بانوراما /  محمد قاسم ” ابن الجزيرة “

الحياة في حيويتها ومسارها … تتخذ شكل “بانوراما”. فهي تجمع عناصر مختلفة مادية ومعنوية-روحية او فكرية- في صيغة تفاعلية وتكاملية، لذا فهي لا تُعاش بشكل صحيح إلا وفقا لهذه الصيغة، ولا تُفهم بشكل دقيق أيضا إلا وفقا لهذه الصيغة التفاعلية والتكاملية…!
من هنا اخترت العنوان –بانوراما- وهو ما أفهمه على أنه، التنوع المتفاعل والمتكامل.
الفكرة تنشط في الذهن –غالبا- كنتيجة لإيحاءات ما، او ما نسميه إلهاما، وتختلف مصادر الإلهام لكنها جميعا محركة للقوى النفسية الانفعالية ، او يستجيب لها الفكر في حالته المتوهجة.
وهي- مصادر الإلهام- في حالة الفكر المتوهج أيضا؛ ذات طبيعة انفعالية –بمعنى ما – ويمكن أن نصف الفكر -المتأثر بهذه المصادر– بالتوهج إن لم نسمه انفعاليا؛ لتجنب معنى خلو –او ضعف- الحيوية في الفكر،عندما نربطه بمعنى الانفعال في هذه الحالة من التأثر.
باختصار –او تكثيف-: الفكر يتأثر بالإلهام- أيا كان مصدره مادام مؤثرا- وهذا التأثر يخلق فيه نوعا من التوهج يجعله فعالا او مبدعا. الفارق بينه كفكر متوهج انه خلاّق بوعي، وهذا ما يميزه عن الانفعال الذي قد يصادر الفعالية في العقل-الفكر لصالح مسيرة الانفعال خاصة في الفعالية الذاتية الأدبية –كالشعر مثلا،والفنية كالرسم مثلا.
إن تنوع المواضيع –وأضيف تفاعلها وتكاملها أيضا- عنوان معظم الأطروحات، او البرامج، او الفعاليات …الخ.
لذا اخترت العنوان “بانوراما” للإشارة إلى عدة موضوعات يجمعها هذا العرض…
ولئن بدت هذه الموضوعات –كما اعتدنا تصنيف الأشياء- أنها غير متصلة ظاهريا، فإن التعمق في فهمها -باعتبارها أنشطة تتصل بالبشر في النهاية إنتاجا وانعكاسا –او نتائج..- ستجعلنا نفهم أنها ليست متباعدة كما يُظن لأول وهلة،فلننظر في بعضها ومنها:
1- موضوع-او أطروحة-السعي لتحقيق اتفاق وتعاقد-بين القوى الاجتماعية المختلفة،السياسية والثقافية … للفصل بين الفعاليات، والصراعات، والاختلافات السياسية، وبين أنشطة ذات طبيعة ثقافية؛ كالفنون بأنواعها، والفولكلور والآثار والعلوم والآداب… الخ.
فتوكل هذه الأنشطة ذات الطبيعة الثقافية –المعرفية والمعتمدة على الخبرة الخاصة…- إلى قوى غير سياسية متخصصة (دون أن يمنع ذلك من ممارسة السياسي لفعاليته الإبداعية فيها،وممارسة هذه القوى لفعاليته السياسية إذا شاء ). وذلك لتوفير ظروف وشروط أفضل لنموها، واستمرارها… بعيدا عن المؤثرات المباشرة لحركة السياسة التي تمارس الصراع أساسا في فاعليتها، فضلا عن غلبة الرغبة-والذاتية، وربما الأنانية أيضا- في اتجاه حيازة المصلحة.
2- موضوع-او أطروحة- تنظيم الأنشطة الثقافية التي تميز كل جماعة –أيا كانت؛ دينية، عرقية، اجتماعية،تاريخية… وغير ذلك… وفق منهج يستوعب هذه الاختلافات، ولا تعطى أية فرصة –مهما كانت الدوافع لقمعها وإلغائها بدوافع ما–أيا كانت- وإيجاد وسائل لضمانة ذلك فعليا… لا أن تبقى مجرد أفكار تتكرر في المناسبات دون وجود ما يفعلها حقا.
وهذه الدوافع -غالبا ما- تكون ذات طبيعة سياسية بخلفية ثقافية عامة معينة. فمثلا:
1-منع الايشارب-وليس الحجاب- في بعض المدارس . كما يحصل في بعض دول أوروبا، وطرح مؤخرا في روسيا.
هذا المنع هو تصرف متجاوز-ولنقل : لا يستند إلى قيمة إنسانية في حقيقتها، بل هو ممارسة قهر لمظاهر ثقافية للآخرين، وهو قهر مرفوض من الروح الإنسانية أخلاقيا، ووفق مبادئ حقوق الإنسان والمواثيق الدولية.
2-منع جماعات إثنية ما من تداول لغتها بحرية في مختلف أنشطتها كأي جماعة إثنية أخرى –أيا كان موقعها وقوتها … بدواعي وحدة الأمة –او الشعب ضمن الوطن- هو ممارسة تضليل حقيقي…فالحالة هنا:
أ‌- إما أن المانع هو أثنية حاكمة ومحتلة في شكل ما لأراضي الإثنية-الجماعة-الممنوع عليها تداول لغتها كما في حالة الترك والفرس والعرب مع الكورد…مثلا. وهم -في هذه الحالة- فضلا عن أنهم محتلون–للأراضي الكوردية ( أجزاء من كوردستان نتيجة سايكس بيكو..فإنهم يمارسون القهر أيضا بحق الثقافة الكوردية منذ قرون وعقود،ويمارسون لصوصية تتخذ شكلا مشروعا في قوانين وضعتها القوى المستفيدة –سواء تلك التي قسمتها او تلك التي احتلتها ولا تزال-..
ب‌- وإما أن المانع هو إثنية حاكمة غير محتلة لكن الإثنيات الممنوع عليها تداول لغتها هي مهاجرة تحت تأثير ظروف ما إلى هذا الوطن حيث يتم المنع،وهذه الحالة –الهجرة –مهما كانت الأسباب، وهي مختلفة- هي حالة يحتمل أن يمر بها جميع الناس، ومن مختلف الإثنيات والشعوب… لأسباب كثيرة يذكرها تاريخ الهجرات وأسبابها وجغرافيتها …الخ.
ولقد أفلح الغربيون-أوروبا خاصة-( واستحقت لذلك جائزة نوبل للعام 2012 ) في إيجاد قوانين عملية ومنتجة في هذا الشأن أيا كانت الدوافع والغاية –لا نقول عنها كاملة لكنها تمهد لاتجاه ايجابي مرغوب فيه.
3- في مسيرة الفن-التمثيل خاصة- تظهر عوارض توصلنا إلى استنتاج أن: بعضها ذاتية خاصة؛ ربما سُرّبت بدوافع ذاتية خاصة أيضا، لكن الأكثر من هذه العوارض –المظاهر والممارسات او الأداء- مورست لغايات ثقافية او مالية…كأن نكرس مظاهر شديدة الإغراء، والإغواء، والإثارة… في الأفلام والمسلسلات –الأوروبية الغربية خاصة بسبب غلبة دور الاقتصاد بأسلوب غلاب في ثقافتها-.
وربما أكثر -في بعض أحوالها- في التمثيل العربي وغير العربي أيضا.مع فارق: ما هو في الغرب منسجم مع طبيعة ثقافته عموما، بينما ما هو في التمثيل في العلم الإسلامي –والعربي منه- إنما هو تقليد-وأحيانا تقليد شديد الابتذال -.!
فالمشاهد المثيرة من العري، وأسلوب العناق والقبل، وفي بعض الحالات ممارسة مباشرة- او قريبة من المباشرة- للجنس، والحركات التي ترافقها…الخ لا صلة لها بالفن كوظيفة فنية؛ تصب في الحصيلة في خدمة المساهمة في التطور الاجتماعي؛ سواء بالخلاص من رواسب غير مرغوب فيها، او بتثبيت قيم يؤمل أنها الأكثر فائدة في إغناء الحياة الاجتماعية…!
عندما تدرس العلاقات الجنسية ليتوافق مع مدارك الطفل لمعنى الجنس ووظائفه ونتائجه.. في المدارس وفي النهج التربوي عموما- وان كان يختلف في تفصيلاته من مجتمع لآخر…إلا أن المسار العام واحد…على الأقل من وجهة نظر العلم-إذا جاز التعبير- عندما تدرس هذه العلاقات الجنسية في المؤسسات التربوية عموما؛ فإن الحرص والحساسية والحذر…يترافق مع الخطوات التربوية–في الغرب نفسه-لكن ينعدم ذلك الحرص والحساسية في المسلسلات والأفلام-غالبا- مع أن الأطفال يذهبون إلى المدارس، أما التلفزيون بكل ما فيه من ابتذال صنعته شركات ومؤسسات وأفراد لغايات لا صلة لها بالتربية تحت عنوان الحرية ….يأتي إلى الأطفال في البيوت وفي كل مكان،وهنا موطن التساؤل…!
أيهم أولى بالحماية تحت بند الحرية ذاتها، الأطفال ومستقبلهم (ويعني مستقبل البشرية عموما؟).
أم حماية حرية الذين يمارسون نهجا مؤذيا للبشرية في قيمها وتراثها وحياتها ومستقبلها….استجابة لغرائز يجمع البشر على أنها مؤذية للبشرية- ما لم توضع في سياقات معينة مشروعة –دينا او أخلاقا او قانونااجتماعيا… الخ؟
باسم الفن يصدّر المنتفعون( أصحاب ثقافة بعينها-إذا جاز ان نسميها ثقافة بحق) كأصحاب الشركات الإنتاجية الصناعية المختلفة…خاصة المواد التي لها صلة بالأنثى كالماكياج ،والأجهزة المختلفة التي تعنى بما يسمى تجميل او تنحيف او رشاقة القوام او الماكياج او التسريحات او التقليعات او ملكات الجمال او الإعلانات المختلفة أو موديلات الأزياء وتصميمها وعرضها بطريقة جاذبة ومغرية للنفس والجسد…الخ. يصدّر ما يؤذي الحياة البشرية الحقيقية ،ويهددها في كثير من قيمها الضابطة للعلاقات السليمة التي تخدم هدوء الحياة الاجتماعية وإمكانية توزيع الثروة بطريقة ما لمعالجة الفقر والعوز والحاجة ومعالجة الأمراض والشرور التي تنتجها ظروف وبيئات الحرمان والجوع… فضلا عن تنامي الأحقاد؛ تنفخ فيها بعض وسائل الإعلام المتنفذة في ظل مفهوم ناقص او مسخر لمعاني الحريات ، وخطط بعض السياسيين وبعض الاقتصاديين والجهلة، والذين يعانون مشكلات نفسية –ربما ليسوا مسؤولين عنها -…الخ.
ولأن السياسيين –رغبوا أم لم يرغبوا – لا يمكنهم التصدي لمثل هذه الأشياء بفعالية…خوفا من تأثير الموقف على مراكزهم … فقد أصبحت مهمة معالجة هذه الأمور مهمة للمثقفين عموما –أيا كان مكانهم واتجاهاتهم..وإن تخصصهم الثقافي يتيح لهم معرفة القيم المشتركة إنسانيا، وأهميتها في الإساءة او الفائدة اجتماعيا..كما يفترض بهم البحث دوما فيما هو مشترك كقيم؛ يفترض احترامها، وسن القوانين لها، ودفع الناس فعلا لتبنيها، طبعا بالتعاون مع كل القوى التي تجد نفسها مسؤولة بدرجة ما او قادرة بدرجة ما كل من موقعه…
حرصا على حياة آمنة ومعافاة للمجتمعات عموما، ضمنا ذرية هؤلاء جميعا بعدوا او قربوا – بدلا من التضحية بمستقبل آمن ومريح للمجتمعات في سبيل نزوات فردية تحت عنوان ” الحرية الفردية” -ونحن معها- ولكن مصلحة المجتمعات والبشرية وحريتها-والحرية الفردية في سياقها- كيف نراها..؟!

Related Posts via Categories