الفن : شعور راق وإحساس مرهف يتمخض عنه إبداع وجمال .

يتجلى  هذا الفن في لوحة بديعة خطتها أنامل مرهفة دقيقة ، تبعث في نفس من يطالعها راحة وانشراحا ، أو قصيدة شعرية مفعمة بالمعاني والقيم العالية ، ترسخ معاني الشجاعة والفداء ، أو منشد يصدح بصوته الشجي فيبث معاني الرجولة والوفاء ، ويرفع الهمم الضعيفة والهامات المنحنية عاليا ، ويوقد العزائم المحبطة والمخدرة لتقفز من سباتها ، أومطرب ينشر مشاعر الحب والإخاء ، بلحن عذب ندي يهز المشاعر الراقية والأحاسيس المرهفة ، أو في  مسرحية هادفة تصور مشكلة إجتماعية أو وطنية ، تشخص الخلل وتؤطر المشكلة ، وترسم سبل الخروج من تلك الأزمة ، فتصلح المجتمع وتنهض بالأمة .

وفي جميع الأحوال فإن الفن الحقيقي الأصيل يبقى رسالة سامية ، ترقى بمشاعرالأمة نحو السؤدد والصلاح ، وتزرع معاني القيم العالية والأخلاق الرفيعة ، وتبث مشاعر البطولة والرجولة والوفاء ، وتؤصل حب الوطن والذود عن حياضه .

كل انسان يمكن أن يكون فنانا ناجحا في عمله ومعاملاته ، مع البيئة التي تحيط به ويعيش فيها ، فالمهندس البارع يمكن أن يكون فنانا في تصميماته وإبداعاته ، والدكتور الماهر كذلك يكون فنانا في طريقة تعامله مع زواره ومرضاه ، أو حتى في طريقة ودقة إجراء عملية جراحية لمريضه ، وكذا المعلم في أسلوب شرحه وتقديمه وطريقة توصيل المعلومة وعرضها بشكل واضح ومشوق لطلابه … ومثلهم الرسام … والخياط … والنجار … والحلاق … وغيرهم .

والفنان : هو ذلك الشخص المبدع الذي يتمتع بشعورسام وإحساس مرهف ، يجنده لهدف مشروع بناء ، فيصلح من حال الإنسان وينهض بالأمة .

وحتي يكون الفنان فنانا حقيقيا بمعنى الكلمة  يحترم هذه المهنة ولا يسيء إلى معناها  ولا ينتقصها حقها ، عليه أن لا ينحرف بها عن جوهرها النقي ، ولا يهبط بها إلى طريق التجارة وكسب الأموال ، ويحولها إلى وسيلة للثراء على حساب الفن وأهدافه المنشودة .

فإن في هذا تجنيا على الفن ورسالته السامية وافتئاتا عليه ، ولكن الأقبح من ذلك أن يضع الفنان إمكانياته ومواهبه تحت الطلب ، فيؤجرها هنا ويبيعها هناك في سوق نخاسة رخيص ، فيتحول بالفن إلى درك الهوان والإبتذال .

عندما يتحول هذا الشخص الوصولي إلى أداة رخيصة تستعمل لخدمة الآخرين من أصحاب الشأن وتحقيق أهدافهم الشخصية الهابطة أو المتخاذلة ، بعيدا عن مشاعره وأحساسيسه وقيمه وأخلاقه … وفكره ، عندها لا يمكن أن يسمى مثل هذا فنانا بل يصبح ممثلا وضيعا … لا بل مهرجا محترفا .

والممثل : بيدق على رقعة شطرنج ، يحركه لاعب من عل إلى المكان الذي يريده ، وفي الوقت الذي يختاره ، وشتان … شتان بين رجل لا يختلف عن بيدق من خشب أو زجاج ، وبين رجل من لحم ودم ومشاعر وأحاسيس يتحرك على أرض الوطن لبنائه ، وخدمة شعبه والدفاع عن أرضه ومقدساته .

الممثل : شخص يتقمص مشاعر وأحاسيس مزيفة ومتناقضة  بحسب الدورالمسند إليه ، أو الدور الذي ربما يكون قد اختاره بنفسه …  لتحقيق مصالح الذات وأهواء النفس ، متنكرا لرسالة الفن ومبادئه السامية الأصيلة ، وبطريقة مغمسة بأساليب التزلف والتذلل ، ومعبدة بأرصفة الخنوع والهوان  .

الممثل : صالة عرض  لبيع المشاعر والأحاسيس …..  يباع فيها الفرح والحزن معا … يباع فيها الصدق صباحا والكذب مساء … يباع فيها الخيانة والوفاء … والعمالة  والغدر والوطنية … وغيرها من القيم والأخلاق والشيم والمعاني المتباينة والمتناقضة بنفس السعر .

يبيع الممثل دمعة أم ثكلى كما يبيع ضحكة عاهرة فاجرة ، يبيع نهرا من دموع أم فقدت وحيدها في حجرها ، كما يبيع الدم المسفوح لذلك الطفل الوحيد الذي فجعت به أمه .

يتبلّد إحساس الممثل ويتحجّر شعوره ويفقد معاني القيم والأخلاق والأعراف والرجولة وينسى كل ماحوله ، ويتحول إلى مجرد أداة توجهها المصالح الهابطة والأهواء المزيفة والأماني الرخيصة ، لا يرى معاناة الأمة  وإذلال الشعب وهوان الوطن ، لا يسمع صراخ المظلومين  وأنات الثكالى  وبكاء اليتامى ، ويخرس لسانه أمام قمع الحاكم المستبد وقتله لأبناء الوطن وسفكه لدمائهم ، في حين ينطلق مدويا يلهج بحمد الطاغية ويسبح له ويقدس … صباح مساء .

عندها لم يعد هذا الشخص فنانا … ولا ممثلا … ولا مهرجا ، لأنه أصبح من حاشية هذا الحاكم المستبد وبطانته الفاسدة ، وشريك السلطان المستبد في تضليل الشعب وتزييف الحقائق … وقمع المواطن .

لقد أوغل في انحرافه وتنكر لرسالة الفن ومبادئه ، وباع كل القيم والأخلاق والمشاعر ، ليؤصل للطاغية ظلمه ، ويشرع له إجرامه ، ويبارك له قتله ، ويلمع له صورته المشوهة ، ويغطي على أفعاله الذميمة والقبيحة ، ويثبت له عرشه المهزوز بصخور ملحية منخورة وفاسدة ! .

لقد خان نفسه وخان شعبه …. وخان الوطن ، لقد باع نفسه وباع أهله وباع الوطن ، بسعر بخس في سوق نخاسة رخيص .

الفنان إما أن يحترم مهنته ويكون رجلا على مستوى رسالة الفن السامي وأهدافه الإنسانية ، وإلا فليكسر قلمه ويحبس لسانه ويعتزل عمله ، خير له من النفاق للسلطان وخيانة الشعب والأوطان.

إن الفنان الذي يقوم بتجسيد القيم والهمم العالية والعزائم القوية الصادقة ومواقف النخوة والشهامة أمام جمهوره ، لا يليق به كرجل وانسان وليس كفنان فحسب ، أن يتنازل عن هذه القيم والأخلاق ويتخلى عنها تحت أي ظرف من الضغوط ، ولو هدده أعوان الحاكم في رزقه ولقمة عيشه ، ولو حتى امتد تهديد الطاغية إلى أمنه وسلامته ، وما رفضه للإبتزاز والتنازل عن رسالته السامية ومبادئه الأصيلة ، إلا جزء من هذا الوفاء لمهنته التي اختارها والقيم التي جسدها … والوطن الذي أحبه .

إن الفنان الذي اختار تجسيد عظماء الأمة ، ورسم بطولاتها ومواقفها ، وصور صدق إيمانها وقوة عقيدتها ، ومضاء عزيمتها ، وترجم وطنيتها ووفاءها … لا يجدر به أن يخون الدور الذي جسده ويخذل جمهوره الذي شجعه ، وينقلب على القيم والأخلاق التي عززها ودعا إليها .

إما أن يكون الفنان رجل مبادئ ومواقف عند الأزمات والمحن على مستوى من الرجولة والاحترام للأدوار والقيم والمواقف التي قدمها بما يخدم مصلحة الشعب وأبناء الوطن ، متجاوزا ترهات المستبدين وضغوط زبانيتهم وحواشيهم ، ومتجاهلا تعليماتهم التي تبحث عن مصلحة الحاكم المستبد على حساب حقوق ومطالب الشعب ، وإما أن يعتزل الفن ويختفي من الساحة ، خير له من أن يطالع جماهيره كل يوم جديد بالخيانة والخذلان ، لما في ذلك من تآمر على الفن وانقلاب على أصالته وانحياز ضد جمهوره وبني وطنه ،

فاعتزال الفن خير من اصطفاف الفنان خلف السلطان المستبد ضد جمهوره العريض من أبناء أمته ووطنه .

الإعتزال خير ألف مرة من هذا النفاق الفني … والردة الأخلاقية .

محمد حسن فقيه

31 أيار ( مايو ) 2011

Related Posts via Categories