الشاعر قيس بن الخطيم في الغزل بقلم – فالح الحجية

هو ابو زيد قيس بن الخطيم بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظفر من بني الأوس بن حارثة إحدى أهم قبائل يثرب(المدينة المنورة).
توفي لسنتين قبل الهجرة شاعر من صناديد وابطال العرب في الجاهلية وأشد رجالها. قُتل أبوه وهو صغير . قتله رجل خزرجي . فلما بلغ مبلغ الرجال قتل قاتل أبيه وقيل لهذ ا السبب نشبت الحروب بين الاوس و الخزرج التي استمرت طويلا الى ان اطفأها الاسلام حيث آ خا الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم بين الاوس والخزرج. وقيل انه قتل أيضاً قاتل جده، و يذكر الصفدي صاحب الوافي بالوفيات عنه بقوله كان قيس مقرون الحاجبين، أدعج العينين، أحم الشفتين، براق الثنايا كأن بينهما برقاً، ما رأته حليلة رجل قط إلا ذهب عقلها واستهوته ). وله في وقعة بعاث التي كانت بين الأوس والخزرج قبل الهجرة أشعار كثيرة. فقد كان شاعراً لايشق له غبار وكان بينه وبين حسان بن ثابت شاعر الخزرج منافسات ومساجلات شعرية وكان الاوس والخزرج يعلمونها لاولادهم ويجعلونهم يحفظونها لأن فيها مآثرهم وبطولاتهم.
أدرك الإسلام وتريث في قبوله، فقتل قبل اسلامه .
بينما أسلمت زوجته حواء الأنصارية وكانت قد كتمت إسلامها عنه.
عاش قيس يتيماً لايعرف عن موت أبيه شيئا وكانت امه تخاف عليه كثيرا فكتمت خبر مقتل أبيه خوفاً منها أن يُقتل ان سعى في ثأر أبيه كما قُتل أبوه وهو يسعى للثأر لجده لذا فقد اصطنعت قبرا بجوار بيتها واخبرته ان هذا قبر ابيه وقبر جده وكان قاتل جد قيس من بني عمرو بن ربيعة، وقاتل الخطيم من بني عبد القيس من بني بكر الذين يسكنون هجر( الأحساء) التي تبعد عن المدينة المنورة مسافة تقارب الألف وخمسمائة كيلومتر وبينهما صحاري وجبال ووهاد فكان قيس لا يشك في كلام أمه. ونشأ قيس قوي البنية شديد الساعدين، فكان يصارع فتيان قومه ويغلبهم إلى أن غضب منه أحدهم
فقال له: والله لو جعلت شِدَّة ساعديك على قتلة أبيك وجدِّك لكان خيراً من أن تُظهرها علينا.
فقال قيس : ومن قتل أبي وجدي؟
فقال الفتى: سل أمك تخبرك.
فذهب قيس من فوره إلى أمه غاضباً
وقال لها: كيف مات أبي وجدي؟
فقالت : ماتا كما يموت الناس. فوضع سيفه على صدره
وقال لها: لئن لم تخبرينني من قتلهما لأقتلن نفسي .
فقالت: أمَّا جدُّك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة يقال له مالك ، وأمَّا أبوك فقتله رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر.
فقال : والله لا أرتاح ولاترين وجهي حتى أقتل قاتلي أبي وجدي.
فقالت : يا بني مادام الأمر على ذلك فإن مالكاً قاتل جدك من قوم -خداش بن زهير -، ولأبيك عند خداش نعمة ٌ هو لها شاكر، فأته فا ستشره في أمرك، واستعنه على ذلك فأنه يُعِنك .
فخرج قيس من ساعته وأخذ جمله وحمل عليه حملين من التمر ، ثم خرج الى قومه وقال: من يكفيني أمر أمي العجوز ؟ فإن مِتُّ أنفق عليها من هذا الحائط(البستان) حتى تموت ثم هو له، وإن عشت فمالي عائدٌ إليَّ ، وله ما شاء أن يأكل من تمره. فقال رجل من قوم قيس : أنا أكفيك ، فأعطاه البستان. ثم خرج يسأل عن خداش بن زهير حتى دُلَّ عليه في وادٍ قرب مكة فذهب قيس إلى خيمة خداش فلم يجده، فنزل تحت شجرة ينزل تحتها أضياف خداش ، ثم نادى امرأة خداش
وقال لها: هل من طعام؟
فقالت: والله ماعندنا إلا تمر .
فقال: أخرجيه لي.
فأرسلت إليه إناءً فيه تمر فأخذ منه تمرة وقسمها نصفين فأكل نصفها وأرجع النصف الباقي في الإناء ، ثم أعاده لها، وذهب لبعض حاجاته.
ورجع خداش ، فأخبرته امرأته بأمر ضيفه وما فعله بالتمرة ،
فقال لها : هذا رجل له عندنا حرمة وذمة ويريد أن نعينه،
وأقبل قيس راجعاً ، فلما رآه خداش ورأى قدميه
قال لامرأته: أهذا ضيفنا؟
قالت: نعم .
وكان خداش من ذوي الفراسة
فقال: كأن قدمه قدم الخطيم والله إن لم أكن مخطئاً فهو ابنه.
ثم أقبل قيس وقرع طنب الخيمة بسنان رمحه ، واستأذن،
فدخل إلى خداش وعرَّفه بنفسه وأخبره بأمره وعزمه على الثأر لابيه وجده وأنه يريد من يعينه على ذلك. فرحب به خداش ، وذكر نعمة أبيه عنده،
وقال: مازلت أتوقع هذا الأمر منك منذ حين ، فأمًّا قاتل جدِّك فهو من قومي ، وأنا أعينك عليه ، فإذا اجتمعنا في نادينا(مجلسنا) فسأجلس إلى جنبه وأتحدث إليه ، فإذا ضربت فخذه فقم إليه واقتله. ففعل ما اشار عليه خاش ولما قتل قيس قاتل جده قام عليه القوم ليقتلوه فمنعهم خداش وقال : دعوه فوالله ما قتل إلا قاتل جده.
ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه ، وانطلق مع قيس ليالي وأياماً حتى إذا اقتربوا من هجر
قال خداش لقيس ( اذهب فاسأل عن قاتل أبيك، فإذا دُللت عليه اذهب إليه وقل له:إن لصاً من قومك عارضني فأخذ متاعي ، فسألت من سيد قومه فدلُّوني عليك ، فانطلق معي حتى ترجع لي متاعي منه . فإن اتبعك وحده فستنال ماتريد منه ، وإن أخرج معه غيره فاضحك وقل له إن الشريف عندنا إذا دعي إلى اللص من قومه تكفيه هيبته وسوطه عن سيفه وقومه فإذا رآه اللص أعطاه كل شيء هيبة وتوقيرا له . فإن أمر قومه بالرجوع فقد تهيأت الفرصة ، وإن أبى إلا أن يمضوا معه ، فأتني بهم فإني أرجو أن نقتله ومن معه).
ونزل خداش تحت ظل شجرة ، وفعل قيس ماأشار عليه خداش فعله ، فجاء الرجل معه وحده فتمكن قيس من قتله ،
فقال له خداش: إنا إن مررنا الآن طلبنا قومه ، ولكن ادخل مكاناً قريباً من مقتله فإن قومه لايظنون أنك قتلته وأقمت قريباً منه. و خرج القوم فوجدوا سيدهم قتيلاً فخرجوا يطلبون قاتله في كل وجه فلم يجدوه فعادوا يائسين وتركوا البحث فعاد قيس وخداش بعدها إلى قومها سالمين.
وفي تلك القصة قال قيس بن الخطيم إحدى أشهر قصائده المعروفة والتي كانت تقريباً أول مااشتهر من قصائده ، وفيها يقول:

تَذَكَّـرَ لَيلـى حُسنَهـا وَصَفاءَهـا
وَبانَت فَأَمسى مـا يَنـالُ لِقاءَهـا

وَمِثلِكِ قَد أَصبَيـتُ لَيسَـت بِكَنَّـةٍ
وَلا جارَةٍ أَفضَـت إِلَـيَّ حَياءَهـا

إِذا ما اِصطَحَبتُ أَربَعاً خَطَّ مِئزَري
وَأَتبَعتُ دَلوي في السَخاءِ رِشاءَهـا

ثَأَرتُ عَدِيّاً وَالخَطيـمَ فَلَـم أُضِـع
وِلايَـةَ أَشيـاءٍ جُعِلـتُ إزاءَهـا

ضَرَبتُ بِذي الزِرَّينِ رِبقَـةَ مالِـكٍ
فَأُبتُ بِنَفسٍ قَـد أَصَبـتُ شِفاءَهـا

وَسامَحَني فيها اِبنُ عَمروِ بنِ عامِرٍ
خِـداشٌ فَـأَدّى نِعمَـةً وَأَفـاءَهـا

طَعَنتُ اِبنَ عَبدِ القَيسِ طَعنَةَ ثائِـرٍ
لَها نَفَذٌ لَـولا الشُعـاعُ أَضاءَهـا

مَلَكتُ بِها كَفّـي فَأَنهَـرتُ فَتقَهـا
يَرى قائِماً مِن خَلفِها مـا وَراءَهـا

وَإِنّا مَنَعنـا فـي بُعـاثٍ نِساءَنـا
وَما مَنَعَت مِلمُخزِياتِ نِساءَهـا

لما عاد قيس بن الخطيم من رحلة ثأره اشتهر أمره بين قومه و قال قصيدته المشهورة التي افتخر فيها بثأره، أراد قومه من الأوس أن يجربوا بطولته وقوته في معاركهم وكانت حرب بعاث في أوجها ، فلم يخيب قيس أمل قومه حيث كان بطلاً في معاركهم، وقد شهد له بالبطولة اصدقاؤه وأعداؤه وقد قال ثابت بن قيس بن شماس الصحابي الجليل يشهد بذلك أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان في مجلس من الخزرج فذكر بيت قيس بن الخطيم الذي يقول فيه:

أُجالِدُهُـم يَـومَ الحَديقَـةِ حاسِـراً
كَأَنَّ يَدي بِالسَيفِ مِخـراقُ لاعِـبِ

فتعجب رسول الله من ذلك
وقال: أكان فعلاً كذلك؟
فقال ثابت بن قيس بن شماس: نعم يارسول الله، ولقد نزل إلينا ذلك اليوم وكان سابع يوم بعد عرسه .

قال في الغزل:

تَروحُ مِنَ الحَسناءِ أَم أَنتَ مُغتَدي
وَكَيفَ اِنطِلاقُ عاشِقٍ لَـم يُـزَوَّدِ

تَراءَت لَنا يَومَ الرَحيـلِ بِمُقلَتـي
غَريرٍ بِمُلتَفٍّ مِنَ السِـدرِ مُفـرَدِ

وَجيدٍ كَجيدِ الرِئمِ صـافٍ يَزينُـه
َوَقُّـدُ ياقـوتٍ وَفَصـلِ زَبَرجَـدِ

كَأَنَّ الثُرَيّا فَـوقَ ثُغـرَةِ نَحرِهـا
تَوَقَّـدُ فـي الظَلمـاءِ أَيَّ تَوَقُّـدِ

وقال ايضا :

يا عبلَ لولا الخيالُ يطرقُني
قضيْتُ لَيلي بالنوحِ والسَّهَرِ

يا عبلَ كَمْ فِتْنةٍ بَليتُ بها
وخُضتُها بالمُهنَّدِ الذَّكر

والخيلُ سُودُ الوجوه كالحةٌ
تخوضُ بحْرَ الهلاَكِ والخطَر

أُدَافعُ الحادثاتِ فيكِ ولاَ
أُطيق دفعَ القَضاءِ والقَدَرِ

وقال في الغزل ايضا :

رَدَّ الخَلِيطُ الجِمَالَ فانْصَرَفُوا
ماذَا عَلَيْهِمْ لَوَ انّهُمْ وَقَفُوا

لَوْ وَقَفُوا ساعةً نُسَائلُهُمْ
رَيْثَ يُضَحّي جِمَالَهُ السَّلَفُ

فِيهِمْ لَعُوبُ العِشاء آنِسَهُ ال
دَّلّ، عَرُوبٌ يَسُوءُها الخُلُفُ

بَيْنَ شُكولِ النّساء خِلْقَتُها
قَصْدٌ، فَلا جَبْلَةٌ وَلا قَضَفُ

تَنامُ عَنْ كُبْرِ شَأنِها فإذا
قَامَتْ رُوَيْداً تَكادُ تَنْغَرِفُ

حَوْراءُ جَيْداءُ يُسْتَضاء بها
كأنّها خُوطُ بَانَةٍ قَصِفُ

تَمْشي كمَشْيِ الزَّهراء في دَمَثِ ال
رَّمْلِ إلى السّهْلِ دونَهُ الجُرُفُ

ولا يَغِثُّ الحَدِيثُ ما نَطَقَتْ
وَهْوَ بِفِيها ذُو لَذَّةٍ طَرِفُ

تَخْزُنُهُ وَهْوَ مُشْتَهًى حَسَنٌ
وَهْو َ إذا ما تَكَلّمَتْ أُنُفُ

بَلْ لَيْتَ أهْلي وأهْلَ أَثْلَةَ في
دارٍ قَرِيبٍ مِنْ حَيْثُ تَخْتَلِفُ

أَيْهاتَ مَنْ أهْلُهُ بِيَثْرِبَ قَدْ
أمْسَى وَمَنْ دُونَ أهْلِهِ سَرِفُ

يا رَبِّ لا تُبْعِدَنْ دِيارَ بَني
عُذْرَة حَيْثُ انصرَفْتُ وانصرَفوا

أبْلِغْ بَني جَحْجَبَى وَقَوْمَهُمُ
خَطْمَةَ أنّا وَرَاءهُمْ أُنُفُ

وأنّنا دُونَ ما يَسومُهُمُ الأع
داءُ مِنْ ضَيْمِ خُطّةٍ نُكُفُ

نَفْلي بِحَدّ الصَّفِيحِ هامَهُمُ
وَفَلْيُنا هَامَهُمْ بِنا عُنُفُ

وقال ايضا :

يا عبلَ لولا الخيالُ يطرقُني
قضيْتُ لَيلي بالنوحِ والسَّهَرِ

يا عبلَ كَمْ فِتْنةٍ بَليتُ بها
وخُضتُها بالمُهنَّدِ الذَّكر

والخيلُ سُودُ الوجوه كالحةٌ
تخوضُ بحْرَ الهلاَكِ والخطَر

أُدَافعُ الحادثاتِ فيكِ ولاَ
أُطيق دفعَ القَضاءِ والقَدَرِ

نَفْلي بِحَدّ الصَّفِيحِ هامَهُمُ
وَفَلْيُنا هَامَهُمْ بِنا عُنُفُ

فالح نصيف الحجية
العراق- ديالى – بلدروز
imagesCAE1NG3Z

 

 

Related Posts via Categories