جرت أحداث هذه القصة في زمن كانت فيه عادة الانصراف إلي اللهو مزدهرة عند علية القوم. ولم تكن أعباء الحياة ؛ إذن تستدعي لهاثا ضاريا لتأمينها.بل ان وجوه الارستقراطيين والشباب لم تكن قد اعتمت بعد.أما جواري الشرف و المحظيات في البلاد فقد كن مبتسمات علي الدوام. ومن هنا كانت مهنة المهرج وكذلك مهنة مضحكي المقاهي كلتاهما تلقيان إقبالا وتقديرا عاليين. كانت الحياة رخية وباعثة علي السرور. كان كلا الجمال والعزيمة يعرضان علي المسرح و يًُلهج بذكرهما في كتابات ذلك الزمان علي حد سواء فلا فرقة ولا انفصام. وكان الكمال الجسماني غاية محورية من غايات الحياة، ولذلك كان الناس يشمون أبدانهم بخطوط وألوان ذات انسجام وانسيابية رفيعتين. وإذا رغبوا بزيارة بقعة من بقاع الترويح، اختاروا لحمل المحفات رجالا برعوا في وشم أجسادهم. وكانت محظيات (يوشوارا) و(تاتسومي) يمنحن قلوبهن لمن وشمت أجسادهم من الرجال علي نحو بهي. واعتاد المقامرون والتجار و فتوات النبلاء وخدمهم الهرع الي الواشمين.ثمة شاب يدعي (سيكيشي) كان يتمتع بموهبة متميزة باعتباره واحدا من اللاهثين وراء الصرعة. ذلك الشاب فاقت شهرته أعظم الواشمين مثلما اشتهر بأصالة رسومه. كانت تلك الرسوم تفوز بالجوائز الرفيعة في معارض الوشم، حتي تمني معظم المعجبين بهذا الفن ان يصبحوا من زبائنه. ولطالما أعرض عنتنفيذ أعماله علي من لا تروق له جلودهم أو لا تجذبه أجسامهم. كان يشترط علي زبائنه ان يوافقوا علي ما ينتقيه هو لهم من تصميم، وأن يدفعوا ما يطلبه من اجر، وأن يكونوا مستعدين لتحمل أوجاع الإبرة لشهر أو شهرين. وكانت تكمن في قلب هذا الشاب عواطف ومشاعر جذل غريبة من نوعها. يدب إليه سرور خفي حينما يتورم لحم الموشوم وينزف منه الدم القرمزي اثر كل وخزة. كان كلما تناقصت قدراته علي تحمل الألم، تصاعدت صرخاته، وبالتالي كان ابتهاج الفنان أكبر. وكانت تسره التصميمات القرمزية الشهيرة علي نحو غير اعتيادي، فقد كانت أشد أنواع الوشم إيلاما. واثر تلقي الزبون خمسمائة أو ستمائة وخزة، يستحم بماء ساخن جدا لتمسي الألوان اشد سطوعا . وغالبا ما كان الزبون يهوي منهارا عند قدمي سيكيشي وهو بين الحياة والموت،فينظر في رضا من طرف عينيه الي وجه الضحية الغارق بالدموع. يتابع عمله دون أدني اكتراث بما أصابه.كانت صبوته الكبري، منذ سنوات، أن يمتثل لإبرته جلد صقيل لصبية رائعة الحسن. وكثيرا ما تاق لأن يشِم روحه علي مثل هذا الجلد. تلك المرأة التي ابتكرها خياله قد تم رسمها في رأسه أوصافا جسمانية و سيكولوجية ؛ إذ لا يكفي ان يكون محياها جميلا وجلدها طريا رقيقا. كان كلما طال بحثه عنها بلا جدوي بين أوساط المحظيات، تأججت ألسنة نيران رغبته فيها.وذات أمسية من أمسيات الصيف، وبينما كان يتجول سيرا علي الأقدام ، جذبت انتباهه قدم أنثوية باهرة البياض تتواري صاحبتها خلف ستائر المحفة.لقد كان يحسب أن القدم تشبه الوجه فهي تنبئ عن سمات شتي فالأصابع مثالية الشكل والكعب دائري والجلد أبيض مغسول بماء بارد جيء به من جدول جبلي.صفات قلما اجتمعت لتجعل من القدم نموذجا مثالي التصميم، تعمل علي تحريك قلب الرجل ووطء روحه. وسرعان ما أدرك سيكيشي أن هذه القدم هي للمرأة التي يبحث عنها. فلاحق المحفة بابتهاج، وكله أمل أن يلمح وجهها. بيد انه بعد أن تبعها في شوارع عدة ؛ عاد فأضاعها عند احد المنعطفات. ومنذ تلك اللحظة تحول ما كان في روحه توقا مبهما إلي رغبة من أشد الرغبات عنفا.ذات صباح وبعد مرور علي ذلك اللقاء العابر،استقبل سيكيشي في منزله فتاة بعثتها إليه إحدي صديقاته من الراقصات. قالت الفتاة باستحياء:ــ اعذرني يا سيدي.. طلبت مني سيدتي أن أسلمك هذا المعطف ؛ عسي ان تتكرم برسم صورة الممثل (ثواي توجاكو) علي بطانته. ثم ناولته رسالة ومعطفا ملفوفا بورقة تحمل صورة المثل. كتبت الراقصة في رسالتها إلي سيكيشي أنهاتريد ان تقدم رسولتها التي تبنتها مؤخرا لأول مرة للمجتمع كفتاة من فتيات (الجيشا) في أحد مطاعم العاصمة، وهي ترجوه ان يفعل ما يستطيع من أجل مساعدة هذه الفتاة من أجل أن تشق الدرب نحو حياتها الجديدة. حملق سيكيشي بتمعن في وجه الصبية، فأبصر فيه نضوجا غير مألوف، علي الرغم من إنها لم تتجاوز السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر. لمح في عينيها كل ما تعكسه أحلام الجميلات في هذه المدينة التي تتلاقي فيها كل فضائل البلاد وفجورها. تحولت حينئذ نظرته لقدميها الرقيقتين اللتين كانتا تنتعلان شبشبا مجدولا بضفائر من القش. سألها فيما إذا كانت هي نفسها تلك الفتاة التي خرجت من مطعم (ميراسي) علي محفة في حزيران المنصرم.ردت عليه الفتاة وهي تضحك لغرابة سؤاله:ــ نعم يا سيدي.. أنا هي.. كان والدي حينذاك ما يزال علي قيد الحياة.. وكان يصطحبني معه، بين الفينة والفينة إلي مطعم ميراسي.قال سيكيشي: ــ إنني ابحث عنك منذ خمس سنين.. مع إنني لم أبصر وجهك من قبل.. إنما لمحت قدمك وهي تبرز من تلك المحفة فعرفتني بك.. ثمة شيء أود أن تلقي عليه نظرة.. هيا تفضلي إلي الداخل. لا تخافي..مسك يد الفتاة الخائفة المترددة، وقادها إلي غرفة في الطابق العلوي تطل علي النهر الكبير. جاء بلفافتين كبيرتين فاتحا إحداهما قبالتها. ظهرت لوحة (مواسي) الأميرة المحبوبة من لدن (شاور) إمبراطور اليابان العتيد الذي كان قاسيا. تلك اللوحة أظهرت الأميرة وهي متكئة بتكاسل علي إفريز شرفة مطلة علي حديقة في حين أنفرش ذيلها الموشي بقدر كبير من الزخارف علي درجات السلم المفضي إلي الحديقة.أما رأسها الصغير فكان بالكاد قادرا علي حمل تاجها الذي ناء بالأحجار الكريمة الزرق وباللازورد والمرجان.ترفع بيدها اليمني كأسا وهي تلقي نظرة باردة خالية من كل إشفاق علي سجين موثق اليدين والقدمين الي وتد أسفل الحديقة، وكان ذلك السجين علي وشك أن يطاح برأسه.لقد أبدع الفنان برسمه بما عبر عن روح وأفكار الأميرة والمحكوم عليه بالإعدام بمهارة هائلة جعلت من اللوحة قطعة فنية من الطراز الأول.حين حدقت الفتاة في اللوحة الغريبة المرعبة، راحت عيناها تبرقان وشفتاها ترتعدان. شيئا فشيئا أخذ وجهها يتحول إلي وجه الأميرة.شعر سيكيشي بسرور غامر وهو يرنو الي الفتاة:ــ هذه اللوحة تعكس روحك..تساءلت الفتاة باستنكار واستغراب:ــ لم أريتني هذه الصورة المفزعة ؟!أجابها: ــ المرأة المرسومة في اللوحة.. إنما هي أنت ِ.. ودمها يجري في عروقك! حل سيكيشي عقدة اللفافة الثانية لتظهر لوحة عنوانها (الضحايا). في بؤرة الصورة امرأة تتكئ علي شجرة توت وهي تحملق في أشلاء مبعثرة لرجال منطرحين عند قدميها. اكتنز محياها الشاحب بالاعتزاز والرضا. وكان سرب من صغار الطير يتقافز محلقا فوق الجثث وهو يغرد في حبور. لقد بدا من المستحيل ان يدرك متأمل اللوحة فيما إذا كانت تمثل ميدان معركة أو حديقة في ريعان الربيع.قال سيكيشي للفتاة مشيرا لوجه صبية اللوحة الذي يشبه زائرته إلي حد الذهول:ــ هذه اللوحة ترمز لغدك.. أما الرجال المتهاوون إلي الأرض فسيفقدون حياتهم بسببك.صرخت الفتاة: ــ أتوسل إليك.. أبعد اللوحة عني..ولأن جوارحها شلت بسحر اللوحة المرعب، أدارت لها ظهرها، قاذفة بنفسها إلي حصيرة القش بشفتين مرتجفتين وجسد مرتعد.همست: ــ سيدي.. لا بد أن اعترف إليك.. أنا بالضبط مثلما حزرت.. أملك في داخلي طبع تلك المرأة.. هلا أشفقت علي ّ وأبعدت عني هذه اللوحة ؟!رد عليها بنغمة تأنيب: ــ لا تتحدثي كالجبناء! جدير بك أن تتأملي اللوحة وأن تدرسيها بوعي.. حينئذ سيغادرك الخوف منها!عجزت الفتاة عن إبراز وجهها مخفية إياه في ردن (الكيمونو) خوفا من اللوحة وراحت تردد:ــ رجاء سيدي.. دعني اعد لبيتي. أنا خائفة من وجودي معك..أجابها بصرامة:ــ امكثي هنا لحظة.. أنا وحدي الذي يقدر ان يجعل منك امرأة جميلة.تناول من علي الرف قارورة كان فيها مخدر قوي..سطعت الشمس علي صفحة النهر لتنعكس أشعتها أمواجا ذهبية علي الأبواب وعلي وجه الصبية النائمة.أغلق سيكيشي الأبواب وجلس إلي جانبها وراح يتأملها بعمق للمرة الأولي مستمتعا بجمالها الأخاذ. تملكه شعور بأنه سيظل جاثما قربها لسنين. غير ان حماسه لانجاز تصميمه كان الشعور الغالب عليه بعيد لحظات. أتي بأدوات الوشم ؛ كاشفا عن جسد الفتاة، ثم شرع يعمل علي ظهرها. وبالتدريج جعلت روحه تنسكب في الوشم الذي كان ينقشه علي بشرتها الصافية، كما لو ان كل قطرة من الصبغة القرمزية التي كن يحقنها في تلك الأدمة ، قطرة من دمه تتدفق داخل جسد الفتاة.لم يشعر بمرور الزمن. حل وقت الظهر ثم ما لبث أن انصرم، وإذا بالنهار الربيعي الهادئ يجر أذياله باتجاه المغيب . غير أن يده واصلت عملها بشغف ودون ان توقظ الفتاة من نومها. وعلي الرغم من أن القمر اشرأب عاليا في قبة السماء، لم ينجز سيكيشي نصف الوشم.توقف لإيقاد المصباح، ثم قعد من جديد مستأنفا عمله دونما أدني كلل. كانت كل وخزة يغرزها في جلد الفتاة تتطلب جهدا فكان يطلق من حين لآخر تنهيدة ، كما لو قلبه كان يستشعر الوخزات. بدأت تظهر معالم عنكبوت ضخمة. ومع دخول نور الفجر الباهت الي الغرفة، توهج هذا الحيوان الشيطاني الهيئة، فاردا أرجله الثمانية علي ظهر الفتاة. أخيرا أتم سييشي الوشم. تنحي جانبا ممعنا النظر في أنثي العنكبوت الضخمة المرسومة علي ظهر الفتاة. وإذا به يشعر انه عـبّر من خلال عمله عن جوهر حياته برمتها. إلا انه، وبعد أن أنجز العمل أحس أن في داخله فراغا هائلا ّ!وجه حديثه للفتاة: ــ لكي أهبكِ الجمال المطلق، سكبت روحي كلها في هذا الوشم. من الآن، لن تنافسك امرأة في اليابان! ولن تعرفي الخوف، ذلك ان الرجال كلهم سيكونون ضحاياك!وفيما تناهت لأذنيها كلماته، صعدت لشفتيها آهة. ارتجفت أطرافها ثم بدأت تعود لوعيها تدريجيا. وفيما كانت راقدة علي بطنها تتنفس بعمق كانت أرجل العنكبوت تتحرك علي ظهرها وكأنها أرجل كائن حي.أعلن سيكيشي:ــ لا مناص من ان تعاني فالعنكبوت تعانق جسدك بإحكام.فتحت عينيها الي النصف مطلقة نظرة كانت خالية من أيما معني. أخذ البؤبؤانيشعان صفاء فاق نور القمر المنعكس علي صفحة وجه سيكيشي. أجابته الفتاةــ سيدي، لأنك وهبتني روحك. إذن أنا في غاية الجمال!تحدثت كما لو كانت حالمة، لكن كان في صوتها نبرة اعتداد وقوة.هتف بها سيكيشي:ــ عليك أولا أن تستحمي، كي تبرق الألوان .ثم استطرد:ــ سيكون ذلك مؤلما.. مؤلما جدا.. هيا تشجعي!أجابته: ــ سأتحمل أي ألم من أجل ان أصبح جميلة.ثم هبطت بضع درجات الي الحمام. وما أن غطست في الماء الحار حتي ابيضت عيناها من قوة الألم. تأوهت صارخة:ــ انه كالجمر.. حارق جدا. لتبتعد عني سيدي.. لا أحب ان يبصرني رجل وأنا أتوجع.. انتظرني في الطابق العلوي. سألحق بك حين أكون جاهزة..لكنها حين طلعت من الحمام، لم تكن قادرة علي شطف جسدها فهوت للأرض. انساب شعرها الطويل علي جسدها فطفقت تئن . وبعد أن استكانت قليلا، ارتقت درجات الطابق الثاني مرتدية ثيابها باعتناء. تدلي شعرها المبلل علي كتفيها في حين لم يبد علي فمها الرقيق وحاجبيها المقوسين أي أثر من آثار الامتحان الذي خاضت غماره. بدت ساكنة تماما وفي عينيها وميض بارد!وعلي الرغم من صغر سنها، بدت عليها سمات امرأة قضت سنين في المقاهي لتكتسب خبرة أسر قلوب الرجال.تفرس سيكيشي مذهولا في التبدل الذي طرأ علي الفتاة التي كانت مخلوقا حييا بالأمس القريب. راح للغرفة الثانية وعاد باللوحتين قائلا:ــ إني أهديك هاتين اللوحتين والوشم أيضا، طبعا..قالت له بلهجة هادئة باردة:ــ سيدي..الآن أنا تحررت من كل خوف.. أنت ستكون ضحيتي الأولي!!رد عليها: ــ أريد أن أري الوشم.. أريني وشمك.مالت برأسها صامتة. عدلت من ثوبها فسقط نور الصباح علي الفتاة الناعمة..ثم راح الوميض يشعل العنكبوت!

 

 

 

,

 

ويكبيدا

,

جونيتشيرو تانازاكي (باليابانية: 谷崎 潤一郎 تانازاكي جونيتشيرو)؛ (24 يوليو 1886 – 30 يوليو 1965)، روائي ياباني وقد يكون أشهر روائي ياباني بعد ناتسومي سوسيكي. تمثل أعماله ديناميكية الحياة العائلية اليابانية في سياق التغيّرات السريعة في المجتمع الياباني في القرن العشرين، كما تمثل البحث عن هوية ثقافية يابانية في العالم الحديث. حصل على وسام الثقافة عام 1949.

Related Posts via Categories