مايكل أنجلو بوناروتي رسام و نحات و مهندس و شاعر إيطالي كان لإنجازاته الفنية الأثر الأكبر على محور الفنون ضمن عصره وخلال المراحل الفنية الأوروبية اللاحقة. اعتبر مايكل أنجلو أن جسد الـ إنسان العاري الموضوع الأساسي بالفن مما دفعه لدراسة أوضاع الجسد وتحركاته ضمن البيئات المختلفة. حتى أن جميع فنونه المعمارية كانت ولا بد أن تحتوي على شكل إنساني من خلال نافذة، جدار أو باب [1]. سواء كان تحدي جسدي أو عقلي كان مايكل أنجلو يبحث دائما عن الـ تحدي وأغلب المواضيع التي كان يعمل بها كانت تستلزم جهدًا بالغاً سواء كانت عبارة عن لوحات جصية أو لوحات فنية كان مايكل يختار الوضعيات الأصعب للـ رسم إضافة لذلك كان دائما ما يخلق عدة معاني من لوحته من خلال دمج الطبقات المختلفة في صورة واحدة وأغلب معانيه كان يستقيها من الأساطير ، الدين ومواضيع أخرى. نجاحه في قهر العقبات التي وضعها لنفسه في صنع تحفه كان مذهلا إلا أنه كثيرا ما كان يترك أعماله دون إنجاز وكأنه يُهزم بطموحهِ نفسه [2]. اثنان من أعظم أعماله النحتية ، تمثال داوود و تمثال بيتتا ، العذراء تنتحب قام بإنجازهما وهو دون سن الثلاثين .

رغم كون مايكل أنجلو من الفنانين شديدي التدين فقد عبر عن أفكاره الشخصية فقط من خلال أعماله الأخيرة. فقد كانت أعماله الأخيرة من وحي واستلهام الديانة المسيحية مثل صلب السيد المسيح [3]. خلال مسيرة عمله فقد تعرف مايكل على مجموعة من الأشخاص المثقفين يتمتعون بنفوذ اجتماعي كبير. رعاته كانوا دائما من رجال الأعمال الفاحش الثراء أو رجال ذوي المكانة الاجتماعية القوية وطبعاً أعضاء الكنيسة وزعمائها ، من ضمنهم البابا يوليوس الثاني . كليمنت السابع و بولص الثالث . مايكل أنجلو سعى دائما ليكون مقبولاً من رعاته لأنه كان يعلم بأنهم الوحيدون القادرون على جعل أعماله حقيقة [4]. من صفات مايكل أنجلو أنه كان يعتبر الفن عمل يجب أن يتضمن جهدا كبيراً وعملاً مضنياً فكان معظم أعماله أعمال تتطلب جهداً عضلي وعدداً كبيرا من العمال وقليلاً ما كان يفضل الرسم العادي الذي يمكن أداءه بلباس نظيف [5]. وتعتبر هذه الرؤية من إحدى تناقضاته التي جعلته يتطور في نفسه من حرفي إلى فنان عبقري قام بخلقه بنفسه.

قام مايكل آنجلو في فترة من حياته بمحاولة تدمير كافة اللوحات التي قام برسمها ولم يبق من لوحاته إلا عدة لوحات ومنها لوحة بإسم دراسة لجذع الذكر التي أكملها آنجلو عام 1550 والتي بيعت في صالة مزادات كريستي بنحو اربعة ملايين دولار وكانت هذه اللوحة واحدة من عدة رسومات قليلة للأعمال الأخيرة لمايكل انجلو الذي توفي عام 1564، والتي تبدو انها تمت بصلة إلى شخصية المسيح [6] . في الذكرى الـ500 لتمثال داوود الشهير أثارت عملية تنظيف ذلك التمثال بالمياه المقطرة جدلا واسعا حيث وافق وزير الثقافة الايطالى جوليانو أوروبانى على تنظيف تمثال داوود بالمياه المقطرة رغم احتجاج العديد من الخبراء على طريقة التنظيف [7] حيث رأى البعض ان تلك الطريقة في التنظيف ستلحق اضرارا بالرخام وسط مخاوف من ان تصبح منحوتة داود اشبه بمنحوتة عادية من الجص [8] وطرح الخبراء فكرة التنظيف الجاف الذي رفضه وزير الثقافة جوليانو أوروبانى .

بالرغم من إعتبار رسم اللوحات من الإهتمامات الثانوية عند آنجلو إلا أنه تمكن من رسم لوحات جدارية عملاقة أثرت بصورة كبيرة على منحى الفن التشكيلي الأوروبي مثل تصوير قصة سفر التكوين في العهد القديم على سقف كنيسة سيستاين ولوحة يوم القيامة على منبر كنيسة سيستايت في روما. مايعتبر فريدا في حياة فناني عصر النهضة إن أنجلو كان الفنان الوحيد الذي تم كتابة سيرته على بد مؤرخين بينما كان على قيد الحياة حيث قام المؤرخ جورجيو فاساري بكتابة سيرته وهو على قيد الحياة ووصف فاساري أنجيلو بذروة فناني عصر النهضة [9] . بلا شك فإن مايكل أنجلو قد أثر على من عاصروه ومن لحقوه بتأثيرات عميقة فأصبح أسلوبه بحد ذاته مدرسة وحركة فنية تعتمد على تضخيم أساليب مايكل ومبادئه بشكل مبالغ به حتى أواخر عصر النهضة فكانت هذه المدرسة تستقي مبادئها من رسومات مايكل ذات الوضعيات المعقدة و المرونة الأنيقة فريد من نوعه وباحث عن التحدي بهذه الكلمات نصف مايكل أنجلو الذي أسره الفن واستلهمته الابداعات

 
تمثال مايكل أنجلو على مشارف مدينة أوفيزي في فلورنساولد مايكل أنجلو في قرية كابريزي مقاطعة توسكانا وترعرع في فلورنسا حيث كانت مركز النهضة الأوروبية آنذاك ومن محيطها المليء بمنجزات فناني النهضة السابقين إلى تحف الإغريق لمذهلة استطاع مايكل أن يتعلم ويستقي من هذه التحف الكثير عن فن النحت والرسم. عندما كان صغيرا كثيرا ما فضل درس الرسم بالمدرسة على عكس رغبة أبيه لودفيكو دي ليوناردو دي بوناروتي دي سيموني الذي كان قاضياً على بلدة كابريزي [10]. في النهاية وافق الأب على رغبة مايكل وسمح لهذا الصبي ذو 13 ربيعاً بأن يعمل لدى رسام جص يدعى دومينيكو غيرلاندايو. إلا أن مايكل أنجلو لم يستطع التوافق مع هذا المعلم وكثيرا ما كان يصطدم معه مما حذا به لينهي عمله لديه بعد أقل من سنة [11]. على الرغم من إنكار مايكل أنجلو لفضل غيرلاندايو في تعليمه أي شيء إلا أنه من الواضح أن مايكل تعلم فن الرسم الجداري حيث أن رسومه الأولية كانت قد أظهرت طرق ومناهج اتبعها غيرلاندايو. في سنة 1490-1492 أمضى وقته في منزل لورينزو دي ميتشي المعروف ب لورينزو العظيم الراعي الأهم للفنون في فلورنسا وحاكمها. حيث كان المنزل مكان دائم لاجتماع الفنانين الفلاسفة والشعراء. ومن المفترض أن مايكل أنجلو قابل وتعلم من المعلم الكهل بيرتولدو الذي كان قد تدرب مع دونا تلو فنان القرن الخامس عشر في فلورنسا [12].

كان مايكل أنجلو ابن أسرة تزعم أنها تتحدر من محتد نبيل جار عليها الزمن، فجاءت لتقيم في فلورنسا. رضع ميكلانجلو «الأزاميل والمطرقة» مع حليب مرضعته ـ زوجة عامل في محاجر الرخام ـ كما كان يقول، وترعرع الطفل وكبر شغوفاً بالرخام. أدرك الأب ميول ابنه إلى النحت والرسم، فأرسله مرغماً للتعلم في مرسم جيرلاندايو Ghirlandaio أشهر مصوري الجداريات Fresquiste في فلورنسا، وعمره لما يتجاوز الثالثة عشرة. وفي فلورنسا تلقى من التعليم ما مكّنه فيما بعد من أن يكتب الشعر. لم يخضع مايكل أنجلو كل الخضوع لسحر العهود القديمة كما خضع كثير من الآخرين، بل كان ذا نزعة عبرية، وكان ـ وهو في روما ـ بروتستنتياً أكثر منه كاثوليكياً. اكتشف لورنزو دي ميديتشي Laurent de Médicis التلميذَ المتدرب، ففتح له أبواب حدائق قصره وأكاديميته، ووضعه على احتكاك بمجموعاته الفنية القديمة، وأتاح له مخالطة كبار المثقفين والمتنورين من أمثال بوليسيان Politient و مارسيل ڤيتشين Marsil Ficin و بيك دو لاميراندول Pic de la Mirandole، أولئك الذين كان لهم أكبر الأثر في تكوينه الروحي وفي طموحه فناناً مبدعاً. وكان يدير الأكاديمية وقتئذٍ النحات برتولدو دي جوڤاني Bertoldo di Giovanni المختص بمادة البرونز. وظل الفنان الشاب عامين كاملين يقيم في قصر آل ميديتشي، ويطعم دوماً على مائدة واحدة مع لورنزو، ويستمع إلى أكثر الأحاديث استنارة في السياسة والأدب والفلسفة والفن. وفي الوقت ذاته كان ساڤونارولا Savonarola ينشر تعاليمه النارية ويدعو إلى الإصلاح والصلاح، وكثيراً ما كان ميكلانجلو يستمع إليه ليبقى شيء في نفسه من روح ساڤونارولا بعد موته: الرعب مما يراه حوله من فساد خلقي، وكراهيته الشديدة للاستبداد، وشعوره الحزين من سوء المصير. فاجتمعت هذه الذكريات والمخاوف فكانت من العوامل التي أثرت في أخلاقه ووجهت نحته وفرشاته… ومن دراسته أعمال القدامى ولاسيما تمثال لاوكون Laocoon، استمد علم التكوين science de la composition وتجميع الأشخاص، وانسجام جمال الجسد الإنساني، وتعابير الجهاز العضلي وتحولاته، ولكنه أضاف إليها الحركة والعمق السيكولوجي والفكري، فصار الجسد الإنساني لغة، يشعر الفنان من خلالها وبها بانفعالات الإنسان وأهوائه، وليرتقي بها إلى المستوى الميتافيزيقي، معبراً عن مأسوية القدر الإنساني ومصيره لدن خالقه….[2]

من خلال مجموعات النخبة الثقافية التي كانت تجتمع في منزل لورينزو شيئا فشيئا أخذ مايكل أنجلو ينخرط في معتقداتهم ويتبناها فتزايد اهتمامه بالأدب والشعر كما اهتم بأفكار تدور حول النيوبلاتونيسم (نظام فلسفي يجمع ما بين الأفكار الأفلاطونية والمسيحية واليهودية ويدور حول فلسفة تعتبر أن الجسد هو مخزن الروح التي تتوق العودة إلى بارئها ، وكثيرا ما فسر النقاد أعمال مايكل أنجلو على أساس هذه الأفكار وخصوصا أعماله التي تصور الإنسان وكأنه يسعى إلى أفق حر يخلصه من السجن أو الحاجز الذي يعيشه [13]. أمنية لورينزو دي ميتشي كانت إحياء الفن الإغريقي واليوناني وهذا ما جعله يجمع مجموعة رائعة من هذه التحف التي أصبحت مادة للدراسة لدى مايكل أنجلو. من خلال هذه المنحوتات والرسوم استطاع مايكل أن يحدد المعايير والمقاييس الحقيقية للفن الأصيل وبدأ يسعى ليتفوق على نفسه من خلال الحدود التي وضعها بنفسه حتى أنه قام مرة بتقليد بعض الأعمال الكلاسيكية الرومانية بإتقان لدرجة أنه تم تداولها على أنها أصلية [14].

سيرته  
Michelangelo’s Pietà, a depiction of the body of Jesus on the lap of his mother Mary after the Crucifixion, was carved in 1499, when the sculptor was 24 years old.عاش ميكل أنجيلو طوال تلك السنين كأنه شبح مشاكس قدم من عصر غير العصر الذي كان فيه، وكان في التاسعة والخمسين من عمره حين مات كلمنت، ولكن يبدو أن أحداً لم يكن يظن أن من حقه أن يستريح، فها هو ذا بول الثالث وفرانتشيسكو ماريا دوق أربينو يتنازعان جسمه الحي. فأما الدوق، بوصفه منفذاً لأعمال يوليوس الثاني، فقد أخذ يطالب بإتمام قبر عمه، معتمداً على عقد وقعه أنجيلو من زمن بعيد. ولكن البابا المتغطرس لم يعر هذا الطالب التفاتا، وأخذ يقول لبوناروتي: “لقد ظللت ثلاثين عاماً ألح في أن تدخل في خدمتي، والآن وقد جلست على كرسي البابوية هل يليق بك ألا تلبي ندائي؟ أما هذا العقد فسيمزق، وستعمل أنت لي، وليكن بعد ذلك ما يكون”(55). واحتج البابا على هذا، ولكنه ارتضى أخيراً أن يقام ضريح أصغر كثيراً من الذي كان يحلم به يوليوس، وكان علم الفنان الجبار بأن الضريح بناء ناقص مشوه سببا في نكد عيشه في سنيه الأخيرة.

وفي عام 1535 كتب البابا المنتصر خطابا يعين به ميكل أنجيلو كبير المهندسين، والمثالين، والمصورين في الفاتيكان، ويشيد بتفوقه في كل ميدان من هذه الميادين، وجعل الفنان فوق ذلك عضواً في بيت البابا وخصص له معاشا قدره 1200 كرون (15.000؟ دولار) كل عام مدى الحياة. وكان كلمنت السابع قد طلب إليه قبل وفاته بزمن قليل أن يرسم مظلماً يصور عليه يوم الحساب خلف مذبح معبد سستيني. واقترح بولس وقتئذ أن يقوم الفنان بهذا العمل، وتردد ميكل لأنه يريد أن يواصل أعمال النحت لا أعمال التصوير؛ فقد كان أسعد حالا وهو يعمل بالمطرقة والمنحت مما يكون وهو يعمل بفرشاة الرسم، وكانت سعة الجدار الذي يراد تصويره- 66 قدما في 36- خليقة بأن تبرر هذا التردد، غير أنه بدأ هذه الصورة التي هي أعظم صورة كلها في شهر سبتمبر من عام 1535 وكان وقتئذ في سن الستين.

ولعل ما لاقاه المرة بعد المرة من العنت في حياته- كضريح يوليوس الأبتر، وتدمير التمثال الذي أقامه لهذا البابا في بولونيا، وعدم إتمامه واجهة سان لورندسو وقبور آل ميديتشي- قد جمعت في صدره حقداً دفينا فاض حتى صبه غضبا في هذه الصورة القدسية، ولعله قد عادت إليه من خلال أربعين عاماً ذكريات سفونرولا- منها تلك النبوءات المفجعة المنذرة بسوء المنقلب، وذلك التشنيع الشديد على خبث بني الإنسان ولؤمه، وفساد رجال الدين، واستبداد آل ميديتشي، والغطرسة العقلية، والمباهج الوثنية، ولهيب نار الجحيم التي تشوي روح فلورنس، وكأنما كان الشهيد الميت يتحدث إليه مرة أخرى، من مذبح العالم المسيحي الوثيق الصلة به.

وهكذا شرع الفنان المكتئب الذي لقبه دانتي بالعالم يغوص من جديد في أجاج الجحيم ويصور أهوالها على الجدار لكي تظل تلك الأحكام الإلهية التي لا مفر منها مائلة في المستقبل أمام البابوات أجيالا بعد أجيال وهم يقرءون القداس. وفي هذا الحصن الحصين الحامي للدى، الذي كان الى عهد غير بعيد يزدري بالجسم الآدمي ويصب عليه اللعنات، يشرع هذا الفنان بفرشاته فيصور- وكأنما هو مثال ينحت تماثيل مجسمة لا مصور يرسم صوراً ملونة- ذلك الجسم في مائة من الحالات والمواقف، تارة يتلوى ويتهجم من شدة الألم، وتارة في غفوة، ثم في نشوة حين يبعث الموتى أحياء، أو يصور الملائكة وقد انتفخت أجسامهم وهو ينفخون النفخة المشهورة في الصور، أو المسيح يكشف عن جراحه؛ وقد أوتي مع ذلك منكبين عريضين وذراعين قويتين يستطيع بها أن يقذف في الجحيم من كانوا يظنون أنهم أكبر من أن يطيعوا أوامر الله. غير أن ما فيه من ميل إلى النحت قد أفسد عليه قدرته على التصوير، ذلك أن هذا التزمت المتشدد أخذ يزداد كل يوم استمسكا بدينه، ويصر على أن يمثل باللون أجساما متخمة قوية ذات عضلات مفتولة، حتى أصبح الملائكة الذين يمثلهم الفن والشعر أطفالا سعداء، أو شبابا ظرفاء، أو فتيات رشيقات، أصبح هؤلاء في يديه خلائق ذوي أجسام رياضية يتسابقون في الفضاء، ويسحقون النجاة، سواء كانوا أخياراً أو أشراراً لأنهم خلقوا في صورة الله أو فيما يشبه صورة الله إن لم يكن لغير هذا من الأسباب، وحتى المسيح نفسه، في جلال غضبه، أصبح صورة لآدم المرسوم على سقف سستيني، أي إلها في صورة إنسان أو فيما يشبه صورة الإنسان، إن في الصورة لحما أكثر مما يجب أن يكون، وفيها أذرعاً، وسيقاناً، وعضلات في الأجسام وفي باطن السيقان أكثر مما يلزم منها لأن يسمو بالروح إلى التفكير في عقاب الذنوب، وحتى أريتينو الفاجر المستهتر كان يرى أن هذه الأجسام العارية الكثيرة العدد قد وضعت في غير المكان اللائق بها. وما من أحد يجهل أن بياجيو دا تشيزينا Biagio de Cesena رئيس التشريفات عند بولس الثالث قد شكا من أن هذه الحفاوة الزائدة بالجسم البشري أليق بأن تزين مشربا للخمور منها بمصلى للبابوات، وأن ميكل أنجيلو قد ثأر لنفسه منه بأن صوره بين الملعونين المعذبين، وأن بولس نفسه حين طلب إليه بياجو أن يمحو الصورة رد عليه ردا فيه ما فيه من الفكاهة القوية والتقى العظيم، فقال إن البابا نفسه لا يستطيع أن ينجي الروح من نار الجحيم(56).

واستجاب بولس الرابع لاحتجاج رجال من طراز بياجيو فأمر دانييلي دا فلتيرا Daniele de Voterra بأن يصور سراويل للأجزاء التي لا يليق ظهورها من الصور، فما كان من روما إلا أن لقبت الفنان المسكين “بخياط السراويل، il Braghettone. على أن أجل صورة في هذا المنظر الشامل القاتم ترتدي أثواباً سابغة تغطي كل جسمها، تلك هي صورة مريم العذراء التي تعد أثوابها آخر انتصار أحرزه الفنانون في تصوير الثياب، والحق أننا لانجد في هذه الصورة التي تمجد الوحشية الآدمية عنصراً ينقذها من هذه الوهدة إلا نظرة الارتياح والشفقة البادية على وجه العذراء. وأزيح الستار عن هذه الصورة يوم الاحتفال بعيد الميلاد في عام 1541 بعد كدح دام ست سنين، وكانت روما وقتئذ توشك أن تدخل في عهد من الرجعية الدينية ضد أساليب النهضة، فارتضت صورة يوم الحساب على أنها مما يتفق مع الدين ومع الفن العظيم، ووصفها فاساري بأنها أروع الصور كلها على الإطلاق، وأعجب الفنانون بما فيها من دقة التشريح، ولم يروا عيباً في المغالاة في حجم العضلات، ولا في المواقف الغريبة الشاذة، ولا في كثرة الأجسام البشرية، بل حدث نقيض هذا فأخذ كثيرون من المصورين يقلدون أساليب هذا الفنان المعلم وشذوذه، وأوجدوا المدرسة النمطية التي بدأ بها اضمحلال الفن الإيطالي، وحتى غير الفنانين قد أدهشتهم المراعاة والتناسب في الأحجام مما أظهر بعض أجزاء الصورة وكأنها نقش بارز، كما أدهشتهم المراعاة الدقيقة لفن المنظور التي جعلت طول الأجسام السفلي مترين، والوسطى ثلاثة أمتار، والعليا أربعة. وإذا نظرنا إلى هذا المظلم اليوم فإننا لا نستطيع أن نحكم عليه حكما عادلا صحيحاً، فلقد أضر به دانيلي حين ألبسه السراويل، كما أضرت به الأثواب التي ألبستها بعض أشكاله بعدئذ في عام 1762، وآذاه التراب والدخان، وما علاه من قتام مدى أربعة قرون.

وبعد أن استراح ميكل أنجيلو أربعة أشهر بدأ (1542) يعمل في مظلمين في المعبد الذي بناه أنطونيو دا سنجلو لبولس الثالث في قصر الفاتيكان، وكان واحد منهما يمثل استشهاد القديس بطرس، والثاني تنصر القديس بولس، وهنا أيضا أطلق الفنان العجوز لنفسه العنان في المغالاة في تصوير الأجسام البشرية، ولما أتم الصورتين كان قد بلغ الخامسة والسبعين من العمر، وقال لفاساري إنه صورهما رغم أنفه، وإنه بذل في تصويرهما جهداً شديداً ولاقى عناءً كبيراً(57).

غير أنه لم يحس بأنه قد بلغ من العمر ما يحول بينه وبين الاشتغال بالنحت، بل إنه كان يقول إن المطرقة والنحت يساعدانه على الاحتفاظ بصحته، ولقد كان، يرسم صورة العشاء الأخير يجد من حين إلى حين ملجأ وسلوى في الرخام الذي في مرسمه. ففي عام 1539 نحت تمثال برونس الصارم القوي (المحفوظ في بارجلو) الخليق بأن يضم إلى أعظم التماثيل الرومانية الملونة. ولعله قد نحته ليؤيد به ما حدث منذ قليل من قتل الطاغية أليسندرو ده ميديتشي في فلورنس، وليكون نذيرا للطغاة في المستقبل. وبعد أحد عشر عاماً من ذلك الوقت نحت وهو في فترة من المزاج الرقيق تمثال العذراء تبكي أمام المسيح الميت، والذي يقوم الآن خلف مذبح كاتدرائية فلورنس، وكان يرجو أن يوضع هذا التمثال فوق ضريحه، ولذلك أخذ يعمل فيه كالمحموم، وكثيراً ما كان يواصل العمل ليلا في ضوء شمعة مثبتة في قلنسوته، ولكن ضربة شديدة من مطرقه أضرت بالتمثال ضرراً لم يسعه إلا أن يتركه معتقداً أنه قد حاق به الأذى ما لا يمكن إصلاحه، غير أن خادمه أنطونيو ميني استهداه إياه، وأخذه، وباعه إلى رجل من فلورنس. والتمثال ثمرة مدهشة لجهود رجل في السابعة والخمسين من العمر، فجسم المسيح الميت ممثل دون مبالغة، وتمثال مريم الذي لم يتم هو الرقة بعينها ممثلة في الحجر، ووجه نيقوديموس Nicodemos المقنع الرائع يمكن أن يمثل، كما يظن البعض، وجه ميكل أنجيلو نفسه، وكثيراً ما كان الفنان في تلك المرحلة من العمر يفكر في آلام المسيح.

وكان دينه في جوهره هو دين أهل العصور الوسطى، يخلع عليه التصوف كثيراً من الكآبة والتنبؤ بالمستقبل، والتفكير في الموت وعذاب النار، ولم يكن يشارك ليوناردو في تشككه، أو رافائيل المرح في استهتاره وعدم مبالاته، وكانت أحب الكتب إليه الكتاب المقدس وكتاب دانتي، وقد أخذ شعره في أخريات حياته يدور أكثر فأكثر حول الأمور الدينية:

الآن وصلت حياتي مختارا بحرا عاصفاً

كأنها زورق هش ضعيف، إلى المرفأ الواسع

الذي يأمر الناس جميعاً بالدخول فيه قبل أن يحل يوم الحساب الأخير

فيحاسب الناس على ما كسبت أيديهم من خير وشر ويجزون عليه الجزاء الأوفى.

ولقد عرفت الآن حق المعرفة أن ذلك الوهم

الذي استحوذ على قلبي وجعلني عبدا خاشعاً للفن الأرضي

إنما هو لهو عبث باطل. ألا ما أشد إثم

ذلك الشيء الذي يطلبه الناس جميعاً ويتلهفون عليه!

وأفكار الحب التي صورت في ثياب لا تكاد تستر الجسم

ما قيمها حين يقترب منا الموت المزدوج

فهو موتان موت أعلمه عن يقين وآخر أرهبه.

فلا التصوير ولا النحت بقادر الآن على أن يريح نفسي

التي تتوجه إلى حبه العظيم في عليائه

ذلك الذي يبسط ذراعيه على الصليب ليضمنا إليه(58).

وأخذ الشاعر الشيخ يلوم نفسه على ما كتب في السنين الخوالي من أغاني في العشق. ولكن يلوح أن هذه الأغاني لم تكن تنفيساً عن شهوة جسمية بل كانت رياضة شعرية. وأعظم أغاني مكيل أنجيلو إخلاصاً في مجموعته المعروفة باسم “القوافي” هي التي يوجهها إلى نبيل روماني كان يدرس التصوير. وقد جاء هذا الشاب إلى أنجيلو (في عام 1532 على ما نظن) ليأخذ عليه الفن، وسحراً أستاذه بجمال وجهه واعتدال قامته، وحسن هيئته وأدبه الجم، وأحبه ميكل وكتب فيه أغاني ملؤها الإعجاب الصريح به حتى لقد وضعه الناس مع ليوناردو بين المشهورين من ذوي الشذوذ الجنسي في التاريخ(85أ). غير أن هذه التعبيرات الغرامية بين الرجل والمرأة كانت شائعة في عهد النهضة حتى بين الرجال الذين يعشقون النساء والنساء اللاتي يعشقن الرجال؛ وكانت عباراتها القوية المتطرفة جزءاً من الأساليب الشعرية وكتابات الرسائل في ذلك العهد؛ ولذلك فإننا لا نستطيع أن نستخلص منها أحكاماً معينة، لكننا نلاحظ مع ذلك أن ميكل أنجيلو- إذا صرفنا النظر عن شعره- ظل فيما يلوح لا يعبأ بالنساء حتى التقى بفتوريا كولنا.

وبدأت صداقته معها حوالي عام 1542 حين كانت في سن الخمسين وكان هو في السابعة والستين. وإنه ليسهل على امرأة في سن الخمسين أن تثير لواهج الحب في قلب ابن الستين؛ ولكن فتوريا لم تكن تريد ذلك أو تفكر فيه، فقد كانت تحس بأنها لا تزال مرتبطة بمركيز بيسكارا الذي مات منذ سبعة عشر عاماً؛ ولهذا كتبت إلى ميكل أنجيلو تقول: “إن صداقتنا صداقة ثابتة، وحبنا قوي أكيد؛ تربطه عقدة مسيحية وثيقة”(57) وبعثت إليه بأغان بلغ عددها 143 أغنية كلها طيبة ولكن الإهمال باد فيها؛ ورد عليها بأغان تفيض إعجاباً وإخلاصاً ولكن الغرور الأدبي يفسدها ويشوهها. وكانا إذا التقيا يتحدثان عن الفن والدين، ولعلها كانت تعترف له بعطفها على الرجال الذين كانوا يحاولون إصلاح الكنيسة. وكان تأثيرها فيه قوياً عميقا، فقد بدا له أن أجمل ما في الحياة من عناصر روحية قد اجتمعت كلها في تقواها، وحنانها، وإخلاصها. وكان بعض ما يتصف به من تشاؤم يزول عنه إذا مشت معه وتحدثت إليه، وكان يدعو الله ألا يعود مرة أخرى الرجل الذي كانه قبل أن يلتقي بها. وكان إلى جانبها حين حضرتها الوفاة (1547)؛ وظل بعد وفاتها زمنا طويلا محطم القلب حزيناً كأن بعقله خيالاً، يلوم نفسه لأنه لم يقبل وجهها كما قبل يدها في تلك اللحظات الأخيرة(60)، وأقدم بعد وفاتها بقليل على أعظم أعماله الفنية وأكبرها تبعة، ذلك أنه لما مات أنطونيو سنجالو (1546)، طلب بولس الثالث إلى ميكل أنجيلو أن يتم كنيسة القديس بطرس، واحتج الفنان المتعب مرة أخرى بأنه مثال لا مهندس، ولعله لم يكن قد نسي بعد عجزه عن إتمام واجهة سان لورندسو، ولكن البابا أصر، وامتثل ميكل أنجيلو لأمره “وهو آسف كل الأسف”؛ وأضاف؛ كما يقول فاساري إلى هذا قوله: “إني لأعتقد أن البابا قد أوحى إليه بذلك من عند الله”. وأبى الفنان أن يتقاضى عن ذلك العمل، وهو آخر أعمال حياته، مكافأة إضافية، وإن كان البابا قد ألح عليه في هذا المرة تلو المرة، وبدأ العمل بجد لا يتوقعه الإنسان من رجل في الثانية والسبعين من العمر.

وكأنما كان العمل في كنيسة القديس بطرس لا يكفيه؛ فقد تعهد في ذلك العام نفسه بالقيام بمشروعين كبيرين: أولهما أنه أضاف إلى قصر فارنيزي طابقاً ثالثاً، وشرفة يمتدح كل من رآها جمالها البارع، كما أضاف طابقين علويين إلى بهو يرى فاساري أنه أجمل أبهاء أوربا بأجمعها؛ ووضع تصميماً لمجموعتين من الدرج يرقى بهما إلى تل الكبتول، وأقام فوق قمته تمثال ماركس أورليوس القديم الممتطي صهوة جواد، ثم شرع بعدئذ وهو في الثامنة والثمانين من عمره يشيد فوق الطرف الثاني من الهضبة قصر مجلس الشيوخ بسلمه المزدوج العالي الفخم؛ ووضع خططاً لقصر المعهد الموسيقي على أحد جانبي قاعة مجلس الشيوخ ومتحف الكبتول على الجانب الآخر منها: على أنه حتى هو نفسه، لم يمتد به أجله حتى ينفذ هذه المشروعات كلها، ولكن الأبنية تمت كلها وفقاً لتصميمه على أيدي توماسو كفاليري، وفنيولا، وجيما كومو دلا بورتا.

ولما توفي بولس الثالث (1549) لم يعرف الناس هل يحتفظ خلفه يوليوس الثالث بمكيل أنجيلو كبيراً للمهندسين في كنيسة القديس بطرس، وكان ميكل قد رفض التصميم الذي وضعه أنطونيو دا سنجالو لأن يجعل الكنيسة مظلمة إلى حد يخشى منه على الآداب العامة(61)، ولكن أصدقاء المتوفى أقنعوا اثنين من الكرادلة بأن يحذرا البابا بأن بونارتي يعمل على إفساد الصرح. وأيد يوليوس أنجيلو، ولكن لما جلس البابا بولس الرابع على كرسي البابوية (وقد كان البابوات يتعاقبون تعاقباً سريعاً في أيام ميكل أنجيلو) عاد حزب أنجيلو إلى الهجوم وادعى أن الفنان الذي كان وقتئذ في الحادية والثمانين من عمره، قد بلغ من العمر أرذله وكان في عهد طفولته الثانية، وأنه كان يهدم أكثر مما يبني، وأنه يضع في سان بيترو تصميمات مستحيلة التنفيذ، وكثيراً ما فكر ميكل في الاستقالة من عمله وقبول الدعوات المتكررة التي كان يبعث بها إليه الدوق كوزيمو كي يعود إلى الإقامة في فلورنس؛ ولكنه كان قد وضع خطة القبة، ولم يشأ أن يتخلى عن منصبه حتى يرى فكرته في طريق التحقيق، وقضى عدة سنين يفكر في هذه المشكلة، حتى إذا كان عام 1557 عمل من الصلصال نموذجاً صغيراً للقبة الضخمة التي كان عرضها وثقلها أكثر ما في المشروع خطورة. وقضى عاماً آخر في صنع نموذج من الخشب أكبر من النموذج السابق ووضع الخطط اللازمة للبناء والمساند، وكان المشروع يقضي بأن يكون قطر القبة 138 قدما، وارتفاعها هي نفسها 151، وأن تكون قمتها على ارتفاع 334 قدما فوق سطح الأرض، وأن ترتكز على قاعدة ذات أطناف تعتمد عل عقود ضخمة في الليوان الذي يخترق الكنيسة، وكان المشروع يقضي أيضا بأن يشاد “فانوس” (أي قبة صغرى ذات واجهة مفتوحة) يعلو تسعا وستين قدماُ فوق القبة الرئيسية وأن ينشأ فوقها صليب يعلو عن هذا الفانوس اثنتين وثلاثين قدماً يكون ذروة ذلك الصرح الفخم العظيم الذي يصل بأجمعه إلى ارتفاع 435 قدماً، ذلك هو مشروع القبة، أما القبة التي يمكن أن نقارنها بها والتي شادها برونيسكو فوق كنيسة فلورنس الكبرى، والتي وصف ميكل أنجيلو جمالها بأنه جمال لا يفوقه سواه، فقد كانت تبلغ 138 قدماً ونصف قدم في العرض و 133 قدماً في ارتفاعها هي نفسها و 300 قدم من سطح الأرض إلى قمة البناء و 351 قدماً بما فيها الفانوس، وكانت هاتان القبتان أعظم ما شيد من الصروح جرأة في تاريخ عمارة النهضة.

وحاء بيوس الرابع في عام 1569 بعد بولس الرابع، وسعى أعداء الفنان الجبار مرة أخرى لكي يحلوا محله، وكان قد أنهكه النزاع وتبادل التهم، فقدم استقالته من منصبه (1560)، ولكن البابا رفض قبولها، وظل ميكل أنجيلو كبير المهندسين في كنيسة القديس بطرس إلى يوم وفاته، وتبين بعدئذ أن ناقديه لم يكونوا مخطئين في كل ما وجهوه إليه من نقد، ذلك أنه في فن العمارة فلما كان يعنى بوضع خططه على الورق، وقلما كان يفضي بها إلى أصدقائه، بل كل ما كان يفعله أن يضع تصميم كل جزء من أجزاء البناء كلما قرب وقت إقامته، وكان شأنه فيما كان يقوم به من أعمال النحت، فكثيراً ما كان يهاجم كتلة الرخام دون أي استعداد سابق أكثر من وجود فكرة في رأسه، ولما مات لم يخلف وراءه خططاً أو نماذج محددة لأي جزء من البناء غير القبة وحدها، ولهذا كان من خلفوه أحراراً في اتباع أفكارهم هم أنسفهم، فبدلوا فكرته وفكرة برامنتي الأساسية- فكرة الصليب اليوناني- وأحلوا محلها فكرة الصليب اللاتيني بأن زادوا في طول جناح الكنيسة الشرقي وأقاموا واجهة عالية أمامه حجبت السقف المقبب عن الأنظار من هذه الناحية إلا إذا نظر إليها من بعد ربع ميل، وكان جزء البناء الوحيد الذي اتبعت فيه خطة أنجيلو هو هذا السقف المقبب نفسه، فقد نفذه جياكومو دلا بورتا عام 1588 كما وضعه أنجيلو دون تغيير هام، وما من شك في أن هذا البناء أفخم الأبنية في روما وأبهاها منظراً، فهو يعلو في منحنيات رائعة من أسفل قاعدته على التل إلى الفانوس القائم أعلاه، ويتوج في جلال الربعة التي في أسفله، ويضفي على العمد ذات الطراز القديم، والعمد المربوعة، وطيلات العمد، والقواصر وحدة شاملة تضارع في بهائها أي صرح معروف في العالم القديم، وفيها أيضا حاولت المسيحية أن توفق بينها وبين العالم القديم، فقد وضع بيت عبادة المسيح قبة البانثيون (التي يبلغ اتساعها 142 قدماً وارتفاعها بأكمله 142) فوق باسلقا قسطنطين كما أقسم برامنتي أن يفعل، ولم يجبن عن أن يعلو بالعمد القديمة ذلك العلو الشامخ الذي لا نظير له في سجلات التاريخ القديم.

ولم ينقطع ميكل أنجيلو عن العمل حتى بلغ التاسعة والثمانين من عمره، من ذلك أنه حول جزءا من حمامات دقلديانوس في عام 1563 إلى كنيسة سانتا ماريا دجلي أنجيلي وديرها استجابة لطلب بيوس الرابع، ثم وضع تصميم بورتا بيا Porta pia أحد أبواب المدينة، ووضع الفلورنسيين المقيمين في روما نموذجاً لكنيسة، قال عنه فاساري، ولعله كان مدفوعاً في ذلك بتحمسه الشديد إلى أستاذه وصديقه الشيخ، إنه “أجمل ما وقعت عليه عين إنسان”(62). لكن أموال الفلورنسيين في روما نفذت فلم يقم البناء.

وخارت قوة الفنان الجبار في آخر الأمر، وكانت قوة لا يكاد يصدق الإنسان وجودها فيه، وكان وهو في الثالثة والسبعين من عمره قد بدأ يشكو من داء الحصوة، ويلوح أنه قد وجد ما يخفف علته في بعض الأدوية أو المياه المعدنية، ولكنه قال: “إني أؤمن بالصلاة والدعاء أكثر مما أؤمن بالدواء”، وكتب بعد اثني عشر عاماً إلى ابن أخ له يقول: “أما إذا سألتني عن حالي فإني أعاني جميع الأمراض التي تصيب الطاعنين في السن، فالحصوة تمنعني من التبول، وحقوي وظهري متصلبان تصلباً يمنعني في كثير من الأحيان عن صعود الدرج”(63)، ومع ذلك فقد ظل حتى سن التسعين يخرج إلى الخلاء مهما تكن حالة الجو.

وكان يترقب منيته باستسلام المؤمن وانشراح الفيلسوف، وقد قال لفاساري يوماً ما: “لقد بلغت من الكبر درجة يخيل إلي معها أن الموت يجذبني من ردائي ويدعوني إلى السير معه”(64). ويمثله نقش برنزي بارز ذائع الصيت من صنع دانييلي دا فلتيرا ذا وجه مغضن من فرط الألم، شاحب من كبر السن، وأخذ في شهر فبراير من عام 1564 يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم، ويقضي معظم وقته نائماً في كرسيه الساند، ولم يترك وصية بل كل ما فعله أنه “أسلم روحه لله، وجسمه للأرض، ومتاعه لأقرب أقربائه”(65). وأسلم الروح في 18 فبراير من عام 1564 وهو في التاسعة والثمانين من العمر، ونقلت جثته إلى فلورنس، حيث دفن في كنيسة سانتا كروس (الصليب المقدس) باحتفالات دامت عدة أيام. ووضع فاساري له تصميم قبر فخم أظهر فيه منتهى التقى والورع.

وقد حكم معاصروه، وأيد حكمهم مر العصور، على أنه أعظم من ظهر على وجه الأرض من الفنانين، رغم ما يتصف به من عيوب لا حصر لها، وهو ينطبق عليه أتم انطباق تعريف “أعظم الفنانين” الذي وضعه رسكن، لأنه “أظهر في مجموعة أعماله أكبر عدد مستطاع من أعظم الأفكار”- أي الأفكار “التي تحرك أعظم مواهب العقل وتسمو بها”(66). فقد كان أولا رساما ممتازاً، كانت رسومه من الكنوز التي يعتز بها أصدقاؤه الذين أهداها إليهم أو اختلسوها منه، وفي وسعنا أن نرى هذه الرسوم اليوم في كاسا بورنارتي Casa Buonartti بفلورنس، أو في خزانة الرسوم بمتحف اللوفر، وهي تضم رسوماً تخطيطية لواجهة كنيسة سان لورندسو، ورسوم يوم السحاب ودراسة جميلة لسيبيله، وصورة تخطيطية للقديسة آن، لا تكاد تقل في دقة فكرتها عن صورة ليوناردو نفسه، والصورة الغريبة التي رسمها لفتوريا كولنا الميتة، وهي ذات وجه لا تستبان معارفه وثديين ذابلين، وقد رجع لفي حديث له نقله عنه فرانتشيسكو ده هولندا Francisco de Hollanda بجميع الفنون إلى فن التصميم فقال:

إن فن التصميم أو الرسم الدقيق… هو أساس فنون التصوير الملون، والحفر، والعمارة،وكل شكل من أشكال التمثيل وجوهرها، كما هو الأساس والجوهر للعلوم بأجمعها، ومن المستطاع أن يتقن هذا الفن ويبرع فيه حصل على كنز عظيم… ذلك أن جميع أعمال العقل البشري واليد البشرية إما أن تكون هي التصميم نفسه وإما أن تكون فرعاً من ذلك الفن(67).

وظل وهو يصور بالألوان رساماً أقل اهتماماً باللون منه بالخطوط، يسعى قبل كل شيء لرسم صورة معبرة مفصحة، أو التعبير بالفن عن موقف آدمي، أو نقل فلسفة للحياة عن طريق الرسم والتخطيط، وكانت يده هي يد فيدياس أو أبليز، وصوته صوت أرميا أو دانتي، ولسنا نشك ي أنه في أحد تنقلاته بين فلورنس وروما قد وقف عند أرفيتو ودرس صور العرايا التي رسمها سنيوريلي في تلك البلدة، وقد أوحت إليه هذه الصور مضافة إلى مظلمات جيتو وساتشيو بطراز لا يماثله مع ذلك طراز آخر احتفظ به التاريخ، وقد أدخل في فنه، وأظهر فيه من النبل أكثر مما أدخله في الفن وأظهره فيه غيره من الفنانين لا نستثني منهم ليوناردو، أو رافائيل، أو تيشيان، ولم يكن يلهو بالزخرف أو السفاسف؛ ولم يعبأ بالصغائر، أو بالمناظر الطبيعية، أو بالخلفيات المعمارية لصوره أو بالنقوش العربية الطراز؛ بل كان يترك موضوعه يقف وحده غير مزدان ولا مزخرف، ذك أن عقله قد استحوذت عليه رؤيا سامية، خلع عليها شكلا بقدر ما تستطيع اليد أن تخلع على الرؤى أشكالا، تصورها عرافات، ومتنبئين وقديسين، وأبطالا، وأربابا. وقد استخدم فنه الجسم الآدمي وسيلة له وواسطة، ولكن هذه الأشكال البشرية، كانت عنده هي التجسيم المعذب لآماله، ومخاوفه، وفلسفته المضطربة، وعقيدته الدينية التي خبا لهيبها.

وكان النحت فنه الخاص المحبب المميز له عن غيره من الفنانين، لأنه هو أعظم الفنون التشكيلية، ولم يلون تماثيله في يوم من الأيام لأنه كان يشعر بأن شكلها كفايتها، بل إن البرنز نفسه كان فيه من اللون أكثر مما يطيق، ولهذا قصر نحته على الرخام(68)، وكانت كل صوره ومبانيه وثيقة الارتباط بالنحت حتى قبة كنيسة القديس بطرس نفسها، وقد أخفق في أن يكون مهندس عمارة (إذا استثنينا من قولنا هذا تلك القبة الفخمة)، لأنه كان يصعب عليه أن يتصور بناء إذا لم يكن في صورة الجسم الآدمي ونسبه، ولم يكن يطيق أن يراه إلا من حيث هو مستودع للتماثيل؛ وكان يريد أن يغطي بتماثيله السطوح كلها بدل أن يجعل السطوح عنصراً من عناصر الشكل. وكان النحت أشبه بحمى تنتابه ولا تفارقه، وكان الرخام في ظنه يخفي في طياته سراً يصر على كتمانه، ويعتزم هو أن ينتزعه منه، غير أن هذا السر كامن في نفسه هو، وهو أدق من أن يكشف عنه جملة وتفصيلا. وقد ساعده دوناتلو بعض المساعدة على إعطاء الرؤى الباطنية صورة ظاهرة، وقدم له دلا كورشيا معونة أكثر من دوناتلو في هذه الناحية، أما اليونان فكانت معونتهم له أقل من الاثنين. وقد حذا حذو اليونان في تكريس معظم فنه للجسم الآدمي، وترك تماثيله أكثر تعميماً تكاد تتبع كلها نمطاً خاصاً، كما تبين لنا ذلك في تماثيل النساء القائمة على قبور آل ميديتشي، ولكنه لم يستطع قط تمثيل الطمأنينة المجردة من الانفعال التي نراها بادية على وجوه التماثيل اليونانية قبل العصر الهلنستي، لأن مزاجه لم يكن يجيز له أن يعنى بتمثيلها، ولأنه لم يكن يجد فائدة في تصوير شكل لا يعبر عن شعور ما، وكانت تعوزه القدرة على الكبح والاحتجاز التي كانت عند اليونان والرومان الأقدمين، كما كان يعوزه الشعور بتناسب الأجزاء؛ فقد جعل الكتفين أعرض مما يوائم الرأس، وجعل الجذع أقوى مما يناسب الأطراف، كما جعل الأطراف نفسها معقدة بالعضلات، كأن الآدميين والأرباب جميعاً مصارعون متوترة عضلاتهم من شدة الكفاح، ولا يسعنا إلا أن نعترف أن فن الأسلوبين أو النمطين وتشويه الرسوم قد بدأ بهذه المغالاة المسرحية في الجهود العضلية والانفعالات النفسية.

ولم يوجد ميكل أنجيلو مدرسة خاصة كما أوجد رافائيل؛ ولكنه دري طائفة من الفنانين الممتازين، وكان له عليهم نفوذ قوي شامل، وكان من تلاميذه ججليلمو دلا بورتا Guglelmo della Porta الذي صمم لبولس الثالث في كنيسة القديس بطرس تابوتاً لا يكاد يقل روعة عن مقابر آل ميديتشي، غير أن من خلفوا أنجيلو من رجال النحت والتصوير قلدوه في مغالاته دون أن يعوضوا هذا العيب بعمق التفكير والشعور، وبالتفوق في أصول الصنعة، والحق أن الفنان العظيم هو في العادة الذروة العليا للتقليد، وأسلوب، ونمط، ومزاج تاريخي، وتفوقه نفسه تنتهي به سلسلة من التطورات لا يبقى بعده شيء منها؛ ولهذا تأتي من بعده لا محالة فترة من المحاكاة الضعيفة والاضمحلال، ثم يبدأ مزاج جديد وتقليد جديد في النماء، ونرى فكرة جديدة، ومثلا أعلى جديداً، أو أصولا للفن جديدة تكافح مستعينة بمائة من التجارب الغريبة كي تصل إلى نظام جديد، وإلى شكل أصيل يتكشف عن طراز جديد.

وعلينا أن نقول كلمة أخرى تتسم من جانبنا بالخضوع والتواضع، تلك هي أن الأوساط منا نحن الآدميين، حتى في الوقت الذي يضعون فيه أنفسهم موضع الحكام على الصفوة الممتازين، يجب ألا تعوزهم فضيلة الاعتراف بفضل أولئك الصفوة الأخيار وعبقريتهم، ويجب ألا نستحي من عبادة الأبطال، إذا لم نتخل في خارج أضرحتهم عن إحساسنا بالتمييز بين مزاياهم وعيوبهم، ونحن نجل نيكل أنجيلو لأنه ظل طوال حياته الطويلة المعذبة يخلق وينتج آية فنية رائعة في كل ميدان من ميادين الفن الرئيسية. وإنا لنرى هذه الروائع تنتزع من لحمه ودمه، ومن عقله وقلبه، إذا صح هذا التعبير، حتى تتركه إلى وقت ما ضعيفاً من كثرة ما أبدع وخلق، ونرى هذه الروائع تتشكل بمائة ألف ضربة من مطرقته ومنحَتِه؛ وقلمه وفرشاته؛ نراها تتشكل واحدة في إثر واحدة، كأنها مخلوقات خالدة تأخذ مكانها بين أشكال الجمال أو المعاني الباقية أبد الدهر. إن عقولنا لأضعف من أن تعلم حقيقة الله سبحانه، وهي عاجزة عن فهم الكون الذي اختلط فيه ما هو في الظاهر خير وشر، وعذاب وجمال، ودمار وسمو؛ ولكننا إذا كنا في حضرة أن تحنو على طفلها، أو عبقري يخلق من الفوضى نظاماً، ويكسب المادة معنى، والصورة أو الفكرة نبلا وعظمة، أحسسنا بأننا أقرب ما نستطيع أن نكون إلى الحياة، والعقل، والقانون، التي يتكون منها عقل العالم الذي لا يمكن أن تدركه العقول.

ميكل أنجيلو وكلمنت السابع 1520 – 1534 مما يذكر في صحيفة الحسنات لكلمنت أنه ظل طوال أيام كوارثه يتحمل صابراً جميع نزوات ميكل أنجيلو وثوراته، ويعهد إليه بالمهمة تلو المهمة، ويمنحه من المزايا كل ما يليق بالعباقرة. ويقول في هذا: “إذا جاء بونارتي أمسكت بيدي على الدوام مقعداً وأمرته بالجلوس، لأني لا أشك في أنه سيجلس من تلقاء نفسه دون أن يستأذنني”(57). وحتى قبل أن يصبح بابا تقدم باقتراح تبين أنه اكبر عمل من أعمال النحت عهد به إلى ذلك الفنان، وهو أن يضيف إلى كنيسة سان لورندسو بفلورنس “غرفة مقدسات جديدة” لتكون قبراً لأشهر أفراد آل ميديتشي؛ وتصميم مقابر لهم، وتزيينها بما يليق بها من الصور. وكان كلمنت واثقاً كل الثقة من كفايات هذا الفنان الجبار المتعددة، ولهذا طلب إليه أن يضع عدداً من التصميمات الهندسية للمكتبة اللورنتية، تبلغ من السعة والمتانة ما تستطيع أن تقي كل المجموعات الأدبية للأسرة الميديتشية. وتم إنشاء السلم الفخم والدهليز ذي العمد في هذه المكتبة اللورنتية (1526-1527)، بإشراف أنجيلو، أما بقية ابناء فقد أقامها فيما بعد فاساري وغيره على أساس رسوم بونارتي.

أما بناء نوفا ساجرستيا Nuova Sagristia فلا يمكن أن يعد من روائع الفن المعماري. فقد وضع تصميمها على أن تكون مربوعة الجوانب تقسمها عمد مربوعة وتعلوها قبة متواضعة؛ وكان الغرض الأول من بنائها أن توضع التماثيل في الفجوات المتروكة في الجدران. وقد تم بناء “معبد آل ميديتشي” هذا في عام 1524؛ وفي عام 1525 بدأ أنجيلو العمل في القبور، وقد كتب إليه كلمنت في هذا العام الثاني خطاباً يستحثه في رقق يقول:

“إنك تعرف أن البابوات قصار الأجل، ونحن أشد ما نكون شوقاً إلى أن نرى المعبد وفيه قبور أقاربنا، أو أن نسمع في القليل أنه قد تم، ولا يقل عن هذا شوقنا إلى إتمام المكتبة ولهذا نعهد بهما جميعاً إلى همتك ونشاطك. وسنتذرع في هذه الأثناء (بناء على توصيتك) بالصبر الجميل، داعين الله أن يعينك على أن تدفع المشروع كله إلى الأمام. ولا تخش قط أن سوف تعوزك الأعمال أو الجزاء مادمنا على قيد الحياة. وداعاً على بركة الله وبركتنا- جيوليو”(58).

وكان المشروع يتضمن إنشاء ستة قبور: واحد لكل من لورندسو الأعظم، وأخيه جيوليانو الذي اغتيل، وليو العاشر، وكلمنت السابع، وجوليانو الأصغر الذي كان “أطيب من أن يستطيع حكم دولة” (والمتوفى عام 1516)، ولورندسو الأصغر دوق أربينو (المتوفى عام 1519). ولم يتم من هذه إلا قبرا الأخيرين، ولكنهما مع ذلك أرقى ما وصل إليه التصوير في ذلك العهد. ويظهر القبران شكل من يحتويان من الموتى كما كانا في عنفوان الشباب، ولم يحاول المثال إظهار شكلهما الصحيح أو ملاحمها الحقيقية: فقد أظهر جيوليانو في ثياب قائد روماني، ولورندسو في صورة الرجل المفكر il Penseroso. ولما أن لاحظ ملاحظ غير حذر هذا البعد عن الواقعية، رد عليه ميكل أنجيلو بألفاظ كشفت عن ثقته السامية الأكيدة بخلوده الفني فقال: “منذا الذي يعني بعد ألفي عام هل هذه ملامحهم وليست هي؟”(59). ويتكئ على تابوت جيوليانو شخصان عاريان: عن اليمين رجل يفترض فيه أنه يرمز إلى النهار، وعن اليسار امرأة يفترض أنها ترمز إلى الليل. ومثلهما صورتا شخصين متكئين على قبر لورندسو أطلق عليهما اسما الشفق والفجر. وهذه التسميات مجرد فروض ولعل للخيال فيها أكبر نصيب. وأغلب الظن أن هدف المثال هو أن ينحت مرة أخرى معبوده الخفي، أعني الجسم البشري، بكل ما فيه من روعة قوة الرجولة، والمحيط الخارجي الجميل لجسم المرأة بأكمله. ولقد كان نجاحه في تصوير جسم الرجل أعظم من نجاحه في تصوير جسم المرأة كما هي العادة، وإن صورة الشفق الناقصة التي تسلم اليوم النشيط المضني إلى الليل على مهل، لنضارع أنبل صور الآلهة في البانثيون.

وقامت الحرب فعطلت أعمال الفن إلى حين. ولما سقطت روما في أيدي الجيوش الإمبراطورية (1527)، لم يعد في وسع كلمنت أن يناصر الفنون، وانقطع معاش ميكل أنجيلو الذي كان يتقاضاه من البابا ومقداره خمسون كروناً (625 دولاراً) في الشهر واستمتعت فلورنس في هذه الايام بعامين من الحرية في ظل الحكم الجمهوري. ولما أن تصالح كلمنت مع شارل، وأرسل جيش ألماني- أسباني للقضاء على الجمهورية وإعادة آل مديتشي إلى الحكم، عينت فلورنسا أنجيلو (6 أبريل ستة 1529) عضواً في لجنة العشرة للدفاع عن المدينة، وبذلك أصبح فنان المديتشيين بحكم الظروف مهندساً يعمل ضد الميديتشيين، وشرع يشتغل كالمحموم في تخطيط الحصون والأسوار وتشييدها.

وبينما كانت هذه الأعمال قائمة على قدم وساق كان ميكل أنجيلو يزداد كل يوم اقتناعاً بأن المدينة لا يمكن الدفاع عنها دفاعاً ناجحاً. وهل تستطيع مدينة بمفردها منقسمة على نفسها في روحها وفي ولائها، أن تقاوم مدفعية الإمبراطورية والحرمان الديني البابوي مجتمعين؟ ومن أجل هذا حدث في الحادي والعشرين من سبتمبر سنة 1529، أثناء حالة عارضة من الذعر، أن فر الفنان من المدينة، وهو يأمل أن يهرب منها إلى فرنسا ويلجأ إلى مليكها الظريف الوديع. ولما وجد طريقه مسدوداً بأرض يحتلها الألمان لجأ مؤقتاً إلى فيرارا وكانت تابعة للبندقية، ومنها بعث برسالة إلى صديقه باتستا دلا پالا Battista della Palla العامل الفنان لفرانسس في فلورنس يسأله: هل ينضم إليه في الهرب إلى فرنسا(60)؟ ورفض باتستا أن يتخلى ‘ن المنصب الذي عهد إليه في الدفاع عن المدينة؛ وكتب إلى أنجيلو بدلا من ذلك يدعوه دعوة حارة إلى العودة لواجبه، وينذره إذا لم يعد بأن الحكومة ستصادر أملاكه، وتترك أقاربه المعمدين في فقر مدقع. وبذلك عاد الفنان إلى عمله في حصون فلورنس حوالي اليوم العشرين من نوفمبر.

ويقول فاساري إنه حتى في هذه الشهور المضطربة وجد متسعاً من الوقت ليواصل العمل سراً في قبور آل ميديتشي، وليرسم لألفنسو دوق فيرارا صورة لا تعتبر قط عن طبائعه وهي صورة ليدا والبجع، وكانت في الحق صورة عجيبة يرسمها رجل قليل الميول الجنسية، متزمت إلى حد كبير، ولعلها كانت ثمرة اختلال مؤقت في عقله. ويظهر فيها البجع يضاجع ليدا، ويلوح أن ألفنسو لم يكن هو الذي اختار موضوعها وإن كان معروفاً بان كان رجلا شهوانياُ في الفترات التي بين الحروب. وأظهر الرسول الذي بعثه لإحضار الصورة الموعودة شدة امتعاضه منها حين رآها، ولم يزد على أن قال “إن هذا عبث” ولم يحاول أخذها للدوق، فما كان من أنجيلو إلا أن أعطى الصورة لخادمه أنطونيو ميني Antonio Mene الذي حملها إلى فرنسا حيث انتقلت إلى مجموعة فرانسس الأول النهم الذي لم يكن يفرق بين الطبيب منها والخبيث. وبقيت تلك الصورة في فنتينبلو إلى زمن لويس الثالث عشر حين أمر أحد كبار الموظفين بإتلافها لقبح موضوعها. ولسنا نعرف هل نفذ هذا الأمر أو لم ينفذ. وما هو تاريخ الصورة الأصلية بعد ذلك الوقت، ولكننا نعرف أن نسخة منها باقية في سراديب المعرض الأهلي بلندن(61).

ولما أن سقطت فلورنس في أيدي الميديتشيين العائدين إليها أعدم باتستا دلا بالا وغيره من الزعماء الجمهوريين، وأخفى ميكل أنجيلو نفسه مدة شهرين في بيت صديق له، كان في كل لحظة منهما يتوقع أن يلقى نفس المصير، ولكن كلمنت كان يظن أنه وهو حي أعظم قيمته منه وهو ميت، فكتب البابا إلى أقاربه الحاكمين في فلورنس يأمرهم بالبحث عن الفنان، ومعاملته بالحسنى. ووافق ميكل على هذا العرض؛ ولكن الصورة التي كانت في عقل الحبر والفنان كانت أكبر مما تستطيع اليد تنفيذه، كما حدث في قبر يوليوس؛ ولم تطل حياة البابا حتى يشهد تمام المشروع. فلما توفي كلمنت في عام 1534 خشى ميكل أنجيلو أن يصيبه ألسندرو ده ميديتشي بأذى بعد أن مات حاميه ونصيره، فاغتنم أول فرصة للهرب إلى روما.

وتبدو على القبور مسحة من الحزن المكتئب العميق كما تبدو على صورة عذراء ده ميديتشي التي نحتها أنجيلو لحجرة المخلفات المقدسة. ولقد افترض المؤرخون المولعون بالديمقراطية (والمغالون فيما كانت عليه من مدى في فلورنس) أن الصور المضطجعة ترمز إلى مدينة تندب استسلامها للاستبداد والظلم على الرغم منها. ولكن أكبر الظن أن هذا التفسير وهم خيال: فقد صممت هذه الصورة بينما كان الميديتشيون يحكمون فلورنس حكماً صالحاً إلى حد معقول؛ وقد نحتت لبابا من آل ميديتشي كان على الدوام رؤوفا بميكل أنجيلو، ونحتها فنان مدين لآل ميديتشي منذ شبابه. ولسنا نعرف أنه كان يبغي الإساءة إلى الأسرة التي كان يعد لها قبورها، وليس في تصويره لجيوليانو ولورندسو ما يدل على تحقيره إياهما. والحق أن هذه الرسوم تعبر عن شيء أعمق من حب لأن تستمتع الأقلية الثرية بحرية حكم الطبقات الفقيرة، دون أن تقف في سبيلها أسرة ميديتشي التي كانت في العادة محبوبة من الشعب عامة. إنها تعبر عن ملل ميكل أنجيلو من الحياة، وعن التعب الذي حل برجل كله أعصاب وأحلام هائلة لا يستطاع تحقيقها، وجد نفسه يصطدم بمئات المحن، ويعوق كل مشروع من مشروعاته تقريباً صلابة المادة التي يعمل بها وإباؤها عليه، وكلال قوته وضيق وقته. ولم يكن أنجيلو قد استمتع إلا بالقليل من مباهج الحياة، ولم يكن له أصدقاء لهم ماله من عقلية، أما النساء في رأيه أجساماً ناعمة تهدد السلام، وحتى أعظم انتصاراته كانت نتيجة الكد المنهك والألم، وائتلاف التفكير المحزن والهزيمة التي لا مفر منها.

ولما سقطت فلورنس في أيدي أسوأ المستبدين بها، وساد الرعب حيث كان لورندسو يحكم حكماً موفقاً سعيداً، أحس الفنان، الذي كان قد نحت في رخام أضرحة آل مديتشي نقداً للحياة لا مجرد نظرية في الحكم، إن هذه الأشكال المكتئبة الحزينة تعبر، فيما تعبر عنه، عن المجد الغابر للمدينة التي كانت مهد النهضة. ولما رفع الستار عن تمثال الليل كتب الشاعر جان باتستا استروتسي رباعية تعرض موضوعه عرضاً أدبياً قال فيها ما معناه:

إن الليلة التي تراها واقفة في رشاقة

يأخذ الكرى بمعاقد أجفانها، قد صاغها مَلَك

من الحجر الصلد، وسنانة، تسري فيها الحياة،

فأيقظها أيها المخلوق الذي لا تصدق’ فإنها ستتحدث إليك.

وقد غفر ميكل للكاتب ما في العبارة من تورية هي في الوقت عينه تمجيد له، ولكنه لم يرض عن تفسير الكاتب لخصائص التمثال، وكتب هو تفسيراً لها في أربعة أسطر هي أكثر ما في شعره وضوحاً وإبانة عن مقصده قال:

ما أحَبَّ نومي، ولكن يزيده محبة أن يكون مجرد حجر

مادام الخراب والقدر سائدين.

إن أشد ما يؤلمني ألا أرى شيئاً وألا أشعر بشيء،

إذن فلا توقظني، وتحدث في همس(62)

الأعمال الأولىانظر أيضاً: قائمة أعمال مايكل أنجلو
بعد سلسلة من الأحداث السياسية التي أدت إلى تصدع موقع عائلة مديتشي وانهيارها في سنة 1494 فلورنسا. رحل مايكل إلى فينيس ، بولونيا ، وأخيرا إلى روما. هناك قام بإبداع أو نحت منحوتة ضخمة لجسد يفوق حجم الإنسان الطبيعي حيث صور باخوس السكير ( 1496-1498 ) فلورنسا ، إله الخمر الروماني ويكتسب هذا العمل أهمية خاصة من خلال تصويره لجسد شاب عاري يمثل موضوع من المواضيع الوثنية وليس المسيحية.

أنتج مايكل آنجلو عمله الأول حينما كان في «الأكاديمية» وهو نحت بارز يشوبه بعض التشويش، ويجمع بين الوثنية والمسيحية، بعنوان «معركة القنطورس» (وهي مخلوقات أسطورية متوحشة) وكان عمله الثاني نحتاً بارزاً لـ«عذراء السلّم» وفيه يظهر بوضوح ما يدين به لدوناتللو Donatello. ويبدو جلياً أن مايكل آنجلو في هذه الأثناء كان ينوس بين الحميَّا والمأسوية ونقيضيهما الطلاوة وبعض العذوبة التي تُلمس عند ليوناردو.

توفي لورنزو دي ميديتشي في عام 1492، فعاد ميكلانجلو إلى بيت أبيه، وواصل عمله في النحت والتصوير، وتعلّم التشريح من جثامين الموتى. وفي عام 1494 هرب ميكلانجلو إلى بولونيا Bologne (الإيطالية) في إحدى نوبات اضطرابه، وزار البندقية. وعند عودته إلى فلورنسا عام 1495 نحت للكاردينال تمثال «كيوبيد النائم» وقد ظن كثيرون أنه تمثال لأحد النحاتين القدامى.

صعب على مايكل آنجلو ـ على الرغم من كفاياته المتعددة ـ أن يكسب قوته بأعماله الفنية في مدينة يكاد عدد الفنانين فيها يبلغ عدد سكانها. وحين استدعي للذهاب إلى روما، انتقل إليها عام 1496 وقلبه مفعم بالأمل. وفي روما أنجز ميكلانجلو أثره العظيم الأول؛ أحد أكثر أعماله شعبية: تمثال «الشفقة» في سان بيير. الموضوع والتكوين غريبان وغير مألوفين، وتعود أصولهما إلى شمالي أوربا وليس إلى إيطاليا، ولكن الفنان استخرج من الرخام قصيدة مؤثرة ورائعة. الوجه الصافي للعذراء، وقد بدت صغيرة السن مثل المسيح المعذب، تميل بعذوبة باتجاه الجسد المسجى لمسيح جميل في الموت مثل أدونيس Adonis، وقد برز تشريح جسده المتآلف فوق نسيج معطف فضفاض رائع الطيات يفصله عن الأم الحزينة، وكأن الفنان يريد أن يجعل من المعطف كفناً للجسد.

إن هذا العمل الذي يعود إلى مرحلة الشباب، وفيه تفجرت موهبة النحات وبراعته وحساسيته هو أيضاً العمل الوحيد الذي مهره الفنان بتوقيعه فوق القدَّة التي تعترض على نحو مائل صدر العذراء. وفي الوقت نفسه كان ميكلانجلو يعمل في أكثر الأشكال وثنية، إنه تمثال «باخوس الثمل»: فتى يافع يترنح ثملاً ومن خلفه ساتير (إله خرافي له قدما تيس وقرناه وذيله)، وإلى هنا يكون الفنان ـ بعد أن أضفى على أعماله اضطرام الحياة وغلواءها ـ قد تجاوز نحت الماضي البعيد.

لم يكن نجاح «الشفقة» سبباً في شهرة مايكل آنجلو فحسب، بل إن هذا النجاح قد درّ عليه مالاً كثيراً، وأغلب الظن أن اضطراب أحوال أسرته المالية هو الذي دعاه إلى فلورنسا، فعاد إليها في عام 1501 حيث عُهد إليه بعمل تمثال من رخامة كبيرة ارتفاعها ثلاث عشرة قدماً ونصف القدم، ظلت مطروحة على الأرض مئة عام كاملة لعدم انتظام شكلها. وظل ميكلانجلو يكدح فيها عامين ونصف العام، حتى انتزع منها بجهده وجده وبراعته تمثال داود، مستثمراً كل إصبع فيها، وقد تطلب نقل التمثال من المحترف القريب من الكنيسة إلى القصر أربعين رجلاً، وتطلب رفعه في مكانه واحداً وعشرين يوماً. وظل التمثال قائماً في فراغ مدخل القصر المكشوف معرضاً للجو، وعبث الأطفال، وللثورة عليه لأنه كان بمعنى ما إعلاناً صريحاً للتقدمية المتطرفة، ورمزاً للجمهورية، وتهديداً صارماً للمغتصبين.

كان هذا التمثال من أعمال البطولة، تغلب فيه الفنان بحذق كبير على الصعاب الآلية. فالهيكل العام الرائع الذي لم يضخمه ميكلانجلو، وبنية الجسم المصقول، والخياشيم المتوترة من الاهتياج، والتجهم المنبعث من الغضب، ومظهر العزيمة المشوبة بشيء من الرهبة حين يواجه الشاب جالوت الرهيب ويستعد لملء مقلاعه والقذف به؛ كل هذه الأشياء تجعل داود واحداً من أشهر التماثيل وأجملها في العالم كله. ويرى ڤازاري Vasari أنه «يفوق كل ما عداه من التماثيل قديمها وحديثها لاتينية كانت أم يونانية».

كثيراً ما كان ميكاآنجلو يقول: «ليس التصوير هو العمل الذي أبرع فيه»؛ ولهذا فإنه لم يكن مسروراً حين استدعاه سُدريني Soderini ت(1504) ليرسم على الجدار في ردهة المجلس الكبير، في حين كان بغيضه ليوناردو يصور جداراً مقابلاً له. لم يكن ميكلانجلو واثقاً وهو المثّال من أنه يستطيع منافسة ليوناردو في التصوير، ولكنه قرر أن يجرب حظه، وكانت الصورة التخطيطية الأولية عبارة عن لوحة من الورق على قماش مساحتها (88)م2. ولكنه لم يكد يتقدم في رسم الصورة الأولية حتى تلقى دعوة من روما. كان موضوع اللوحة معركة كاسكينا Cascina التي دارت إبان الحرب بين بيزا وفلورنسا عام 1364، لم يختر ميكلانجلو من فصولها إلا لحظة غير مألوفة وهي لحظة إعلان النفير حينما كان الجنود الفلورنسيون يستحمون في نهر الأرنو، لإيمانه بقدرة الجسد البشري العاري على حمل جميع الأفكار والعواطف والتعبير عن مختلف الانفعالات، ومن المؤسف أن الرسم التمهيدي الكامل لهذه اللوحة الكرتون لم يترفق به الزمن، فقد فُقد بعد أن وصفه الفنان تشيلليني Cellini بأنه كان أعظم عمل قدمه ميكلانجلو، وأنه يمثل بحق «أكاديمية الرسم العالمية»، بل إنه يفوق في عظمته سقف مصلى سيستينا Sixtine. وقد عكف عشرات الفنانين على استنساخ رسوم وتصاوير شتى نقلاً عن هذا المخطط، وعلى رأسهم رافايلو Raffaello وأندريا دل سارتو Andrea del Sarto ودا سانجالو Da Sangallo، ويذهب ڤازاري إلى أن المخطط كان يضم عدداً لا حصر له من الجند على صهوات جيادهم وقد شرعوا في القتال.

حينما بلغ مايكل آنجلو الثلاثين من عمره استدعاه البابا يوليوس الثاني Jules II إلى روما، وكلفه عمل ضريح له يكون أفخم بناء في تاريخ المسيحية، كما أمر أن تبنى كنيسة صغيرة جديدة ملحقة بكنيسة القديس بطرس، لتضم ذلك اللحد.

قَبِلَ الفنان بهذا العمل، وظل على مدى ثمانية شهور متنقلاً للإشراف على قطْع كتل الرخام التي سيقوم بنحتها. لكنه حينما عاد إلى روما ليعرض مشروعه على البابا رفض مقابلته. اغتاظ مايكل آنجلو ورحل إلى فلورنسا مغادراً روما التي لم يعد إليها إلا بعد أن هدد البابا بإرسال قواته المسلحة لغزو مدينة فلورنسا.

اصطدم مشروع ضريح الحبر الأعظم مع مشروع كنيسة القديس بطرس التي كان البناء فيها جارياً على قدم وساق، كما كان هذا المشروع سبباً للبغضاء بين ميكلانجلو والمعماري العظيم برامانتي Bramante. صرف الحبر الأعظم النظر عن الضريح نزولاً عند نصائح برامانتي، وكلف ميكلانجلو أن يصنع لشخصه تمثالاً ضخماً من البرونز، يزين به واجهة سان بترونيو في مدينة بولونيا Bologne رمزاً لخضوع المدينة للبابا.

في عام 1508 لاحت في ذهن البابا (يوليوس الثاني) فكرة جديدة، فعهد إلى ميكلانجلو بتنفيذها، ومؤدى هذه الفكرة تزيين سقف السيستينا وقمريات النوافذ والسطوح المثلثة بالجداريات (لوحات جدارية fresques). كان على الجدران رسوم جدارية سابقة تمثل مشاهد من الإنجيل وحياة موسى. وقد تضمن برنامج ميكلانجلو تاريخ الإنسانية منذ الخلق حتى موسى، أي العالم قبل الخطيئة، ثم الانتظار الطويل للفداء مع القلق، وعلى السقف نفسه تسع لوحات مستطيلة كبيرة تمثل الخلق، والخطيئة الأصلية، وتاريخ نوح، وخلق الرجل والمرأة (آدم وحواء). تبلغ مساحة السقف (328)م2، وعدد الأشكال التي رسمها مايكل آنجلو 343 شكلاً.

ظل ميكلانجلو أسير العمل في سقف السيستينا حتى عام 1512، وفي عام 1513 توفي البابا يوليوس الثاني وحلّ محله ليون العاشر Léon X الذي لا يكنّ لميكلانجلو حباً ولا مودة لتشككه بميوله الجمهورية.

انكب الفنان على العمل في ضريح الحبر المتوفى. كان المخطط في البداية يقضي بأن يكون المبنى مستقلاً، وعلى شكل هرم، وأن تحتل مستواه الأدنى تماثيل الأسْر والانتصار، رموزاً لصراعات الحياة والفنون الحرة (مصطلح يطلق على الفنون السبعة، وقد سميت كذلك لأنها تعد طلابها للمهن الحرة)، وفي الوسط يجلس موسى والقديس بطرس رمزاً للقانونين القديم والجديد، وفي القمة البابا المسجى تحمله الملائكة لترقى به إلى ملكوت الخالدين. ولكن ورثة الحبر الأعظم بسّطت المشروع وقللت من عدد التماثيل، وأرادت أن يُسند المبنى إلى جدار، وإلى هذه النسخة الثانية يعود تمثالا العبدين في متحف اللوڤر، مثَّلهما الفنان وهما يتخبطان بقيودهما ويحاولان التخلص منها ومظاهر الألم الجسدي والمعنوي بادية عليهما. إن في هذين التمثالين قوة تعبيرية يندر مجاراتها. وفي الفترة نفسها بدأ الفنان العمل في تمثال موسى الرهيب المعروف بهيكله العضلي الضخم ونظرته الساحرة الغضوب، وقوته الآمرة التي تفوق القدرة البشرية.

وفي عام 1520 عهد إليه ليون العاشر بتشييد المصلى المأتمي وتزيينه وضمه إلى الكنيسة التي ستضم بدورها صرحين تذكاريين: جوليان دي ميديتشي Julien دوق نيمور، ولورنزو Laurent دوق أوربينو؛ والاثنان من كبار المدافعين عن عرش البابوية. تجاوز الفنان برنامج تمجيد آل ميديتشي بأن أضفى على الضريح معنى أشمل وأعظم، ففيه تجلت الأفكار الأفلاطونية الجديدة التي تشربها إبان حداثته، وتطلعه إلى التغلب على معضلات الإنسانية الكبرى. يحتل الصرحان الجنائزيان زاويتين من الأضلاع الأربعة، وفي المشكاة المستطيلة يربض تمثالا الأميرين المحتفى بذكراهما، وقد أسبغ الفنان الكمال المثالي على وجهيهما وسيماء البطولة بادية عليهما، وألبس كلاً منهما عدة قائد روماني، فبدا جوليان حدثاً قوياً يمثل «الفعل»، والضوء يسقط على كامل وجهه، في حين أغرق عيني لورنزو في الظل الذي ترسمه الخوذة، ويده تسند أسفل وجهه المهموم، الذي تكتنفه الأسرار، رمزاً للأفكار التي يطويها الإنسان في دخيلته. وفي أسفل كل منهما تابوت حجري يتألف غطاؤه من زخرفين ملتفين، وعلى منحدرات التابوتين أربعة تماثيل عارية ترقد بطريقة بعيدة كل البعد عن الاسترخاء والراحة وكأن أعضاء الجسم مقطعة أوصالها، أو أنها تتصالب في أوضاع غير مريحة، والوجوه مجعدة بالتغضنات وبالكآبة والألم، تمثل عذاب الروح الإنسانية في رحلة الحياة. إن هذه التماثيل في الواقع ما هي إلا رموز للزمن العابر أو للـ «يوم» بأجزائه الأربعة: النهار والليل والغروب والشروق، وقد صاروا أشخاصاً من ذكر وأنثى وبالتناوب… وفي القسم الثالث من الكنيسة تنتصب عذراء ميديتشي وهي تحاول الإمساك بالطفل يسوع المشاغب الجالس على ركبتيها.

قامت الحرب فعطلت أعمال الفن. ولما سقطت روما في أيدي الجيوش الامبراطورية (1527) لم يعد في وسع رعاة الفن مناصرة الفنون، وانقطع معاش ميكلانجلو، وفي عام 1529 عينته فلورنسا عضواً في لجنة العشرة للدفاع عن المدينة… يقول ڤازاري إنه حتى في هذه الشهور المضطربة وجد متسعاً من الوقت ليواصل العمل سراً في قبور آل ميديتشي حتى مغادرته فلورنسا عاقداً العزم على عدم العودة إليها، وفي روما أيضاً كان ينتظره صرح يوليوس الثاني وقد غدا كابوساً ينغص عيشه، فتدبر أمر البناء بأن أشرك معه تلامذة متواضعي الكفاءة لإنجاز المشروع، فجاء البناء والتماثيل دون تطلعات ميكلانجلو وطموحاته.

تجلى مزاج الفنان المتجهم ونزوعه المتعاظم إلى التشاؤم في الجداريات العظيمة ليوم الدينونة التي أنجزها بين عامي 1536ـ 1541 بناء على طلب بولس الثالث Paul III، لتزيين الجدار في صدر كنيسة السيستينا؛ فبدت الدرجات اللونية قاتمة قياساً بلوحات السقف، واتخذ المسيح مظاهر أبولو وسماته مع شيء من الكثافة والضخامة، والقسم الأكبر من الخليقة غارق في مصير ملعون، والتكوين المضطرب والمبهم يرزح تحت وطء مجاورته لأثر فني ناضج. والحال نفسها في تماثيل الشفقة، إذ نقف أمام موضوع من موضوعات القرون الوسطى، وقد تناوله ميكلانجلو من جديد وتوسع فيه، وفي نفسه ذكريات من دانتي والعصور القديمة. عذابات جهنم تنم على تنوع وابتكار مَرَضيين يذكران بلوحات الجبهات الرومانية المثلثة الرائجة في القرن الثاني عشر، فالمختارون بحاجة إلى عون الملائكة والقديسين ليصعدوا إلى الفردوس بعد طول معاناة.

ومع ذلك لا يمكن القول إن كهولة الفنان المديدة غارقة في كرب وغم مستديمين، فنشاطه وهمته المعهودة لم يفارقاه حتى النهاية، فكان دوماً المشارك الفعال في الحياة الفنية، ينصح ويأمر هذا أو ذاك من تلامذته، وكان رب عمل مرهوب الجانب، وأسطورة زمانه بلا منازع.

وثّق ميكلانجلو عرى الصداقة مع الجماعة الرومانية التي اجتمعت حول الشاعرة ڤيتوريا كولونا Vittoria Colonna ت(1491ـ1547) فوجد في ذلك عزاءه وسلواه، وبعث في نفسه ذكريات الماضي البعيد في حدائق الأكاديمية، والأفكار العظيمة لرجال الفكر، وكان هو نفسه يكتب منذ زمن بعيد قصائد ورسائل رائعة، فهو لم يتألق في النحت والتصوير والعمارة فحسب، بل تألق في سماء الشعر أيضاً، وكان واحداً من أعظم خمسة شعراء في عصره ولكنه ـ والحق يقال ـ كان أصدقهم وجداناً وأقلهم مهارة في الصنعة الشعرية.

وفي تلك الفترة أضاف إلى أعماله النحتية جذع «بروتوس» المنحوتة المثال لقتل الطاغية. وباشر العمل في جداريتين كبيرتين في كنيسة بولين (الڤاتيكان)، وهما «توبة القديس بولس» وهو يسقط من على صهوة جواده، و«صلب القديس بطرس»، وهنا أيضاً شاركه العمل في التنفيذ كثير من التلاميذ.

راحت مسائل العمارة ومشروعاتها تأخذ من وقته كثيراً. وكان بهو المكتبة الفلورنسية في فلورنسا ودرجها من أكثر أعماله نجاحاً في هذا الميدان، وكان ميكلانجلو قد بدأ العمل فيهما منذ عام 1523، ولم يتم إنجازهما وفق خطته إلا بعد عام 1560 على يد المعمار بارتولوميو أماناتي Bartolomeo Ammannati. وفي روما واعتماداً على مخططاته بدئ بتحويل حمامات ديوكليتيان إلى كنيسة، وببناء الطابق العاشر الأخير لقصر فرنيزي Farnèse… وفي بداية عام 1538 بوشر العمل وبإشرافه في تنظيم ساحة الكابيتول، تحفُّ بها ثلاثة قصور زُينت بدعامات عملاقة تبعث الحياة والإيقاع في واجهات محفورة ذات ظلال حادة، وقد أدى هذا الصرح الديناميكي إلى ارتياد العمارة سبلاً قادتها إلى الباروك Baroque وإلى تبني التأثيرات المسرحية فيها واستقدام عناصر منحوتة إليها.

عُين مايكل آنجلو مهندساً ومشرفاً رسمياً على كنيسة القديس بطرس في عام 1546، ولكن معارضة أصدقاء سلفه أنطونيو دا سانغالو الابن Da Sangallo ودسائسهم حالت دون إكماله لها. وفي زمن لاحق أُعيد بناء المظهر الخارجي وفق مقطع (رسم قطع عمودي للبناء) مختلف، فلم يبق مما صممه ميكلانجلو إلا الشكل المتصالب La croisée الهائل والمهيب، دليل عبقريته.

لم يكف مايكل آنجلو يوماً عن حبه للنحت وشغفه به، ولقد ظل في صراع ملحمي مع الرخام حتى النهاية. وكانت فكرة الموت تراوده، بل تسكن فيه، وكان هذا التأمل المنسجم تماماً مع إيمانه المسيحي يزداد حدة مع الأيام، وسرعان ما لجأ من جديد إلى التمثال الذي أنعم عليه بمأثرته الفنية الأولى «الشفقة» أو ـ على نحو أدق ـ «الإنزال من على الصليب» الذي بدأ العمل فيه نحو عام 1550، وخصصه في البداية لضريحه، وفيه جاءت الأشكال كلها أصيلة وفريدة، فهذا الجسد المقطع الأوصال، وعلى نحو متعرج للسيد المسيح، والمرأتان اللتان تحفان به من الجانبين، والوجه الشبحي لنيكوديم (تلميذ يسوع) الواقف خلفه مثل الآب في الأقانيم الجرمانية الثلاثة لا توجد أصولها إلا في بلاد الشمال. وفي محاولته الأخيرة أيضاً يُعثر من جديد على رجل تقطعت أوصاله من الألم وقبالته تجلس العذراء في وضع مؤثر. لقد هدأت روح هذا الفنان العاصفة التي صيرت فن النحت رموزاً عملاقة جياشة بالعواطف التي مهدت الطريق لعبقرية «رودان» Rodin لتستقبل مرحلة الأسى الدرامي. فالفنان الذي كان يقف بمطرقته محتدماً أمام عذراء الدوما الآسية ها هو ذا يلغي ساق المسيح ويحطم ذراعيه، ليختزله، بعد أن يئس من الحصول على الشكل المروم، ويحوله إلى شبح صيغ من الندم والوسواس والإخفاق والعدم، مع ذراع معلقة نافلة، وكأنها تسبح في فراغ مثل نَذْر ذي عاهة.

وليست صورة العجز الأخيرة هذه – والتي أطنب في مدحها المعاصرون – ما ينبغي الوقوف عندها، وإنما مآثر شبابه ومرحلة نضجه هي التي تستوقف المشاهد، فهي التي قلبت فن زمانه رأساً على عقب، بتوترها وحدّتها وطاقتها الجموح، فمن هذا الفن المضطرب والمهموم والقلق، ومن عبقريته في ابتكار الأشكال خرج التيار التكلفي Maniériste وولد في فلورنسا على يد هذا المعلم لينتشر في أوربا كلها. ومايكل آنجلو

هو أيضاً من ابتكر «الخط الأفعواني» أحد أهم ما في التكلفية من سمات وخصائص.
وأخيراً، وليس آخراً، فإنه من الميكلانجلوية ولدت الباروكية Baroque أيضاً، التي يعترف معلموها بأن ميكلانجلو هو الأب الروحي لهم.

مات مايكل آنجلو وعلى شفتيه ـ ساعة احتضاره ـ صدى كلماته الأخيرة: «إنني أشعر بالأسى؛ لأنني أموت قبل أن أقدِّم كل شيء من أجل سلام نفسي، ولأنني أموت حينما بدأت أتهجّى فني».

ويكبيديا

.   أشعيا

.

.

Michelangelo1
Doni Tondo
Holy Family with
St. John the Baptist
1504Oil on panel.
Galleria degli Uffizi
Florenc


.

,

Michelangelo13
The Sibyl of Delphi.
1508-1512. Fresco
Sistine Chapel,

.

.

Vatican

أرميا

.

.

جويل

.

.

إبن الشمس

.

.

 

 Michelangelo14
The Libyan Sibyl.
1508-1512. Fresco
Sistine Chapel,
Vatican.

.

.

Michelangelo30
Conversion of
Saul

.

.

Michelangelo29
Conversion of
Saul

.

.


.

.

Michelangelo34
Matyrdom of
Saint Peter [detail]
1550 Fresco
Cappella Paolina
Palazzi Pontifici
Vatican

.

.

Michelangelo17
The Last Judgment
1534-1541. Fresco
Sistine Chapel
Vatican

.

.

San Pietro in Vincoli on the Esquiline in Rome. (s)

 Michelangelo designed at least six different styles for this monument. The artist was given the commission by Julius with the promise of a huge payment of 10,000 ducats, an astronomical amount of money at the time. The scale of the project was reduced over the forty year period from conception to completion, however the tomb contains some magnificent statues, and remains as a fine example of renaissance art.

 Only the three figures at the bottom of the tomb (Rachel, Moses and Leah) are by Michelangelo, two figures of slaves intended for the tomb are now in the Louvre Museum in Paris

.

.

Giuliano de’Medici”  (s)

Giuliano was murdered in 1478 and this statue is an idealized

, heroic depiction, created in the classical style by Michelangelo

.

.

Lorenzo de Medici (s)

This is of Lorenzo, Duke of Urbino, and not Lorenzo the Magnificent

who was the most  important member of the Medici family.

Related Posts via Categories