الفراق مرارة
بيباب قربك معتما أيامي
بل فاسقني عذب الرضاب بقبلة
كالخمر تسكر دون كأس مدام
لأغيب لا صحوا ولا غيبا سوى
لهب يؤجج مهجتي بضرامي
يامن تفيأني عليلا بالهوى
حتى غدا لي موطني ومقامي
خذ خافقي مني إليك وديعة
فبه عزفت قصائدي وهيامي )

فوتر العزف بالنسبة للقاسمي هي القصيدة التي تكون نسق البحث المستمر ، فبها تكون إنسانة مرهفة الحس دؤوبة باتجاه النقاء والجمال .. ومراحل الجمال عندها ولذتها هي الله ، الوطن ، الحبيب والرابط بين هذه الأنساق هو الحب بألمه ولذته ، فالحب هو البركة التي تستحم بها كلما شعرت بوجود أدران تراكمت من جور الزمان ، لتتجلى وتسمو ثم تقترب من الذات الإلهية مرتدية ألم المسيح ، الم الهالة المقدسة لتجعل من الاتصال بالله ثقافة تواصلية مع معاني الحياة ، ورغم الألم تعيش أجواء الجمال ، فتذوب بذات الله وذات الوطن وذات الحبيب …

( ضمني روحا وقلبا هائما
وجراحات هوت في راحتيك
واسقني من شهد هاتيك اللمى
خمرة تسكرني من شفتيك )

أي أنها تذوب روحيا ولا تنسى الذوبان حسيا بالقرين الإنساني وهو الحبيب .. ولا تكتفي بالذوبان الروحي والحسي أنما تؤكد على الوفاء والحب قائلة :
( أقسمت أني لن أكون خؤونا
باق على عهد الوداد مصـونا
وأظل أسقي روض حبك في الحشا
أبدا حنـــانا خالصا وحنينا
وأظله بالخافقين وأرتجي
رب الأنام بحفظه مأمونـــا )

لتأكيد جمال الحياة التي كلما كانت مسيرتها حافلة بلذة الالتزام الأخلاقي أصبحت أكثر رحابة وأكثر جدوى ، وهو مبدأ وضعت الشاعرة عليه خطاها ولم تحيد عنه قيد أنملة ، رغم أن الشعر مرتهن بالمبالغة والخروج على أوضاع اللغة المحكية حتى قيل ( أصدق الشعر أكذبه ) وهذه ميزة قلما تحلى بها الشعراء أي الالتزام بالصدق لذاته ثم أن الشاعرة عمدت في بعض المواضع إلى انسنة الأشياء وتقّولها عن الحب الطاهر :

(تروي الروابي تلك قصة حبنا
مذ كان في عمر الغرام جنينا
غنت له الطيار أجمل نغمة
فغدا برجع غنائها مفتونا
انّا اذا ما الحب ارق ليلنا
ونأى بنا قلنا له آمينا)
وهكذا تستمر فواغي القاسمي في مسيرة حافلة بجمال الحياة ولذة الألم ، لتعطي معنى آخر هو رؤية خاصة بها تجاه علاقتها بالسماء والوطن والحبيب ولا تبالي ان تدعو الحبيب بقولها :

(أوقد الحب شموعا إذ همى
بحنايا الذات وجدا وانسكب
نحن من شكّل بالشوق الهوى
ماعلى الدهر بهذا من عتب !)
والحب الصادق النقي كانت تؤججه الآهات وألم الفراق والحرمان ، وكأن القاسمي هي المثال الإنساني لهذا الحب اذ تقول :

(انا مذ عشقتك ما عرفت وسادة
لم تشهد الحّرات من آهاتي)
ولكي تثبت موقفها أخذت تحاكي الثقافات الأخرى بما يغني ويظهر المعنى الجمالي الذي تريده الشاعرة ، فأخذت تحاكي الشاعر ابن زيدون في قصيدتها (محاكاة) وهي حالة من حالات المثاقفة وإظهار صور التأثر والتأثير سواء كانت بالمواقف أو بالأجواء الجميلة كما في قصيدتها (لبنان) تقول فيها :

(تتضوع الإزهار من أكمامها
فيعبق النسمات فوح شذاكا
تدنو القطوف لكي ينال قطافها
والأيك عانق في السمو سماكا)
بهذه الصور البلاغية الجميلة نقلت أجواء بلد الجمال لبنان لتوازي تمسكها بالحبيب الساكن في الإمارات .. وظلت تتغنى بالبلدان والأسماء التي لها وقع مزدان بالجمال ، كلبنان ورند الجميلة وكما في قصيدة (حبيبتي أرن) والتي تقول فيها :

(أرن وفيك من العذوبة وصفها
ومن النفور وجرأة الفرسان
عجز القريض من امتداح شمائل
حلتك بل حليتها برزان)
وهذه الخطوات الشعرية الجمالية لا تخلو من النظرات الفلسفية التي تؤكد رؤية القاسمي حول أشياء الكون والعلاقات التي تكتنفها وهي تردد :

(جميع ارتحالي إليك احتمال
فأنت القريب وأنت المحال
ويبقى لدي غريب السؤال
أفي يقظة كنت أم في المنام!)
ولا تبالي الشاعرة في الإعلان عن عشقها الذي تعمق بالصدق وتضمخ بالألم وهي تعلن :

(يسقينا خمر صبابته
يثملنا حينا .. ويصدُّ)
ودائما النافذة المشرعة والتي تبثها أشجان القلب .. هي القصيدة التي بمثابة فرشاة لرسم خارطة الحياة باتجاه بوصلة الجمال في مساحاته الشعرية (أعد لي خالي الأيام أشدو … من الآهات يرسمها القصيدُ) بعد ذلك تثير أسئلة عديدة ، رغم ان الجواب حاضرا في ذهنها، لأنه محمول بالنور …

(يعاتبني القوم إني عشقت
وكيف لمثلك لن أعشقه!
وأنت الربيع لدنيا الزهور
كساها بهاؤك ذا رونقه
توارى ضياء الوجود حياء
فروحك من نورها ناطقه)
فالربيع والنور والروح كانت انفعالات وجودية لإثبات ذات الشاعرة العاشقة المبرر عشقها  … (أنا مذ عشقتك والوجود صحائف … نظم القصيد لوجدنا وشهودُ) حتى تحولت ذات الشاعرة إلى ذات الحبيب وبالعكس ..

(دع انعكاسك في ذاتي يناجيني
وارجع صداك لأعماقي لتحييني)
وواصلت الشاعرة تعميق هذا الإحساس .. إحساس الحياة بالحب وهو يتعمق ويتجذر حتى تنشطر العلاقة الجسدية بين الحبيبين عن طفلة عفراء في اللهو كوليد شرعي لصدق هذا العشق المقدس وهي (أرون) ..

(سدد الحب سهاما في الحشا
فاعتراني من شفا الوجد جنون
وتلاشت من ثنايا دوحتي
طفلة عفراء في اللهو أرون
أشرق الحب عليها أنجما
صاغها لحنا سماويا حنون)
ومن خلال رحلتها الشعرية حاولت في الختام أن تجذر ذاتها الإنسانية والوطنية باعتمادها على رموز الأمة هذه المرة ، لتكون مفتاح المجد والثبات على المبدأ وأيقونة معلقة بذهن الشاعرة أنها ابنة أمة عريقة بالحضارة والديانة الحقيقية تقول :

(فدم الحسين يظل ينزف
في الضمائر
في الدفاتر
في مساحات الشعور)
ونحن إذ نؤكد قدرة الشاعرة القاسمي في إيصال أفكارها بلغة رائقة شفافة وبجمالية الشعر .. لا ندعي احتواء ما جاء به ديوانها الموسوم (ألم المسيح ردائي ..) ، فيظل مفتوحا للقراءات المتعددة لما يحمله من عمق وإبداع ..

/ كتاب (النقد الثقافي) عبدالله الغذامي ـ المركز الثقافي العربي
الصفحات 26 ، 33 ، 73
/ / ديوان (الم المسيح ردائي …) للشاعرة فواغي القاسمي ـ مؤسسة البيان للصحافة والطبع والنشر ط2 2007م نقحت الشاعرة هذه الطبعة في 2010م

 

 


 

Related Posts via Categories